ضرورة التغيير الجذري في العراق

حجم الخط
0

البروفسور كمال مجيد بعد مرور عشر سنوات على الاحتلال هناك للشعب العراقي مجموعة كبيرة من المطاليب الملحة كالحصول على الماء والكهرباء ومجاري المياه القذرة والتخلص من القاذورات والبطالة والجوع وانقاذ الايتام والارامل وبناء المدارس وعلاج الجرحى والتخلص من الامراض بما في ذلك آثار اسلحة الدمار الشامل، الفسفورية منها واليورانيومية، وكذلك الافراج عن عدد كبير من الموقوفين والمسجونين والغاء القوانين المجحفة، كقانون المساءلة والعدالة، وايقاف القتل الجماعي بالمفخخات..والى آخره. لا يمكن تلبية هذه المطاليب دون القضاءعلى نواقص الحكم الاساسية بل تغييره جذرياً. فما هي اهم هذه النواقص؟اولاً – العملية السياسية والدستور: لقد فرضت العملية السياسية بيد الحاكم بول بريمر وشاركه مجموعتان رئيسيتان من اتباعه هما الحزبان الكرديان والطائفيون الشيعية. لم تكن حاجة العراق للاستقلال والسيادة الوطنية ولا حتى الديمقراطية من مطاليب الحزبين الكرديين. لقد كان همهما التخلص من نفوذ بغداد بصورة كلية ان امكن. فقد سبق ووقفا مع امريكا وشاه ايران واسرائيل ضد حكومات بغداد المتعاقبة منذ سنة 1961، بالاسلوب الذي يشرحه هنري كيسنجر: لقد قررا الاستفادة من سيطرة حلفائهما على العراق لتثبيت الفدرالية في الدستور.لم تهتم الاحزاب الطائفية، حينذاك، بنتائج الاهداف الكردية بل بالانتقام من البعثيين وثم فرض الطائفة الشيعية على الحكومة. لم يملك اعضاء مجلس الحكم أية خبرة او تجربة في الادارة. ولم يدركوا اهتمام الشعب بمحاربة الاحتلال ولا برد فعل البعث، مع ما يزيد عن مليون من الاعضاء والموظفين وقادة الجيش وعوائلهم. فالتمسوا بامريكا لمجابهة المقاومة ولحل الجيش وكتابة الدستور واجراء الانتخابات لكي يكسبوا نوعاً من الشرعية. لقد استخدم الطائفيون المراجع الدينية والسيستاني بصورة خاصة للاسراع في الانتخابات للاثبات على أن الشيعة يشكلون الاكثرية في العراق. لقد تطور الصراع الى الحرب الاهلية التي امتازت بظاهرتين:أ انتشار المقاومة وتوسعها في غرب وشمال البلاد فيما سماه المحتلون بـ ‘المثلث السني ‘ وكذلك في ‘مثلث الموت’ جنوب بغداد.ب اصطدام جيش المهدي مع المستعمرين واعوانهم في المجلس الاعلى وثم مع حزب الدعوة بقيادة ابراهيم الجعفري ثم نوري المالكي . كان هناك تناقض واضح بين فقراء جيش المهدي، في مدينة الثورة وفي الجنوب، وبين الاغنياء في النجف. كان هؤلاء مسندين من قبل مجموعة قوية من المرجعية كالسيستاني والحكيم والخوئي.مع انتشار الفوضى اجبر الامريكان على القبول برأي السيستاني واجراء الانتخابات بعد اعلان الاحكام العرفية ومنع التجول وغلق الحدود. كل هذا اجبر المعارضة السنية على مقاطعتها. هذا عدا قلة من الاخوان المسلمين الذين اسسوا الحزب الاسلامي لغرض الانتخابات. هكذا سيطر الطائفيون والحزبان الكرديان على البرلمان. لقد كان معظم النواب، وما زالوا، من الموالين للامريكان الذين كتبوا الدستور وفق الرغبات الامريكية وفيه بنود تحقق الاهداف الطائفية واخرى تؤكد على الانفصال الفعلي للمنطقة الكردية عن حكم بغداد. فالعملية السياسية تأسست من مجموعات تعادي بعضها البعض، اشتركت كل منها في البرلمان والحكومة للدفاع عن كتلة محدودة ضد الكتل المعادية الاخرى. هكذا انتهت العملية السياسية بتفريق الشعب واصابة الحكومة والبرلمان بالشلل. امتاز الدستور العراقي الجديد بمادة (اجتثاث البعث) التي استخدمتها حكومتا الجعفري والمالكي بجدارة متطرفة لقتل وسجن عشرات الالوف وطرد مئات الالوف من اعمالهم للانتقام من حزب البعث. لقد اضطر ما يزيد عن مليون عراقي، بينهم اعضاء هيئة علماء المسلمين وقادة البعث، على اللجوء الى سوريا او العيش تحت حماية الملك عبدالله الثاني او حسني مبارك او اوردغان. ثانياً- انتشار الخلافات الطائفية: لم تكن للطائفية اثرعميق في العراق الحديث. ذلك لان الاكثرية الساحقة من الشعب كانت ترفضها. ففي العهد الملكي، مثلاً، تم تشكيل اربع وزارات برئاسة الشيعيين وهم فاضل الجمالي وصالح جبر والسيد محمد الصدر وعبدالوهاب المرجان. كما كان قادة اربعة احزاب عراقية من الشيعة وهم جعفر ابو التمن ومحمد مهدي كبة وصادق البصام وصالح جبر. والمعروف كان لعبدالكريم قاسم نسب مختلط (اب سني وام شيعية بل كردية). لقد اشترك الشيعة في قيادة كافة الحكومات القومية بعد قاسم، بما في ذلك حكومة البعث. وهذا بالرغم من طردها لعشرات الآلوف من الشيعة الى ايران واتهامهم بالتبعية.ان تقهقر الامريكان امام المقاومة اجبرهم على اشعال الحرب الطائفية. وذلك طبقاً لتخطيط مسبق فضحه الصهيوني مارتين انديك، مساعد وزير الخارجية ايام كلينتون، في جريدة الحياة اللندنية في 19/12/1998، بأن ‘الحكومة الامريكية تعمل مع الاكراد في الشمال والشيعة في الجنوب على اسقاط نظام صدام حسين’.استخدم الطائفيون حكمهم للصراع الفكري ضد السنة فاقاموا المسيرات الكبرى لمئات الالوف، بل حتى الملايين، الى كربلاء والنجف عشرات المرات في السنة في مناسبات مختلفة، كاربعينية مقتل الحسين قبل اكثر من 1300 سنة. لا تهتم الحكومة بكلفة المسيرات المليونية ولا بخسائر دوائر الدولة والشركات نتيجة لمشاركة آلاف الموظفين والمستخدمين فيها. ثم عملت الحكومة على توسيع تقاليدها المذهبية عن طريق تدريب الجنود بل طلبة المدارس الابتدائية على اللطم مع التراتيل الطائفية بغية غسل الادمغة . لم يقف السنة مكتوفي الايدي فتكونت هيئة علماء المسلمين بل الفئات المسلحة كأنصار السنة وجيش محمد، علاوة على دخول افواج القاعدة والسلفيين و’التكفيريين’ من مختلف بقاع العالم. هكذا اصبحت، ومازالت، الاغتيالات وانفجار السيارات المفخخة والانتحارات في المساجد والمحلات المكتظة بالشيعة وسيلة لقتل مئات الالوف.فاذا سيطر الطائفيون من السنة، عن طريق الارهاب، على الحكم بحجة ان ذلك حق موروث لهم فسوف يزداد لهيب الحرب الأهلية.كل هذه الجرائم برهنت على فشل الطريقة الدينية في الحكم واصبحت الديانة في العراق شراً على المؤمنين. والجدير بالذكر ان هذه الحروب الدينية تجري في الوقت الذي يتقدم فيه علماء البايولوجيا في الجامعات المشهورة في انحاء العالم بخطوات عملاقة في بحوث تطور الجينات بل صنعها وخلق الخلية الحية بالشكل الذي يؤثر، دون ادنى شك، على كافة المعتقدات. ثالثاً- الانشقاق العنصري:- وهنا الطامة الكبرى. لعب الامريكان واسرائيل دوراً مؤثراً في مساعدة الحزبين الكرديين لمحاربة الحكومات العراقية منذ سقوط الملكية. وبمرور الزمن تطور وتعمق الخلاف القومي وشمل الكثيرين من العرب والاكراد. لقد وصل الانشقاق العنصري مرحلة الانفصال الفعلي للمنطقة الخاضعة لحكومة اربيل. ان احتمال اعادة هذه المنطقة لحكم بغداد يكاد ان يكون صفراً. لكن القضية اعقد واخطر بكثير: فاربيل تلح على توسيع منطقتها لا لتشمل كركوك الغنية بالنفط فحسب بل تطالب بمناطق شاسعة من سنجار في الشمال الغربي الى البدرة وجصان في الجنوب الشرقي والى جبل حمرين وجلولاء جنوباً، اي اكثر من ضعف المنطقة الكردية الحالية. ان من مصلحة امريكا ان تساند حكومة اربيل في المطالبة بالتوسع بغية اشغال حكومة بغداد، شيعية كانت ام سنية، بالخلافات العنصرية القريبة من حالة الحرب. انها تعلم بأن بغداد لا تملك القدرة على الحرب فتهديدات اربيل تمنع استقرار العراق وتدريجياً تجبره على تقديم التنازلات في ‘المناطق المتنازع عليها’ بالضبط كما هو الوضع في فلسطين. فالعراق ككل يواجه ازمة عنصرية مخيفة قد تستمر لعقود.والمعروف ان هذه المنطقة ليست متنازعا عليها. لأن الحكومة العراقية لا تطالب بشئ بل ان رئاسة الاقليم اختلقتها. ثم ان اكثرية السكان في هذه المنطقة هم من الطائفة الشيعية وهم خليط من العرب والاكراد والتركمان. فالصراع عليها سوف لا يؤدي الى الخلاف بين الاقوام الثلاثة في المنطقة فحسب بل ان ارتفاع عدد الضحايا سيشجع تدخل امريكا العسكري، بحجة حل النزاع سلمياً، ثم الى تنفيذ التنظيفات الاثنية، بالضبط مثلما حدث بين دويلات يوغسلافيا. رابعاً ايران: -علاوة على ما ورد في البند الثالث اعلاه هناك تعاون مزمن بين الحزبين الكرديين واسرائيل. فقد كتب المحلل الامريكي المشهور سيمور هيرش في 21/6/2004 في مجلة نيويوركر بالاعتماد على تصريحات رجال البينتاغون والمخابرات المركزية الامريكية بوجود الموساد في كردستان. ‘لنصب الاجهزة الالكترونية لجمع المعلومات من داخل ايران وتعيين الاهداف فيها لقصفها اثناء الحرب المقبلة’. وكذلك ‘لرسم خطة لهجوم الطائرات الاسرائيلية على ايران من الجنوب ثم الهبوط في مطاري اربيل والسليمانية للتجهيز بالوقود’. ومؤخراً نشر خبر زيارة كوسرت رسول، نائب رئيس اقليم كردستان لاسرائيل بحجة الترتيب لبناء مصانع اسرائيلية في المنطقة الكردية. ثم صرح ايهود باراك بأن اسرائيل ستمنع ايران من صنع القنبلة النووية.كل هذا يشير الى ان حكومة اربيل مع، علاقتها القوية باسرائيل وامريكا وتركيا، ستعمل لسنوات طويلة في المستقبل على زعزعة العراق ومنع الاستقرار فيه من جهة وتسهيل محاربة ايران من الجهة الاخرى. فمن مصلحة السنة والشيعة بل كل العراقيين، وخاصة سكان المنطقة المهددة، ان يوحدوا جهودهم لدرء هذا الخطر الدموي. ويشير ايضا الى الضرورة الملحة لتقوية العراقيين جميعاً علاقتهم مع ايران لمجابهة العدو المشترك. ثم هناك اسباب اخرى لحل الخلافات الثانوية والتقارب من ايران منها: 1- ان توجيه العداء ضد ايران يجعل العراق محاصرأ من الشرق والغرب والشمال.2 ان شعبنا بحاجة ماسة للتخلص من الطائفية فتوثيق العلاقة، وخاصة علاقة السنة، مع ايران يساعد على ذلك بصورة مؤثرة. 3- هناك امكانية اكيدة لطرد المحتلين ولكن ليست هناك امكانية لمقاطعة ايران الملتصقة جغرافياً بالعراق ولها علاقات عائلية واقتصادية ودينية معه. هذا هو الامر الواقع.4- هناك الضرورة للتركيز على توحيد جهود الشعبين لتكوين جبهة جغرافية مترابطة تشترك فيها ايران معنا ومع الشعوب في باكستان وافغانستان وسوريا ولبنان وفلسطين ضد عدونا المشترك. فمن الضروري الشعور بالمسؤولية والقيام بتثقيف المعارضين المتعلقين بالافكار العتيقة التي ورثوها من الحرب العراقية الايرانية التي فرقت الشعبين. وهناك الضرورة القصوى لعزل الموتورين المتعصبين وفضح نواياهم العرقية والطائفية. فهؤلاء يلحون على الانتقام واخذ الثأر. انهم لا يشعرون بالمسؤولية ويرفضون الاعتراف بتغير الظروف. فلتنفيذ المطاليب العادلة المذكورة في الفقرة الاولى اعلاه وللوقوف ضد التهديدات التوسعية لاربيل هناك الضرورة اولاً للتغيير الجذري لنظام الحكم عن طريق تأسيس جبهة وطنية عريضة ترفض الانعزالية والتعصب وتركز على تنفيذ الاهداف الجوهرية التالية:- 1 تشكيل حكومة مدنية قديرة تعترف بأن العراقيين متساوون في كل الحقوق والواجبات دون تمييز. ومنع تقسيم المسؤوليات، بما في ذلك رئاستي الجمهورية والحكومة، حسب النسب القومية او الطائفية او الدينية. عند ذلك فقط يشعر الكل بالمساوات. 2 الغاء العملية السياسية التي وطدت الطائفية والعنصرية. وعزل المشاركين فيها. 3 الغاء الدستور ورفض كل بنوده وابطال كافة القوانين التي صدرت بموجبه. 4 حل كافة الاحزاب والمنظمات الانعزالية التي اثبتت على انها تميز قسماً اوعرقاً او طائفة من الشعب دون غيره ومنعها من العمل. 5 فصل الدين عن السياسة ومنع المرجعيات، السنية والشيعية، من التدخل قي شؤون الدولة. 6 الغاء كافة المليشيات كفيلق البدر وجيش المهدي والبيشمرغة التابعة للحزبين الكرديين ومنظمات الصحوة ثم تكوين جيش عراقي محترف وموحد يقتصر واجبه على الدفاع عن الوطن. 7 الدفاع عن مطاليب الشعب اليومية كحق العمل وحق الاضراب عن العمل وحرية الفكر وحق الحصول على الطعام والماء والكهرباء والثقافة والصحة. 8 الاعلان عن حق كل الافراد والطبقات والطوائف والقوميات العراقية المتآخية في المشاركة في الجبهة التي هي ملك الشعب العراقي كله دون تمييز. فلنتحد للدفاع عن شعبنا.’ كاتب من العراقqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية