ضياء الجبيلي: افتقارنا إلى العمل المشغلي ساهم في الحد من تطور القصة القصيرة

حجم الخط
0

بغداد ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسن علاء الدين: يسعى الروائي العراقي ضياء الجبيلي الى تأثيث عالمه الروائي من خلال الكتابة المستمرة وقراءاته الروائية والنقدية في محاولة منه للخروج بلغة روائية خاصة. الجبيلي (مواليد 1977) أصدر حتى الآن ثلاث روايات وهي (لعنة ماركيز) التي فازت بجائزة دبي الثقافية في العام 2007، و(وجه فنسنت القبيح) و(بوغيز العجيب)، اشتغل فيها على المفارقة ابتداءً من العنوان وحتى المبنى الروائي واللغة الروائية.
إلا أنه في الوقت نفسه لا ينفك من متابعة الروايات والكتب الشعرية والقصصية نقدياً، فضلاً عن اهتمامه بكتابة القصة القصيرة بين حين وآخر. عن منجزه الروائي وأهم مراحل الكتابة الروائية لديه كان لنا معه هذا الحوار:
* (لعنة ماركيز)، (وجه فنسنت القبيح)، و(بوغيز العجيب)، ثلاث روايات صدرت لك يلاحظ من خلالها أنك تعتمد المفارقة والغرابة في العنوان، كيف تبني عنوان الرواية؟ وما الدوافع التي جعلتك تختار هذه العناوين ذات البنى المفارقة؟
* العنوان بطبيعته يمثل العتبة الأولى للنص، أو هكذا يعده البعض: التماعة أولى تضيء المدخل، ليكون بالتالي الفكرة أو الشفرة التي ما عاد القارئ يمتلك المزاج الملائم لفكها في الوقت الحالي. بمعنى آخر، لم يعد الأمر كما كان قبل النصف الثاني من القرن المنصرم، عندما بدأ العنوان يفقد أداءه الوظيفي والدلالي شيئاً فشيئاً، حتى أننا نجد في الكثير من الأعمال عناوين مغايرة تقف خلاف نظرية أن العنوان: ثريا النص. ليس هناك شيء ثابت، فالرواية قلقة ذات طابع زئبقي متغير على الدوام، وهي أم التجريب. وبما أن العنوان هو أحد ركائز العمل الروائي، وأسباب انجذاب القراء للرواية، فقد تطور الوعي بضرورة أن يتغير المفهوم السائد للعناوين. فأصبح التركيز على الجانب الجمالي والدعائي في اختيار العنوان يطغى على الجانب الوظيفي أو يسنده بالمفارقة والغرابة كما قلت. اليوم جاء دور العنوان الذي تشعر خلال الانطباع الأول وأنت تنظر إلى الرواية بأن ثمة فرقعة تحدث على الغلاف.
* فازت روايتك (لعنة ماركيز) بجائزة دبي الثقافية في العام 2007، وهي فاتحة لتعريف الناس بك تعريفاً جيداً، أين كان الجبيلي قبل هذه الجائزة، وما الذي منحته له؟
* في كثير من الأحيان، لا تعد الجوائز مقياساً حقيقياً لمعرفة حجم التقنية في مكان ما. قد يكون هناك جهد وكم، نعم، لكنهما جهد وكم مجردان من الحرفية في صناعة الجمال. وكنتُ قبل هذه الجائزة وقبل عام 2003 متخفياً، أكتب قصصا إلى مجلات في المهجر، وأقرأ ثم صرت بعد الحرب أجالس الكبار وأصغي إليهم، دون المرور بمجايلة أحدا من أقراني. كنت أكتشف المدينة وأتعقب تغيراتها واندثار معالمها تحت وطأة الحروب وأطل على تاريخها برأس هدهد، حتى تشبعت رئتيّ برائحة قدورها وطواعينها وماء الموح الذي يسبخ أراضيها. أما ما الذي أضافته الجائزة، فأعتقد أنها أضافت شيئا من الدافع المعنوي والرغبة في انجاز المزيد.
