ضرورات حاسمة لنجاح الثورة في مصر

حجم الخط
0

صلاح المراكبيلعلني وأنا أتابع تلك الشهور التي مضت منذ سقوط النظام الفاسد في مصر، أشعر بكثير من الدهشة والأسى، وأكاد أتصور أننا وقد سيطرت علينا حال وكأننا سكارى فنتخبط الى غير هدف، ونتصارع من غير وعي، ونبحث عامدين عما يفرقنا، وعما يبعد طاقاتنا، وعما يحولنا الى اعداء يتوجب علينا ان يبيد كل منا الآخر، ويمحوه من الوجود.

لكنني أرجو منذ البداية ان اؤكد ان ما حدث بمصر، وما يحدث الآن في العالم العربي، هو بغير شك صحوة تاريخية، وتيار كاسح، يؤكد ان هذه أمة واحدة، وان ارادة الله سبحانه، شاءت ان تعانق هذه الروح التي انطلقت وتقدمت تطالب بالحرية وتسعى الى التغيير، في وقت حان لهذه الأنظمة ان تسقط فقد أحالها الفساد والطغيان الى اجساد عفنة، ولم تكن بحاجة لسقوطها الا لمن يضعها بوجهها القبيح امام المرآة.. فها لها ما ترى، وكانت تحسب ان شعوبها تسعد بها وتتسلى، وانها قادرة على ان تستمر ادعاء بشموخ، ظنته لا يقهر.

انني على الرغم من شعوري بالدهشة والأسى لما هو حالنا اليوم، فإنني ادرك اننا نسير الى حق لا رجعة عنه، ولا تراجع فيه.. مهما تخيل الواهمون، ومهما شككوا وأشاعوا، واتفقوا، ووضعوا العراقيل، وأطلقوا من بلطجية.. لانها روح هذه الامة.. وإرادة تحميها.

أقول للجميع في مصر: لمن يجلس على كرسيه الهش، ولمن يتبارى بقلمه، ومن يعتلي منبره او يردد هذيانه، ولمن يتربع على أمواله، ومن يتأرجح بحزبه. أدعوهم أن يشعروا بالخجل امام ما يحدث الآن في سورية وليبياففي سورية يواجه الشعب اعتى نظام بوليسي في المنطقة: تتحالف فيه السلطة مع الجيش، والحزب، والاعلام، واحتكار الثروات والاقتصاد.. يواجه الثوار كل هؤلاء، في كل مدينة وقرية.. والمؤسف المضحك معا ان هذا التحالف الشرير يرتعد امام هؤلاء الأبرياء العزل.. فيضيف الى قواته البرية والجوية.. قواته البحرية ايضا، السوريون كلهم صف واحد.. متكاتفون، ومنظمون بشكل أذهل المراقبين والمتابعين، ولا عودة الا بسقوط النظام.

وفي ليبيا شعب بكامله، يواجه رجلاً بأولاده، ينام ويصحو تحت الأنفاق.. تتدفق عليه الاسلحة من اصدقائه القربين والبعيدين، وينفق عن سعة.. بينما الثوار يقتاتون من حشاش الارض، ولا يجدون العون حتى من اخوانهم وجيرانهم ويديرون معركتهم متكاتفين حتى يتحقق النصر الذي أراه قريبا.. أدعو الجميع في مصر، الى ادراك ان ما يحدث من حولنا، هي صحوة لا رجعة عنها، ولا يجب العبث بمسيرتها، واننا ‘مصر’ التي كانت، والتي ستعود فأدوات ريادتها التي عطلت لا تزال تدب فيها الحياة، وعلينا ان تضخ في شرايينها اداة الحياة الى مستقبل يستحقه شعبنا.

انني اعرف عن يقين ان هذه الخلافات الزاعقة والهامسة التي تبلبل عقول الناس، هي معارك جاهلة ووهمية وخبيثة، يراد لها ان تقف في طريق انسانية الثورة وعدالة مطالبها، ادعاء بأن طائفة تريدها دولة دينية، او علمانية. وخاض الجميع يتهاتفون لأولويات يرونها حاسمة: الدستور، الانتخابات، الرئاسة، الاحزاب، ان يتوقف المعتصمون، المحافظون والمحليات، الغاء اسماء محمد حسني المخلوع وأسرته، ابعاد اعضاء الحزب الذي كان ان يعود الأمن بشروطه دون محاكمات لضباطه، لانهم كانوا يطيعون الأوامر ويؤدون واجبهم ‘الوطني’ نسبة الى الحزب الوطني، ان نعفوا عن الرئيس الذي كان لأنه هَرِم ومريض، وعن شعب طيب ومتسامح.. وإياكم واحداث اي شروخ.. فهي خطوط حمراء!. ولم تتحرك كل هذه الأولويات.. بل ساهمت في تخبط الجميع، وأدخلتهم في أنفاق من التفاصيل والأوهام، وتشابكت الخيوط البيضاء والسوداء والصفراء وما تشاء من ألوان.. وكاد الناس لا يصدقون ان شيئا قد سقط رغم انه اعلن انه سقط!

