ضياع الحقائق بين الظاهرة «العكاشية» والميليشيات الألكترونية!

سألني هل تظن ان «البلطجة الإعلامية» التي تطرقت إليها في مقالك الماضي قاصرة على مصر، قلت أبدا، لكني تعودت ان أبدأ بانتقاد الظواهر السلبية في الدائرة الوطنية التي انتمي إليها، كي لا تكون شهادتي مجروحة إذا ما تناولت ظواهر شبيهة في دوائر وساحات أخرى عربية وإقليمية، فلا أقبل إبداء أي ملاحظة على الغير وأغماض العين عما يجري في مسقط رأسي، رغم ان «البلطجة الإعلامية» لا تشد انتباه عموم المصريين بالدرجة التي يتصورها المتابعون عن بعد.
وهناك من بين المشتغلين في مجالات الدعاية السياسية والإعلام من ينتقي الهوامش ويتعامل مع سطح الأشياء كي يسيء إلى غيره ويشيطنه!!، فيبالغ في تأثير «الظاهرة العكاشية»، ويجعل من صاحبها حجة على عموم الشعب المصري، بما فيه من علماء وأكاديميين ومثقفين وخبراء ومهنيين ورجال دين وفلاحين وعمال ورعاة وصيادين، ويختزل فيها كل هؤلاء، والاستشهاد بما يتفوه به صاحب الظاهرة وأمثاله، الذي أضحى مرجعا معتمدا لدى معلقين وكتاب رأي، ومصدرا للإفتاء فيما يعرف وفيما لا يعرف، وكأنه يملك ويدير مؤسسات ومراكز أبحاث وبيوت خبرة تعمل ليل نهار على إعداد الدراسات وتقديم المشورة في السياسة والاجتماع والاقتصاد والقانون والإعلام.
و»الظاهرة العكاشية» تجسيد للفوضى والعشوائية، يستغلها المتربصون والعاملون في خدمة مخطط شيطنة مصر، في وقت يعتبرها المصريون من «سَقَط المتاع»، ومظهرا شاذا لا يصلح للقياس!.
وهذا أعاد إلى ذاكرتي موقفا حدث مع غزو القوات العراقية للكويت صدر عن واحد منتسب لجماعة دينية، وكان دائم الإساءة لكثير من العراقيين من منطق طائفي، ويلعن صدام حسين ليل نهار، وجدته قد تغير، ويكيل المديح والثناء لـ»أبو عدي»، كما سماه وقتها.. سألته.. ما الذي غيّرك؟.. كيف يتحول الشيطان لديك إلى بطل؟!.. رد: «يا أخي ربنا هداه»!!.. وبهذه البساطة غير موقفه، وانتقل من الرفض إلى التأييد، ليس لمبدأ انما لسبب ما في نفسه.
موقف آخر مع واحد من مرددي مقولة «الستين عاما»، ورقة الاعتماد المطلوبة للدخول إلى نادي المطبعين وأنصار «الزواج الكاثوليكي» من أمريكا، والالتحاق بركب المتخصصين في تشويه كل ما كان عظيما ونبيلا في تاريخنا المعاصر، ونهش المقاومة وإدانتها بما مرت به من مد وجزر، من بداياتها الأولى، وصولا إلى الثورة التونسية وتطوراتها وانتهاء بثورة مصر بموجتيها في يناير/كانون الثاني 2011 ويونيو/حزيران 2013، واعتبار الأولى «مؤامرة أمريكية» والثانية «انقلاب»، وكل موجة منهما في نظر ضحاياها إما خيانة أو كفرا!.
وعادة ما يبدأ مثل هؤلاء كلامهم بإدانة ثورة يوليو/تموز وفترة حكم عبد الناصر، وأضحت الإدانة «كلمة سر» للولوج في عالم التبعية والخدمة في البلاط الأمريكي، ودفعني الفضول لسؤال أحدهم: من أين يستقي معلوماته عن ثورة يوليو/تموز، فرد بثقة المتمكن: من مذكرات «اعتماد خورشيد»!!.. وهنا كان «علي أبي حنيفة ان يمد رجليه» وبعدها ينصرف!.
وسألني الصديق عن «الحرب النفسية» التي تدور رحاها في المنطقة العربية قلت لا أظن انها ستضع أوزارها في المدى القريب!؛ فهي غطاء لحرب العقائد والطوائف والفرق والمذاهب في الداخل، وستار لغزوات محتملة من الخارج، وعلينا ان نعلم انها حرب سابقة التجهيز، وقد بدأت ولا يعلم أحد متى تنتهي، وقد تكون «حرب المئة عام»، التي بدأت مع مطلع القرن الواحد والعشرين، وهو قرن وصفته مراكز ومؤسسات «المحافظين الجدد» بـ»القرن الأمريكي»، واستقر ذلك المعنى كعقيدة لدى البيت الأبيض والهيئات والمؤسسات المسؤولة عن تنفيذ القرارات الاستراتيجية والخطط العسكرية والبرامج السياسية والاقتصادية والانشطة الثقافية والعلمية والإعلامية للولايات المتحدة. وهذه الحرب مستمرة بالفعل في أفغانستان منذ 2002، وانتقلت للعراق في 2003، وامتدت في طول المنطقة وعرضها. وهذا النوع من الحروب هو الأطول في التاريخ، وحروب الفرنجة المعروفة بـ»الحروب الصليبية» أكبر شاهد، وحروب الإبادة الجماعية و»التطهير العرقي» مع اكتشاف «العالم الجديد» يؤكد ذلك.