* نراك منهمكاً طوال الوقت بكتابة الرواية، فما أن تصدر لك رواية حتى تفاجئنا بالشروع برواية جديدة، كيف تبني مشروعك الروائي من خلال هذا التفرغ لكتابة الرواية؟ وما النقاط التي تستند إليها للشروع في كل رواية؟
* أصبح الانهماك بالكتابة من الأمور التي لا يجد الروائي المتفرغ فرصة للفكاك منها، حتى وإن لم يكن هناك مشروع، لا بد أن يكون على سبيل المران كما يقول بذلك ستيفن كينغ. المشكلة أن ليس ثمة شيء اسمه ‘التفرغ’ بالنسبة لأغلب من يعيشون في العراق، إنما هناك إيثار أو نوع من التضحية وانسلاخ من الحياة العادية ـ كوننا موظفين- والانغمار بالكتابة. نحن لم نكتب لنعيش، إنما نعيش لنكتب! وسرقة الوقت مهمة صعبة جدا وتتطلب الكثير من الدهاء والسيطرة. والواقع ليس هناك عمل على وشك أن يُكتب لا يحظى بتخطيط مسبق. كما أن حال الرواية ليس مشابها لحال الشعر أو حتى القصة القصيرة. قد تولد الفكرة فجأة، إلا أن هناك عملية معقدة وعسيرة الهضم، وعليك في البداية أن تنزع أشواكها. ثمة بحث وتفكير مستمر لا ينقطع حتى وأنت نائم ترى انعكاس انهماكك في أحلام غرائبية. ثم بعد ذلك تبدأ، لتشعر وقتها أنك في مضمار ركضة طويلة لكي تتجنب خطأ الانطلاقة الأولى السريعة عليك أن تمرن نفسك على الهدوء والمثابرة وانضاج طبختك على نار هادئة.
* ما المؤثرات الداخلية والخارجية التي يتأثر بها أسلوبك الروائي؟ وهل تعد الرواية عالماً معزولاً عن الكتابات السردية الأخرى؟
* بهذا الصدد أعتقد أن لكل روائي أسلوبه الخاص في التعامل مع النص، فهناك موضوع وتقنية معينة يجري الاستعداد لها دائما، عدا أسلوبك في اللغة. ليس هناك مؤثرات واضحة أو مباشرة، إنما تأثيرات محفزة لا تجدها في العمل بقدر ما تجد آثارها على الجو العام للروائي. قد نشعر بالانبهار إزاء عمل جيد، لكن أعتقد أن تأثيراً كهذا يجب تحاشي انعكاسه على العمل المكتوب. وأما عن عزلة الرواية فلا أظن أن هناك من يعول عليها. هناك عزلة طوعية أثناء الكتابة، نعم، إلا أن انفصال الرواية عن المرويات الأخرى فأشك أن حديثاً يجري بهذا الخصوص حتى لمن جرب كتابة الرواية قبل السرديات القصيرة. أحياناً يكون للقصة شكل الرواية وأسلوبها وتأثرها ولغتها، لكن طابع الطول والقصر يحكم بأنها قصة. أو هذا بالضبط ما أراه من خلال الثيمات المطروحة في بعض القصص.
* كتبت القصة القصيرة، وكانت لك لغتك الخاصة بهذا النوع السردي، هل تتوقع أن هناك تراجعاً في القصة القصيرة عراقياً مقارنة بانتعاش الرواية، وما الطرق التي يمكن من خلالها إعادة البهاء للقصة؟
* القصة القصيرة في العراق رائدة كما هو معروف. ولا أظن أن هناك تراجعاً في جودة ما يكتب إلى الحد الذي نسلم فيه أن المشهد القصصي بات مشوشاً. لكن في المقابل نرى تراجعاً في كمية النتاج القصصي، في حين وكما ألمحت أنت تشهد الرواية تطورا ملحوظاً في الكم، والتماعات واضحة تجلت مؤخرا من خلال أعمال غاية في الجودة والتقانة. ولعل افتقارنا إلى العمل المشغلي ساهم في الحد من ظهور القصة القصيرة بالشكل الملائم قياسا بأجيال سابقة، وأيضا الاهتمام بالرواية جعل من كتابة القصة القصيرة طموحا ناقصاً لا يفي بالغرض في حال كان لدى الكاتب ما هو أكبر من كونه موضوعة لنص قصير.
* ماذا عن طقوسك؟ هل هناك حالة معينة تمر بها أثناء الكتابة؟
* الطقس مفيد جدا للروائي، بما أنه عداء سرديات طويلة قد يطول بها الأمد. وقد يكون الطقس روحياً أو مادياً، كأن تمارس وضع أشياء على المنضدة أو تستحضر ما يعجبك من مأكل أو مشرب. وعدا ذلك هناك الاستراحات، ولكل استراحة طابعها الخاص. الحالة هنا أشبه بعمل شاق يحتاج إلى محفزات تساعد على المطاولة، وليست العملية كلها ممتعة، إنما هناك مخاضات عسيرة وفترات جدب يمر بها الروائي، ويشعر بعدم الجدوى ليس من الكتابة، إنما من تحميل الأمر أكثر من الطاقة المتاحة. فالجلوس أمام الحاسوب لساعات طويلة هو أمر غير مفرح إذا كان ما تفعله هو كتابة تقرير لمديرك في العمل، لكنه يغدو شيئا آخر في حال أنك تكتب رواية، وتعي أن ما تفعله ليس لعبة تماما، إنما شيء غامض يتعلق بالسؤال الأكثر إلحاحاً وعلى الرغم من ذلك لم أحظ حتى الآن بإجابة وافية وواقعية: لماذا نكتب؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية