بين الكتاب الذي يضم بين دفتيه عوالمه الفكرية أو الإبداعية، ومرجعياته الفاعلة في إنتاجه، تمتد مسالك لا حصر لتداخل وتشابك مساراتها. ومهما اعتدَّت المقاربة خلال استكناهها لحقائق هذه العوالم بسلطة منهاجيتها، وصلاحية إوالياتها، إلا أنها لن تلبث في نهاية المطاف، أن تتأكد من إمكانية حضور منهجيات محايثة، لها هي أيضا ما يكفي من الاعتداد بفاعليتها الإجرائية. وهو ما يدعو إلى دمج أكثر من رؤية، وأكثر من تصور، قصد إضاءة المسارات التي تعتمدها هوية الكتاب في استشرافها لآفاقه ولخصوصيته، ذلك أنه بمثابة بنية تكوينية على درجة عالية من التركيب والتعقيد، الذي تتدخل في بلورتهما غير قليل من العوامل المعرفية والحضارية، باعتبار أن الأمر يتعلق بهوية عمل /كائن، هي جماع ترميزات ذهنية وتخييلية، متمحورة حول هوية الكائن البشري، بوصفه أصل كل تلك الأسئلة التي تضج بها سماوات الكون وأراضيه. ما يعني أن إبداعية الكتاب بالنسبة للذات الإنسانية، هي التعبير الموازي لترحالها الدائم في مدارات الأمكنة والأزمنة، حيث ينكتب باستمرار، وبكل اللغات الممكنة، تاريخ سردية بالغة الثراء، سواء بصيغتها المفردة كما بصيغتها المتعددة، وبكامل ما تمتلكه من وجوه وأقنعة تضيق بأسرارها الرؤية الفهم والتأويل.
وبالنظر إلى جسامة المهام الملقاة على كاهل هذا الكائن الإبداعي، المعبر عنه بالكتاب، والمجسدة في حتمية إقامته الدائمة داخل المسارات المعرفية، الموسومة بأبعادها اللانهائية، وتساؤلاتها المتشعبة، التي هي في الوقت ذاته مسارات وتساؤلات الذات البشرية، فإنه مطالب بالتورط في مختلف خرائط الطرق المعرفية، التي يفترض فيه أن يتخبط بين معالمها ومجاهلها، والحديث عن الطرق المعرفية، يحيل مبدئيا على غزارة وتنوع الإشكاليات الثقافية المؤثرة في سيرورة المجتمعات البشرية، دونما استثناء، التي يستدعي فهمها واستيعابها، امتلاك ما يكفي من الإواليات المنتمية إلى أكثر الحقول المعرفية اهتماما بالطبائع البشرية، الموسومة سلفا بتعقيداتها، وكثافة غموضها.
وإذا كانت فضاءات المعيش، بمثابة مدارس واقعية يعمِّق فيها الإبداع معارفه ويصقل خبراته في تدبيره للتفاعلات الشائكة التي تنخرط فيها اللذات البشرية، فإن الكتاب، بتواز مع ذلك، يظل متفردا بقيمته الاعتبارية، بوصفه العتبة الرمزية، المفضية إلى إكسير التخييل والتفكير، ومعهما إكسير القول. لكن قبل ذلك، إنه العتبة المفضية إلى فضاء المكتبة، بما هي عالم إشكالي بامتياز، تتربع فيه المعرفة على أبهى عروشها. فضلا عن كونها دليل الإبداع إلى أصوله ومنابعه. باعتبار أن الإبداع المقبل من فضاءات المعيش، باتجاه فضاءات المكتبة، يكون معنيا بتحقيق ذاك التفاعل المحتمل بين زمنه الشخصي، وأزمنة الآخر وأمكنته المتوهجة في ذاكرة المكتبة، بما هي ذاكرة معرفية وتشاركية بامتياز، خاصة أن المعرفة هي التي تتدخل في تنظيم فوضى الواقع، كاشفة بذلك عن علل اختلالاته، وعن السلط المتحكمة في بناء أنساقه وبسط مساراته، باتجاه الخسارات الكارثية، كما باتجاه المرافئ الآمنة. والذهاب بأسئلة الواقع، إلى الأسئلة المعرفية المتفاعلة في فضاءات المكتبات، هو الذي يساهم عمليا في إنتاج وتأطير الأعمال الأدبية والفنية الكبيرة، خاصة أن دمج أسئلة الواقع في أسئلة المكتبة، يعني مبدئيا دمج راهن الذوات المبدعة، في مختلف الأزمنة الثقافية التي عاشتها البشرية، بما هي حلقات متواصلة أو منفصلة، لسلسلة طويلة ومتداخلة من التحولات المجتمعية والحضارية، سلبية كانت أم إيجابية. وبالنظر إلى أن مجال اشتغال الإبداع المعرفي، هو مجال الكائن الإنساني بامتياز، فإنه حتما مدعو للتردد على فضاءات المكتبات، منقبا في مصنفاتها ومدوناتها التي دأب التاريخ البشري على مراكمتها، عن أسرار ذلك الجوهر المنفلت دائما، الذي ليس في نهاية المطاف، سوى الجوهر الإنساني، العصي على أي تقنين نهائي ومطلق، إذ بقوة الاستئناس المعرفي بهذه الأسرار المتعددة، من حيث مرجعياتها الجغرافية، الإثنية والثقافية، يمكن قراءة راهن الذات، بوصفها امتدادا متفرعا ومتشعبا، للأزمنة الطالعة من عمق التاريخ، ومن قلب منعطفاته، بكل ما تتميز به من مقومات حضارية.
وبين القناعة الإبداعية المقتصرة في اشتغالها على ما تمده بها فضاءات المعيش من أنساق موغلة في فطريتها، وأخرى مغايرة، متميزة بحرصها على صهر هذا المعيش، في نار وبرد الأرواح الناطقة بأسماء ما في المكتبة من مصنفات، تمتد هوة سحيقة من الفوارق والتباينات، التي يتعذر معها التعرف على أي قاسم مشترك يجمع بينها، ذلك أن الكتاب، لا يمكن أن يحظى بسلطته الإبداعية، إلا من خلال اكتشاف ملامحه في مرايا النصوص المتوزعة على الأمكنة والأزمنة. كما لو أن الأمر يتعلق بالبحث عن إمكانية تماهٍ مستحيل مع شبيه ضائع بين أجرام القول، وكواكبه. وعبر هذه الاستحالة العالية المجسدة في المصاحبة الاستغراقية لنبض المصنفات المكتبية، يحق لعمل الكتاب أن يهتدي للأثر الغائب والحاضر في آن، والذي يأخذ شكل إكسير، به يتجدد جسد الكتابة. إلى جانب هذا الشرط الذي يستمد منه العمل الإبداعي، بمختلف أجناسه وأنواعه، مصداقيته الفكرية والجمالية، ثمة شرط آخر، يحيلنا على تلك الحلقة الدرامية التي يُكره الإبداع على مكابدة أهوالها، وهي حلقة الإحراق والنهب والتخريب، التي طالما عانت ذاكرة الكتابة من مكائدها منذ إحراق مكتبة الإسكندرية، إلى إحراق العدوان الأمريكي لشارع المتنبي في بغداد، الذي كانت مكتباته تغص بأمهات الكتب النادرة، مرورا بإحراق وإتلاف عشرات المكتبات العالمية بنيران النازية. وتعد حلقة الإحراق والنهب والتخريب هذه، أبلغ تعبير عن مختلف أنماط المطاردة والتضييقات العدوانية، التي دأب الفكر والإبداع على تجرع علقمها عبر العصور. حتى ليمكن القول، إن إبادة المكتبات، بما تغتني به من كنوز معرفية، كان يعتبر أولوية كبرى بالنسب للغزاة، الذين تعودوا على إدراج مواقعها ضمن مقدمة أهدافهم الاستراتيجية.
وهو موضوع جدير بأن يتحول هو أيضا، إلى مادة إبداعية قائمة الذات، من شأنها تسليط الضوء على ظاهرة الرعب الذي يستشعره الهمج، إثر مثولهم صاغرين أمام سلطة وهيبة المكتبة، التي لا تضاهيها أي هيبة أخرى. إنه رعب صادر عن إحساسهم العميق بدونيتهم الثقافية، وبوحشيتهم البدائية التي لا تجد لها أي أداة ممكنة للانتقام من تخلفها الحضاري، سوى إصدار الحكم على هذه المعالم المعرفية بالفناء والزوال، بحيث يمكن قراءة الصراعات الحضارية القائمة بين شعوب الأرض، من خلال اقتفاء أثر الروح الهمجية الحالة في الكثير من قادتهم، وهم يتفقدون منابع المعرفة من أجل إبادتها بحمم الكراهية.
ولعل أخطر أنواع السيوف المسلطة تاريخيا على رقاب الإبداع، هي سيوف الحكام الذين يفوضون لأنفسهم حق إلصاق تهم الزندقة والهرطقة، بكل فكر إبداعي يتجرأ على اجتراح صيغ جديدة ومغايرة للقول والفهم والتأويل. وفي السياق ذاته، يمكن تناول ظاهرة لصوص نفائس الوثائق العلمية والمخطوطات النادرة، الذين يمتهنون نهبها بكل ما ملكته قرائحهم السوقية من أساليب السطو، ضمن شبكات مافيوزية ذات أذرع طويلة وأخطبوطية، ضالعة في كل وظائف السطو ومهامه.
أما زاويتنا الأخيرة في مقاربة علاقة الإبداع بالمكتبة، فسترد في صيغة استفسار مفارق، موجه بصيغة أو بأخرى إلى القارئ المهتم، وهو كالتالي: إلى أي مدى يمكن القول، إن التجربة الإبداعية والفكرية ككل، تضمر في ذاتها نزوعا نحو تجاوز السلطة المعرفية التي تمارسها المكتبة على حوارييها؟ وهي تجربة ما كان لها لتأخذ شكل أعمال، لولا تصميمها على الاستقلالية بذاتها، كي لا تجبر على البقاء تحت وصاية رموز الرصيد المكتبي. ولربما كان الهدف من طرح السؤال الذي اعتبرناه مفارقا هو، التأكيد على أن حياة المكتبة، تدين في تجددها وعلو إشعاعها، لتوهج تلك الأعمال الاستثنائية المقبلة إليها من فرادة التجارب الفكرية والإبداعية، وليس من استنساخ، أو تقمص روح ما من أرواح المكتبة. أي باعتبارها قيمة معرفية وإبداعية مضافة، لها دورها الكبير في إثراء الرصيد المكتبي وتوسيع آفاق تلقيه. وهنا تحديدا تكمن القيمة الرمزية للكتاب في ذاته.
شاعر مغربي