انني اعرف ويؤكد التاريخ بساطة الشعب المصري، وربما أوضّح اكثر فأقول: تهاون الشعب المصري امام حقوقه. وربما اكون اكثر دقة فأقول: سلبته من مواجهة الظلم فمن المؤسف والمخزي ان تُطرح على الناس استفتاءات بالعفو عن الرئيس المخلوع، ومن الغباء ان يعلن البعض انهم يائسون من هذه الفوضى التي تعمّ حياتنا بعد الثورة، كأنما الذين ثاروا هم سبب هذه الفوضى، وسبب استمرارها.. وكأن وجود البلطجية من مصر، او الشبيحة من سورية، قد هبط علينا من المجهول، فليس وراءهم من يجمعهم ويخطط لهم وينفق عليهم، وليس هناك من يحميهم، ويفتح لهم ابواب التحرك، او على الأقل من يغضّ البصر ويتهاون ويتجاهل انه يتحمل المسؤولية في الأمر كله.

إن هذا كله بغير شك، يشيع اليأس والكفر بالثورة من قلوب السذج والبهاء وحتى من المتعلمين، بل من بعض النخبة الذين فضحهم جهلهم، بالانضمام الى هذه الروح المؤسفة التي شاعت وعمت.. ترحما على أيام كان ينام فيها المصري مضروبا على قفاه.. لكنه كان يرى ان الأمور تسير. فكان يعرف اي يد يقبّل، واي وجه ينافق، وأي قدم يتبع، وأي سيد يتعبد. وأن طريق الكسب والرضا، لا علاقة له بالعمل او الانجاز، ولكنه التنافس والارتماء لكسب رضا المنعم والواهب والممسك بالرقاب والأرزاق، كفرا بالله سبحانه.. كان ذلك هو الاستقرار الذي عمّ النفوس، وأفسد العقول والقلوب، وهو أشدّ الوان الفساد، التي خلفها لنا النظام السابق.

إن الثورات الآن في مصر وفي المنطقة العـــربية، تواجــــه ضغوطا شرسة وفاعلة، تحاول التحكم في مساراتها، وتكبــيل خطواتها، لتجعل اليأس من نجاحها اقوى، وأقــل خطرا على مصـــالح اصحاب هذه الضغوط.. فتأتي ببدائل مأمونة، ترث الانظــــمة السابقة ما دامت وراثة الدم سقطت. هذه الضـــغوط تمسك بخــــيوطها دول كبرى على رأسها الولايات المتحدة بأصابعها ومعوناتها وأصابع اسرائيلية. وتتعاون معها دول الخليج، دفاعا عن النفس، وابعاد الشرر يطال ثيابها فقد عاشت هذه القوى الضاغطة البعيدة والقريبة، مرتاحة في تعاملها مع الانظمة السابقة، خاصة في مصر. وتدرك ان هذه الثورات مهما تمكنت من مدّها: ستعمّ صحوتها المنطقة كلها بغير شك. وستكون هنا أوضاع جديدة.. تحتاج الى اسلوب تعامل جديد يحافظ على ما يستطيع الحفاظ عليه ندا لند، وحقا بحق لكن العقبة الاساسية التي لن تجد لمستقبلها ما كانت تجده في ماضيها، هي بالقطع اسرائيل ستكون كيانا معزولا.. وربما تطيل بها سنوات من نضج الانظمة الجديدة، وقدرتها على امتلاك امورها، الى ان تصبح كيانا لا مستقبل له. اما الضغوط الداخلية في مصر، فانها تتركز بين بعض كبار رجال الاعمال مع من يستطيعون شرائه من القوى الداخلية، ارتباطا وتعاونا مع القوى الخارجية تبادلاً للمصالح. فقد أورثنا النظام السابق طبقة من رجال الاعمال، لم يكن لمن يريد ان يدخل مجالها، او تتاح له فرصة التمتع بتسهيلات لا قانون لها ولا حدود، الا للمتعاونين مع السلطة تبادلاً للمنافع، وتمويلا لأمن الفساد وارباحاً للفاسدين.

هذه الضغوط الخارجية والداخلية، تحرك كثيرا من الخيوط، وتعمل على اغراق الشعب في تفاصيل وألاعيب لا آخر لها.. فهذه محاكمات تداعب مشاعر الناس كمسلسلات تلفزيونية.. تبدأ بمحاكمات تمنع عنها الحضور والتصوير، ويشيع انه لا احد في الاقفاص، ولا جدية في الامر، فاذا غضبتم لانها مغلقة، واذا غضــــب المحامون لأنهم ممنوعون.. فهي تفتح الابواب ليدخل من يريد، ويدخل البلطجة ايضا بعصيهم وهتافاتهم.. فهي الحرية.. وهي الفوضى المتعمدة المخططة المقصودة!. ثم هناك مسلسلات الأولويات، وأبرزها مسلسل الوهم الكاذب، ذعراً من احتمال قيام دولة دينية، تقطع رقاب الناس وأياديهم، وتمنع الأغاني والموسيقى، وتمنع الرقص الا في حلقات الزار والتهليل، بل وتوقع اصحاب محلات ومصانع ماكينات الحلاقة والأمواس.. ان مصيرهم الاغلاق والافلاس. لانهم يعتدون على لِحى الرجال، الذين خلقهم الله بلحاهم.. فيتوجب الحفاظ عليها.

نتفق اذن على ان التيار الكاسح لروح الثورات العربية، والذي يساند بعضه بعضاً ويؤكد انه ليس هبة عارضة، ولا ظاهرة مصطنعة.. لن يترك للفساد مكانا على الأرض.. ورغم كل هذه الضغوط، التي لا تملك الا ان تحاول لتصل الى الحدّ الذي تتمكن من الوصول اليه. نتفق اذن على ان هذه الثورات خرجت من روح الشعب، قادها من مصر شباب انطلقوا في ميادين التحرير في القاهرة والمحافظات، ووجد فيهم الشعب آماله وأحلامه ومستقبله.. ونحمد الله سبحانه وتعالى انها قامت على يد شباب ثقافتهم غربية، وأدواتهم حديثة، ومطالبهم ترتقي فوق حاجة البطن، الى الحرية والعدالة والخير.. انطلاقا من روح هذا الشعب: ودعما من عون الله الذي لا يغيّر ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. هذه الصيحة الواعية المخلصة ترعاها إرادة الله سبحانه، ستعيد للمنطقة التي قادت البشرية عبر التاريخ، بأنبيائها وحضاراتها لتصحو في وقت واحد، فهي أمة واحدة لن تعود الى الوراء أبداً، ولن يستردها او يعوقها الفاسدون او المتآمرون أو الجاهلون.

نريد نظاما يقوم على اختيار الناس، ومصالح الناس، ويومها سيكون نظاما صالحا بكل المقاييس، وبمختلف المفاهيم والشعارات.. يحترم الوجود الانساني للجميع ويساوي بينهم في الحقوق والواجبات، ويترك لكل منهم شعاراته وراياته، يرفعها فوق بيته اذا أراد، أو يجد ما يجمعه بالآخرين لتحقيق حياة كريمة له ولغيره، ويبتلع منها ما يفرقّه عمن سواه. فقد أورثتنا الثورة سفينة وسط المحيط، علينا ان نتوافق للانطلاق بها الى بيت واحد يجمعنا هو الوطن. وهنا تأتي الكلمة الاخيرة التي تختصر الزمن الى شاطئ المستقبل.

أولاً: تكوين مجلس رئاسي من عدد من أصحاب الماضي النظيف، والحاضر الفاعل والصوت الهادئ المخلص ثلثهم على الاقل من شباب الثورة الذين يتوافق عليهم الجميع.

ثانياً: تكوين مجلس وزراء يمارس التغيير الفاعل، لتحقيق افضل الخدمات، يختارهم هذا المجلس الرئاسي.

ثالثاً: الاسراع بمحاكمة كل المسؤولين الذين مارسوا الفساد والافساد، وعلى رأسهم محمد حسني وأسرته، ورجال الداخلية الذين قتلوا الناس، فلن يعود الامن الا بمحاكمتهم بمثل ما فعلوا.. وان يتم ذلك في اسابيع قليلة.

بعدها بفترة لا تزيد عن سنة، يمكن الحديث عن دستور، وأحزاب، وانتخابات.. أما السؤال عمّن يختار المجلس الرئاسي، وهو سؤال حاسم، فيمكن أن يكون بقوائم تطرح نفسها باستفتاء شعبي يشترك فيه المواطنون جميعا من الداخل والخارج وباشراف أهلي ودولي وقانوني كامل.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية