القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يظهر اسم يوسف صديق (3 يناير/كانون الثاني 1910 ــ 31 مارس/آذار 1975) ومحاولة البحث عن دوره في حركة يوليو/تموز 1952 إلا في سبعينيات القرن الفائت، فقد كان أحد خصوم عبد الناصر، وضمن فريق المغضوب عليهم، الذي حاول ناصر ورفاقه التعتيم على دورهم في ما حدث، حتى أنه تمت محاكمته بتهمة مخالفة الأوامر العسكرية، وعدم الالتزام بموعد قيام الثورة. ولعل من أوائل الإصدارات التي تناولت حياة وسيرة يوسف صديق، هو كتاب «أوراق يوسف صديق» الذي ظهر عام 1999، ضمن سلسلة تاريخ المصريين، التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، وأعدّه للنشر وقتها عبد العظيم رمضان، المعروف بموقفه الضد للحركة المباركة. وضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب الحالي جاءت ندوة لمناقشة كتاب «يوسف صديق.. ودوره في ثورة يوليو» للباحثة منى مالك، وهو في الأصل رسالة حصلت بها الباحثة على درجة الماجستير عام 2016، مستعرضة من خلالها مواقف يوسف صديق الحياتية والسياسية، محاولة إظهار دوره في ما سُمّي بعد ذلك بثورة يوليو/تموز 1952. أدار الندوة خلف الميري أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة عين شمس، بحضور كل من شريف يونس أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة حلوان، وكمال مغيث الباحث في المركز القومي للبحوث التربوية.
التاريخ يُنصف أبطاله
بداية قال خلف الميري.. إن يوسف صديق قد يكون هو سر نجاح ثورة الضباط الأحرار، ومع ذلك فكثير من المصريين لا يعرفون الدور الذي قام به، إلا أن التاريخ لا ينسى أبطاله الحقيقيين. فمجلس قيادة الثورة لم يكن يحتمل الخلاف بين أعضائه، لذلك تمت تنحية اليسار الشيوعي، واليمين بما يشمله من الإخوان المسلمين، حيث كانت مصر تواجه أخطاراً إقليمية ودولية، أما على المستوى الشخصي فكان يوسف صديق على علاقة طيبة بزملائه، خاصة عبد الناصر، وكثيراً ما التقت أفكارهما، فقد كان حلقة متوسطة بين محمد نجيب الأكبر سناً والضباط الأحرار الأصغر سناً، نظرا لكونه الأقدم في الرتبة العسكرية، ومتمتعاً بسعة أفق وثقافة عميقة.
إنقاذه للثورة
بينما رأى شريف يونس أن هناك نقصاً شديداً في المعرفة التاريخية، فما لدينا حول يوليو ورجالها غير كاف. فهناك الكثير من الجدل حول ما دار في صفوف الضباط الأحرار، وكذلك الروايات التي تدور حول اختلاف يوسف صديق مع عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة، واستقالته واعتقاله فترة من الزمن، كما ذكرت بعض المراجع التاريخية. من ناحية أخرى فتنظيم الضباط الأحرار كان يضم 300 ضابط فقط، ويختلف يوسف صديق عن باقي أعضاء مجلس الثورة، لأنه أكبر سناً وأقدم في الرتبة العسكرية، وذو خبره واسعة في الجيش، وقد بدأت علاقته بالضباط الأحرار في وقت متأخر. وأضاف يونس أن يوسف صديق وقت ثورة يوليو تحرك مبكراً عن الميعاد المتفق عليه، فقد كان دوره احتياطيا وتأمينيا لمكان في الجيش، وتحركه المبكر هذا أنقذ الثورة من مشاكل كثيرة، ذلك الموقف هو الذي أدخل يوسف صديق التاريخ.
محاولة إرساء الديمقراطية
وقال كمال مغيث إنه لم يسمع عن يوسف صديق إلا في السبعينيات بعد وفاة عبد الناصر، حيث كان عبد الناصر هو المتحكم الرئيسي في الصحافة والإعلام في عهده ولم يستطع أي شخص كتابة أي شيء يزعج السلطة. وأضاف أنه مع قيام ثورة يوليو 1952 أعلن عبد الناصر، خالد محيي الدين رئيساً للوزراء، ومحمد نجيب رئيساً للبلاد، وبدأت الخلافات في فبراير/شباط عام 1954، فاشتبكت القوى الوطنية مع بعضها حول الدستور والبرلمان والحريات والقوانين، واعتصموا أمام هجمة الجماهير، فأرسل عبد الناصر خالد محيي الدين إلى سويسرا ــ فهو لم يهرب من مصر كما ذكرت مؤلفة الكتاب ــ وتم تحديد إقامة محمد نجيب، ويوسف صديق.
والأخير لم يكن من مؤسسي تنظيم الضباط الأحرار، وقد انضم إليه في عام 1951 بعد تركه لتنظيم الإخوان المسلمين. فدور يوسف صديق تجاوز صناعة الثورة من الناحية التكتيكية والفنية، فكان يسعى لتحقيق حلم الشعب في إرساء الديمقراطية والمساواة والعدالة والحرية، حيث رفض تصفية الأحزاب السياسية وتفضيل عدم الانضمام إلى أي جهة من المعسكر الغربي، فلم يكن موافقاً على أي من القرارات التي اتخذها عبد الناصر، ما أدى إلى توتر العلاقة بينهما، ولذلك تم تهميش دوره في الثورة.