بغداد ـ «القدس العربي»: بالرغم من الضغوط الأمريكية على حكومة بغداد، لإعادة تصدير نفط إقليم كردستان العراق عبر تركيا المتوقف منذ سنتين، ما زالت الخلافات والتناقضات تتحكم في مواقف وتصريحات الأطراف المعنية، وسط نفي الشركات الأجنبية، قرب عودة تصدير النفط، لوجود عراقيل وخلافات لم يتم حسمها بين الطرفين.
فقد أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، خلال اجتماعه مع رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في بغداد، ضرورة الإسراع بمباشرة الشركات النفطية بإقليم كردستان باستئناف إنتاج وتصدير النفط عبر تركيا.
فيما توقع نيجيرفان بارزاني، استئناف تصدير نفط إقليم كردستان الشهر القادم، وذلك بعد ما يقارب عامين من توقفه وخسارة اقتصادية بلغت 24 مليار دولار، حسب قوله.
وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، أعلن بدوره، أن العراق سيباشر خلال الساعات المقبلة عمليات تصدير نفط إقليم كردستان عبر شركة تسويق النفط الحكومية «سومو» من خلال ميناء جيهان التركي، وبمعدل أولي يبلغ 185 ألف برميل يوميا، على أن يرتفع تدريجياً للوصول إلى الطاقة المحددة في الموازنة الاتحادية العامة.
وجاء هذا الحراك المتسارع، بعد دعوة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، لاستئناف صادرات النفط من إقليم كردستان أثناء المكالمة التي أجرها مع رئيس الوزراء العراقي في شباط/فبراير الماضي. وأعلن بيان وزارة الخارجية الأمريكية، اتفاق الجانبين على «ضرورة إعادة فتح خط أنابيب العراق – تركيا بالسرعة الممكنة واحترام الشروط التعاقدية للشركات الأمريكية في العراق لجذب استثمارات إضافية».
وكانت وزارة النفط العراقية، أعلنت في شباط/فبراير الماضي، استكمال إجراءات استئناف تصدير النفط المنتج في إقليم كردستان عبر ميناء جيهان التركي «وفقاً للآليات المرسومة في قانون الموازنة وتعديله وضمن سقف الإنتاج المُحدد للعراق في منظمة أوبك». وطالبت في البيان السلطات في إقليم كردستان «تسليم الكميات المنتجة من الحقول العاملة إلى شركة تسويق النفط للمباشرة بالتصدير عبر الأنبوب العراقي التركي وميناء جيهان بموجب العقود الموقعة مع الشركات المرشحة».
فيما أكد وزير الثروات الطبيعية في إقليم كردستان بالوكالة، كمال محمد، أن جميع العوائق أمام استئناف تصدير النفط قد أزيلت، مشيراً إلى إمكانية استئناف التصدير قبل نهاية آذار/مارس.
ويذكر أن صادرات أكثر من 450 ألف برميل نفط يومياً من إقليم كردستان وكركوك عبر أنبوب العراق – تركيا إلى ميناء جيهان، قد توقفت في اذار/مارس 2023، وذلك بعد أن أعلنت محكمة تحكيم غرفة التجارة الدولية في باريس أن تركيا قد انتهكت اتفاقية عام 1973 مع العراق من خلال تصدير نفط إقليم كردستان بدون موافقة الحكومة العراقية، فيما طالبت الحكومة التركية من العراق دفع أكثر من مليار دولار عن تكاليف صيانة أنبوب النفط العراقي المار في أراضيها، مما أدى إلى توقف ضخ النفط لحين التوصل إلى اتفاق جديد.
خضوع بغداد للضغوط الأمريكية
وفي موقف غير مسبوق للحكومة العراقية يحصل لأول مرة، دعت وزارة النفط العراقية الشركات العالمية المتعاقدة مع حكومة إقليم كردستان، والمسماة «أبيكور»، إلى حضور اجتماع مهم في بغداد، في اذار/مارس الجاري من أجل «مناقشة العقود المبرمة وتنسيق الجهود لتطوير الحقول النفطية في الإقليم». كما وجّهت الوزارة الدعوة إلى وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم للمشاركة في هذه المباحثات.
ويعد هذا الاجتماع أول اتصال من بغداد مع الشركات الأجنبية، حول أزمة توقف صادرات شمال العراق عبر تركيا، حيث كانت بغداد ترفض سابقا التفاوض مع تلك الشركات لكون اتفاقها حول تصدير النفط، تم مع حكومة الإقليم بدون الرجوع إليها.
أما شركات النفط الأجنبية في الإقليم، فإنها ترفض مطالب بغداد، بإعادة ترتيب عقودها وفق سعر معقول للبرميل ومقارب لعقود نفط الوسط والجنوب، في حين أن عقود الشركات الأجنبية في كردستان هي عقود مشاركة في الإنتاج، كما انها تطالب بأموال لها بذمة حكومة الإقليم، الأمر الذي يتوجب ان يتم دفعه من قبل بغداد، التي ترفض الامتثال لشروط الشركات الأجنبية لأنها لم تأخذ رأيها عند التعاقد حولها.
وبعد فشل عقد اجتماع أول بين الأطراف الثلاثة (بغداد وأربيل والشركات)، اجتمعت تلك الأطراف قبل اسبوعين لمناقشة الخطوات اللازمة المطلوبة لاستئناف تصدير نفط إقليم كردستان، لكن الاجتماع لم يسفر عن نتيجة أيضا، عدا الاتفاق على عقد اجتماعات إضافية، ما يعني استمرار تعطل الصادرات النفطية عبر تركيا.
وأشارت تسريبات الاجتماع، بأن الخلاف تركز حول دور محتمل لجهة استشارية دولية في الإشراف على العقود والتكاليف والمدفوعات، حيث طالبت شركة النفط الوطنية العراقية بدور كبير للاستشاري الدولي في إدارة العملية، فيما أعربت جمعية صناعة النفط في إقليم كردستان «أبيكور» عن «مخاوفها من أن هذا الدور قد يمنح الاستشاري سلطة كبيرة في إدارة العقود والأرباح لصالح بغداد».
وليس بعيدا عن الضغوط الخارجية، أقدمت بغداد مؤخرا على تعديل قانون الموازنة 2025، بحيث تدفع الحكومة العراقية 16 دولاراً لحكومة إقليم كردستان عن كل برميل نفط، لكي تقوم حكومة إقليم كردستان بدورها بدفعه للشركات.
معوقات إعادة تصدير النفط العراقي
وبعيدا عن التصريحات المتفائلة بقرب ضخ النفط العراقي عبر الأنبوب التركي، يبدو ان هناك العديد من الصعوبات والعراقيل والخلافات التي يتوجب على الأطراف حلها.
فقد أكد المدير العام لشركة «قمر إنرجي» النفطية، روبن مايلز، استعداد الجانب التركي للبدء فوراً في تشغيل خط أنابيب النفط، لكنه أوضح أن «الأمر قد يستغرق بضعة أسابيع حتى لو كانت جميع الأطراف جاهزة، وذلك بسبب الحاجة إلى الاتفاق على المنهجية النهائية لتشغيل الخط وتحويل الأموالـ«.
وخلال منتدى أربيل السنوي الثالث، في شباط/فبراير الماضي، أشار مايلز إلى أن المفاوضات بين بغداد وأربيل حول تقاسم عائدات النفط حققت تقدماً كبيراً خلال العامين الماضيين، مشيراً إلى أن «القرارات القضائية في بغداد بشأن العقود مع شركات النفط الدولية أكدت أنها ليست غير قانونية»، ما ساهم في توضيح العديد من القضايا العالقة. وشدد مايلز على أن «الشركات الرئيسية العاملة في الإقليم ملتزمة بالبقاء»، لكنها تحتاج إلى ضمانات بشأن استلام المدفوعات بانتظام عند استئناف الصادرات، بالإضافة إلى تسوية الديون المتراكمة خلال فترة التوقف.
وفي تأكيد لوجود الخلافات بين الشركات الأجنبية التي تدير نفط الإقليم، أعلنت رابطة صناعة النفط في كردستان «أبيكور» أن أي تواصل رسمي لم يجرِ مع شركاتها الأعضاء وبغداد، لإبرام اتفاقيات جديدة تضمن دفع مستحقات الصادرات السابقة والمستقبلية، مؤكدة أنها لن تستأنف الصادرات قبل الاتفاق.
وأكدت رابطة صناعة النفط استعداد شركاتها لاستئناف الصادرات بـ«شكل فوري» بمجرد التوصل إلى اتفاقيات رسمية لتوفير «ضمانات الدفع للصادرات السابقة والمستقبلية، بما يتفق مع الشروط القانونية والتجارية التعاقدية الحالية»، مشيرة إلى عدم وجود أي تواصل مع الشركات الأعضاء في الرابطة.
وفي إشارة إلى الضغوط الأمريكية، أشادت الرابطة بجهود وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لاستئناف صادرات النفط من إقليم كردستان أثناء المكالمة التي أجراها مع رئيس الوزراء العراقي مؤكدة أن وقف الصادرات تسبب بخسارة إجمالية في الإيرادات لإقليم كردستان والعراق والشركات التي تعمل ضمن الرابطة بلغت «27 مليار دولار وما زالت في تزايد».
وليس بعيدا عن المفاوضات الجارية في بغداد، تبدي تركيا حرصها على العودة السريعة لضخ النفط العراقي عبر أراضيها نظرا للفوائد الاقتصادية المترتبة عليه. وأبلغت تركيا العراق رسميا بجاهزية ميناء جيهان لاستقبال شحنات النفط، بعد استكمال فحص أنبوب التصدير من حقول إقليم كردستان.
وطالب وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، بعودة عمل خط أنابيب النفط بين العراق وبلاده بأقصى طاقته، بمجرد استئناف التدفقات عبر ميناء جيهان التركي. وقال بيرقدار، في تصريحات نقلتها وكالة «الأناضول» إن «هذا الخط جاهز منذ عام ونصف العام بالفعل. نريد أن يتم استخدام خط الأنابيب التركي العراقي».
وأوضح أن «مشروع طريق التجارة المخطط له بين تركيا والعراق الذي يطلق عليه مشروع طريق التنمية، يتضمن بناء خط أنابيب يصل إلى الخليج العربي لنقل تدفقات النفط العراقي إلى الأسواق العالمية عبر تركيا».
وعموما وعلى العكس من إعلان حكومتي بغداد والإقليم قرب عودة ضخ النفط عبر تركيا، يؤكد خبراء الاقتصاد أن توقيع الاتفاق الجديد بين حكومة بغداد والشركات الأجنبية حول إعادة تصدير نفط شمال العراق عبر تركيا، لن يكون سهلا رغم الضغوط الأمريكية، حيث أن قيام الإقليم باستثمار الثروات المعدنية ومنها عقد اتفاقيات تنقيب وتصدير النفط من شمال العراق مع الشركات الأجنبية دون الرجوع إلى بغداد وفق الدستور، قد ترتب عليه تراكم ديون كبيرة على العراق لصالح شركات النفط الأجنبية التي تستغل الخلافات بين المركز والإقليم والضغط الأمريكي، لإجبار الحكومة العراقية على تقديم تنازلات تتعارض مع القانون. في وقت تنتقد فيه قوى سياسية متنفذة في بغداد قيام حكومة الإقليم بالاحتفاظ بإيرادات نفط الشمال لسنوات كثيرة إضافة إلى نصيبها من الميزانية الاتحادية.