بغداد ـ «القدس العربي»: عادت مشكلة عائلات «داعش» في مخيم الهول السوري إلى الواجهة مجددا نتيجة ضغوط أممية وأمريكية وبعض القيادات السنية على حكومة بغداد، لإعادة العائلات العراقية المتواجدة في المخيم منذ سنوات، وانهاء المأساة الإنسانية والأمنية، وسط معارضة بعض القوى الشيعية لإعادتهم بحجة كونهم ما زالوا يشكلون خطرا على مدن العراق.
وحسب بيان لوزارة الخارجية العراقية، فإن السفيرة الأمريكية لدى العراق ألينا رومانسكي طالبت نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية فؤاد حسين، خلال اجتماعها معه بالعمل على إعادة نقل جميع أسر «داعش» من العراقيين المقيمين في مخيم الهول إلى داخل العراق.
وتعد قضية مخيم الهول في الأراضي السورية، عقدة كبيرة تسعى الحكومة العراقية منذ سنوات للتخلص منها عبر حث دول العالم على استعادة مواطنيها في المخيم من جهة وإعادة العائلات العراقية فيه إلى مدنهم الاصلية في العراق من جهة أخرى.
ودعا مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، الولايات المتحدة إلى دعم مقترح الحكومة العراقية لإقامة مؤتمر دولي حول مخيم الهول الذي تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية، نهاية العام الجاري.
وجاءت دعوة العراق خلال لقاء الأعرجي سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد ألينا رومانسكي، حيث أكد الأعرجي خلال اللقاء على «نهج الحكومة العراقية الثابت في استمرار التعاون مع المجتمع الدولي، لترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة» حسب بيان مستشارية الأمن القومي العراقي.
وفي السياق ذاته، جدد الأعرجي قبل أيام، للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت ضرورة غلق مخيم الهول السوري.
وذكر المكتب الإعلامي لمستشار الأمن القومي في بيان، أن «الأعرجي استقبل بلاسخارت، واستعرض خلال اللقاء، نتائج زيارته الأخيرة إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وما تمخض عنها من اجتماعات تنسيقية، لمواصلة دعم المجتمع الدولي للعراق في مجال مكافحة الإرهاب والملف الإنساني». وجدد الأعرجي تأكيد «العراق على أهمية دعم المجتمع الدولي في ملف مخيم الهول السوري والعمل على غلقه، لما يشكله من تهديد لأمن واستقرار المنطقة والعالم».
ويأوي مخيم الهول السوري، قرب الحدود العراقية، أكثر من 50 ألف شخص، نصفهم تقريبا من العراقيين إضافة إلى 11 ألف أجنبي من نحو 60 دولة يقبعون في قسم خاص بهم، وسط إجراءات أمنية صارمة وظروف إنسانية صعبة، فيما توجد مخاوف حقيقية وتحذيرات من حصول عملية هروب جماعي لساكني المخيم وخاصة من عناصر «داعش».
وضمن تحرك بعض القادة السنة لإعادة العائلات من مخيم الهول، بحث عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية خالد سلطان هاشم، النائب عن نينوى، مع مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، موضوع مخيم الهول وباقي مخيمات النازحين. وذكر بيان لمكتب النائب خالد سلطان هاشم، أنه تم بحث ملف النازحين وسبل توحيد الجهود العراقية والدولية، لإغلاق مخيم الهول السوري، لما يشكله من تهديد حقيقي على الأمن والاستقرار في العراق.
وقبل ذلك استقبل الأعرجي، الأمين العام لحزب المشروع الوطني العراقي جمال الضاري، لنفس الغرض، حيث إن «اللقاء بحث أبرز الملفات والقضايا على الصعيد المحلي، ومنها ملف مخيم الهول السوري، وتداعيات بقاءه وما يشكله من خطورة على الوضع الأمني العراقي، فضلا عن بحث ملف النازحين بشكل عام».
أما وزيرة الهجرة والمهجرين العراقية، إيفان فائق جابرو، فإنها كشفت أن معدّل العوائل العراقية العائدة من مخيم الهول شهرياً بلغ 150 عائلة، بعد إنجاز عملية التدقيق الأمني من مستشارية الأمن القومي وجهاز الأمن الوطني. وأوضحت جابرو أن مهام وزارة الهجرة تبدأ «بوصول العوائل إلى مركز التأهيل المجتمعي في مخيم الجدعة في الموصل، ثم إعادتهم لمناطقهم الأصلية عقب إتمام عملية التأهيل».
وشملت عملية إعادة الوجبة الأخيرة من الهول نحو 168 عائلة، يبلغ تعداد أفرادها 658 شخصا.
وتقوم السلطات العراقية في مخيم الجدعة باستقبال النازحين القادمين من مخيم الهول وتدقيق معلوماتهم الأمنية فيما إذا كان مطلوبين أم لا، كما يتم ادخالهم في دورات ومحاضرات لإعادة تأهيلهم فكريا ونفسيا لإبعادهم عن أجواء مخيم الهول الذي كانت تتحكم به عناصر «داعش». علما بأن بعض العائلات العراقية الموجودة في مخيم الهول لا علاقة لها بتنظيم «داعش» وانها فرت أثناء المعارك بين عامي 2014 و2017 إلى الأراضي السورية.
حملة معارضة
ومقابل تصاعد الضغوط على الحكومة العراقية لإعادة العائلات العراقية من مخيمات سوريا إلى العراق، أطلقت بعض الأحزاب الشيعية حملة واسعة للتشكيك بالحراك الدولي، واحتمال استغلال هذا الملف في تحقيق غايات سياسية. وتركز الحملة على ان مخيمات النازحين في سوريا تشكل مصدر خطر بالنسبة للعراقيين، وهي تتهم تلك العوائل بالمسؤولية عن الخروق الأمنية بدون ان تطرح حلا مناسبا لهذه المشكلة المعقدة.
ويقول عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية علي البنداوي، في تصريحات صحافية، إن «مخيم الهول يعتبر قنبلة موقوتة داخل المحافظات العراقية، وان هذه العوائل تعود لإرهابيي داعش» مبيناً أن «ارجاع هكذا عوائل من هذه المخيمات إلى داخل الأراضي العراقية يعد أمرا خاطئا». ويدعو عضو لجنة الأمن، الحكومة، إلى «ضرورة غلق هذا المخيم، والتعامل مع هكذا شرائح، وفق الأعراف والقوانين المتبعة دوليا» في اشارة إلى طلب معاملتهم كمجرمين وزجهم في السجون حتى ولو كانوا أبرياء وغير متورطين بجرائم «داعش».
القيادي في ائتلاف دولة القانون، جاسم محمد جعفر، ذكر أن «السفيرة الأمريكية في بغداد ألينا رومانسكي تواصل تدخلها بشأن تسهيل إجراءات دخول عوائل داعش في معسكر الهول إلى الأراضي العراقية». ويقول جعفر، إن «الإدارة الأمريكية ما زالت تنظر بعدائية للحكومات العراقية ولا تريد منها النجاح في تحقيق الاستقرار والأمن، وكلما تخطو الحكومة باتجاه الاستقرار تحاول فتح ملف جديد من شأنه عرقلة حالة الاستقرار الأمني».
وبين أن «السفيرة الأمريكية ألينا رومانسكي وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة بلاسخارت تعملان على تحويل معسكر العوائل الداعشية في الهول من ملف أمني إلى إنساني وهذا غير معقول وفيه خطورة على أمن الوطن».
ورشة أممية لدمج النازحين
وضمن مساعي الأمم المتحدة لإعادة اندماج عائلات مخيم الهول في مدنهم الأصلية، أقام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق بالشراكة مع وزارة الهجرة والمهجرين ومستشارية الأمن الوطني وعدد من المسؤولين الحكوميين بجمع 74 من قادة المجتمع وشيوخ العشائر في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى ورشة عمل هدفها تعزيز القبول والتفاهم بين القادة المحليين لتسهيل عودة النازحين وإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم.
وركزت ورشة العمل الشاملة على العائلات العائدة من مخيم الهول، وتأتي كجزء من مشروع المصالحة المجتمعية وإعادة الدمج التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، الذي أطلقه عام 2020 لضمان عودة آمنة وكريمة للذين نزحوا نتيجة الصراع مع «داعش» وإعادة إدماجهم في المجتمع.
ومن التوصيات التي وافق المشاركون عليها بالإجماع، دعم خطة الحكومة لإعادة النازحين العراقيين مع التزام الحكومة بإجراء تحريات أمنية عنهم وتقديم الخدمات والتعويضات الضرورية لمن تضرروا من الصراع مع تنظيم «داعش».
وأكدت زينة علي أحمد، الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق على أن «ضمان استعداد المجتمعات لقبول الأسر النازحة العائدة مسألة حيوية لإعادة اندماج مستدامة. وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق ملتزم بتهيئة المجتمعات لهذه المرحلة لتنفيذ حلول دائمة من أجل السلام والتماسك المجتمعي في العراق».
وطالما حثت الأمم المتحدة والعراق والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا التي تدير مخيم الهول، دول العالم لإعادة مواطنيها من زوجات التنظيم مع أطفالهن الموجودين داخل المخيم، وإنهاء مخاوف من تحول المخيمات إلى قنابل موقوتة تهدد أمن المنطقة والعالم، إلا ان استجابة الدول الغربية تبدو ضعيفة، وتهدف لإبعاد رعاياها المتورطين مع «داعش» عن أراضيها، إذ ترفض بعضها استقبال مواطنيها من المخيم فيما استقبل بعضها مثل فرنسا وإسبانيا، عددا محدود جدا منهم.
ويبدو ان غياب التعاون المحلي والدولي في ملف مخيم الهول السوري الذي يضم عائلات متهمة بالتعاون مع تنظيم «داعش» سيجعل هذه القضية الشائكة عقدة أمنية وإنسانية كبيرة للحكومة العراقية ودول المنطقة والمجتمع الدولي، وسط مساعي بعض الدول للمتاجرة بهذه المعاناة الإنسانية التي مر عليها سنوات دون حلول جذرية، رغم التداعيات الإنسانية الصعبة على سكان المخيم والمخاطر الأمنية المتوقعة.