وهدف «الحرب النفسية» إضعاف المعنويات والتشويش، ونشر البلبلة وعدم الثقة بين الجميع، والإيحاء الدائم بالعجز والتبشير المستمر بالهزيمة، ودورها مكمل للعمل المسلح، وتأثيرها بالغ حتى انها حققت انتصارات وحسمت معارك دون إراقة نقطة دم للعدو، ويشهد على ذلك ما لحق النظام الرسمي العربي من هزائم دون قتال طوال عقود أربعة مضت؛ ودون أدنى مقاومة، وبذلك الموات فقد العرب مناعتهم وسُلِبت إرادتهم وسلموا رقابهم وتنازلوا عن أراضيهم ومصالحهم طواعية، وكثيرا ما هزموا انفسهم، فمنهم من أجهض نصر 1973 العسكري، ومنهم من عجز عن ان يكون ظهيرا لانتصارات المقاومة اللبنانية والفلسطينية.
و»البلطجة الإعلامية» وقد أصبحت مصدرا للثراء والابتزاز؛ لم تصل في تأثيرها مستوى وسائل التواصل الألكتروني، وشنها «حرب الكل ضد الكل» وهو الشيء الأكثر خطورة؛ بسبب اتساع مداها الإقليمي والدولي، وتفوقها في مجال «الحرب ألألكترونية»؛ وهي الان تستوعب أعدادا كبيرة من الشباب، المنظمين في كتائب وفرق معروفة باسم «الميليشيات الألكترونية». وهذا تطور لمسيرة طويلة؛ انطلقت مع ظهور البث الإذاعي التجريبي باللغة الانجليزية سنة 1906 ثم تطور إلى البث التجاري في 1920.
وحين وقعت الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) وُظّف البث الإذاعي لخدمة المجهود الحربي لدول الحلفاء (الاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة)، وهو ما حدث مع دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، ويُضرب المثل بجوبلز وزير الدعاية الألمانية أثناء تلك الحرب، وقد استغلها في «الحرب النفسية»، وشاعت عنه مقولات تبين ذلك التأثير في تغيير اتجاهات الرأي العام و»غسيل المخ».
وحين دخل العالم عصر البث الفضائي والإرسال الرقمي تبدل الواقع تماما، وإذا كانت «البلطجة الإعلامية» يُحركها أفراد وشركات خاصة، فـ»الميليشيات الألكترونية» أجنحة لتنظيمات وجماعات أيديولوجية كبرى عابرة للحدود، وتملك إمكانيات ومالا وسلاحا وظهيرا إقليميا ودوليا.. وانقل شهادة لأحد قراء رئيس اتحاد كتاب مصر محمد سلماوي (اسمه عبد العزيز حسين) تعليقا على أحد مقالاته.. ووصف الميليشيات بانها مسلحة بكل انواع الشتائم، وتختص كل واحدة بعدد من الكتاب «توجه سبابها لهم عبر الانترنت على ما يكتبون»، وزود رئيس اتحاد الكتاب بنماذج تثبت انهم يرسلون نفس الشتائم لأكثر من كاتب؛ رغم اختلاف الكتابات والموضوعات!.
ومع ذلك فالفرصة سانحة لتوجه «الميليشيات الألكترونية» جهدها فيما هو انفع، وتتخذ من فصائل المقاومة الفلسطينية التي وحدتها المعارك، وربط بينها الدم تتخذها مثلا وقدوة، وقد استطاعت رد الاعتبار للفلسطينيين وللعرب، ومن خلال هذه الفرصة السانحة يمكن التغلب على الانسدادات الداخلية والإقليمية والدولية، والعمل على وقف شلالات الدم، والالتفاف حول المقاومة، والإمساك باللحظة لتغيير ميزان القوى المختل بين العرب والصهاينة، والضغط على أصحاب القرار كي يتوقفوا عن تقديم التنازلات المجانية.. وقد جُربت.. عقب معركة الكرامة وبعد حروب الاستنزاف و1973 وتحرير جنوب البنان والانتفاضتين الفلسطينيتين، ومنعهم من إجهاض الانتصارات وتحويلها إلى هزائم!!.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية