عبد القادر الدرسي
مرت سنة كاملة منذ اخر عشاء لنا معا وبالطبع كانت الفرص قليلة جدا حتي نناقش همومنا اليومية في ظل العسرة التي تصطدم بوجوهنا في كل يوم.
تذكرت يوم عملنا من اجل جمعية هناء لرعاية الايتام في بنغازي وكيف رحبت بالشباب عندما اعددت امسية شعرية وادبية تحت اسم (النجع والاصالة) وحين شددت علي يدي بترحاب بدوي طالما شعرت من خلاله قوة وافق تلك اليد.. كانت ليالي الحب والاحترام هي ما تميزنا عن بعضنا البعض.. والاخر الذي يكن لنا الحقد علي الحركة والحب الجميل الذي نسج ودا انسانيا.
هل تذكرت عندما كنا نعمل فكرة لنص مسرحي.. من كان يعلم انك كاتب مسرحي مميز تكتب بقلمك احساس ومعاناة الآخرين وجعلت نفسك طريقا للخير.. من يعلم انك تجمع في صدرك ابياتا شعرية من (كلام الاجواد) وتلقي بالغمزات الساخرة ولكن بقلب ابيض لطالما افتقدته هذه الايام والصراع بين الكتاب علي اشده.
تري هل تصل رسالتي اليك وتستطيع سمعي وانت في ذلك القبر وحيدا عاجزا عن الحركة بلا ثياب بلا انيس بلا صديق بلا حب.. نحن نفتقدك وخلوتنا تسأل عنك.. اين ضيف الغزال.. ؟ اين.. ؟ قتلوك بدون سبب.. ومت في مدينتك هكذا بلا سبب.. ابدا لم تكن كبش فداء.. ولم تكن شيئا مما نشره الاغبياء.
انت صديقي الذي اعرفه اكثر من اهله يشهد علينا عملنا الصحافي طوال سنين في صحيفة الزحف الاخضر ونحن نرتب كلماتنا علي الورق واتذكر الشاهي وكسرة الخبز الجافة عند افطارنا في الصباح بالصحيفة حين كنا لا نملك ثمن السيجارة وتعرف جسدنا علي نوعية واحدة من الملابس ولم نعرف اي حلاق خصوصي سوي بالمقص.. ولم نعرف اي سيارة فارهة فصحتنا وقوة الاحذية التي نعرف انها صناعة وطنية فلا نملك ثمن الحذاء الايطالي او الفرنساوي او حتي المغربي.. وحين كنا نتسكع في شوارع بنغازي ونحتسي الشاهي الاخضر في قهوة سوق الحوت وتقول لصديقنا محمد المرغني (يا محمد شنو رايك نمشو عند خوك الدرسي في درنة اهو تغيرت جو) فيبتسم المرغني ويقول في سخرية معتادة (بيش نمشو بالفراري ولا بالمرسيدس) وحين كنا نحاول التسلل الي عمارة امانة الاعلام بنغازي ذلك المبني الشاهق الذي تسيطر عليه سابقا مجموعة من الاسماء ممنوعة من التداول بين الكتاب الشباب فهي الصخرة العالية التي لا تنكسر؟ هل تذكر حين تتعطل سيارة المرغني في اوقات غير عادية وننزل من السيارة في منتصف الطريق ونحاول ان نشحت بنزين من اي احد والعرق يتصبب من وجوهنا بقوة في الصيف وفي الشتاء يكتمل المطر علي ظهورنا فتتحرك نحوي وتقول لي بكلمات لا تزال حية في ذهني ووجداني (خش يا عبد القادر السيارة انت صحتك بلهون ديما.. نا والمرغني متعودين عليها). هل يعلم الاصدقاء ان الغزال كان صاحب نكته رغم العسر الشديد الذي يعيشه في كل يوم ولا يملك ثمن سيجارة، هل يعلم اولئك الحيوانات الذين تسببوا في قتله بهذه الصورة القذرة انهم قتلوا فينا نحن الانسان وانهم قتلوا فينا نحن الاحترام؟ كان ضيف فارس الفرسان.. مات ضيف بلا سبب يدعو للقتل.. مات وهو يعض علي شفتيه قهرا من غل القهر الذي عاشه سنين وغل الموت القذر الذي جعله يذهب هكذا ســرابا ونتيجة لتصرفات غير مسؤول من حثالة هذه المدينة التي تجمع النقاء والقذارة في بيت واحد.
مات الغزال.. انا يا ضيف وارجو ان تسامحيني فلم استطع حضور الجنازة ولم استطع تقبل العزاء فيك الا ثالث يوم.. عندما علمت بانك رحلت عن عالم السوء وان جثتك احتوتها الارض الي الابد وان كفنك الابيض الذي كان غطاءك الوحيد كان هو رفيقك البسيط الي عالم الاخرة. كانت دموع التماسيح تذرف امام الآخرين وكان اصدقاؤك يبكونك في صمت وكانت العذاري يصرخن في صمت.. وتاه قلمك الذي طالما كان خير رفيق في صحراء الظلم.. لم تغب عنا يا صديقي ابدا.. صورتك مزدهرة دائما ومن نسي ضيف الغزال نسي ان هناك رجلا بطلا ورجلا شجاعا ورجلا ابن بادية طيب المعشر.. مات.. فقط.. ؟ مات ولا شيء اخر. مرت سنة كاملة واعتقد ان اهلك يفقدون عزيزا وابنا حقيقيا يفخر كل والد بك.. انت فعلا ابن ليبيا الحقيقي مهما تم تشويهك ومهما تم اخذ صورتك رمزا وطريقا.. نحن نعرفك جيدا والعالمون ايضا.
كل شواراع بنغازي تسأل عنك.. اين انت.. ؟ ؟ دعني اخبرك بل اهمس في اذنك الصغيرة باشياء كبيرة جدا ربما لم تستطع الملائكة ان ترسلها لك ولكني اعتقد انني استطيع ان افعل ما لم تفعله الملائكة.. لقد حدث الكثير لقد برزت صورتك في كل شاشات العالم مرفوع الهامة.. لقد تحدثت عنك الصحف العربية والاجنبية وكتب اسمك بكل اللغات.. لقد شهد في العزاء الذي كان اكبر من عزاء العديد من الاموات.. حضر اليك الناس من كل اقطاب الدولة منهم من لم يستطع فاكتفي بالدعاء لك ومنهم من حضر علي حسابه الخاص.. وبكت نساء بنغازي ضيف الغزال وكل مدن ليبيا ونعلم مدي حساسية الكلمة ليبية (يانوريتي عليه صغير والله) كانت بنغازي هي التي تستقبل العزاء في فقدان ابنها.
رحلت في صمت كما عشت تضحي في صمت كنت تقول دائما باتسامة شفافة (سوف تتحسن احوالنا وتلتفت الينا القيادة وتعلم الفرق بين الشرفاء وبين الادعياء يكفي اننا نحمل في قلوبنا وطنا). هل تعلم قصتي مع حبي القديم مع آل………….. هل تعلم كيف هربنا من الحب لان الحب يريد مالا ويريد صراعا ويريد.. ؟ ولكننا لا نملك حتي ثمن القوت اليومي في ظل الاموال التي تصرف بلا حساب الي لا حساب.
انت تعرف عندما اتفقنا علي محاربة الفساد في بنغازي وعندما رفعت فيك خطوط طيران بنغازي دعوة بسبب انك فاسد وهي الشركة العفيفة هل تعلم ماذا قلت لي (يكفيني شرفا ان اقف في ساحة القضاء وان يكتب قلمي ما عجزت عنه مؤسسات الدولة نحن الشرفاء في زمن غاب فيه الشرف). هل تعلم عندما تعرضت الصحافية الهونية لمضايقات من الهلال الاحمر الليبي والتهديدات لها ماذا قلت عن الامر (نحن نكتب ونعري الواقع وكفاحنا من اجل الحق هو الحق). هل تعلم عندما حاول كلب شركة الاسلاك في بنغازي انذاك ان يرشوك بمبلغ (5000 دينار) حتي تبتعد عنهم ماذا فعلت وانت مثلنا لا نملك سوي القروش القليلة وتاريخ مشرف لاجداد كانوا رفاق المختار في الجبل ضد الايطاليين وذهبت اراضيهم هباء منثورا بعد ان استولي عليها غربان الموت.
هل تعلم عندما تعرضنا لتهديدات بالرسل كيف كنت ترد وتقول (لا عليك لقد تحول الاسود الي فئران نحن الصخرة التي لا تنكسر نحن الحق). هل تعلم كم حاولنا ان نبحث عن عمل فقلت لي اذهب الي درنة وكد واعمل لا كرامة لنبي في وطنه.. هل تعلم عندما كنت متابع بنغازي لدي مؤتمر الشعب العام كيف كنت تستقبل الناس بنفس راضية وابتسامة حنونة. هل كان يعلم قتلتك انك شاب كنت تحلم ببيت وزوجة ووطن صالح فقط لا غير احلامنا بسيطة بيت زوجة وطن نظيف لا شيء اخر.. هل كان يعلم قتلتك انك وطني مخلص الي اكبر درجة يعرفها الاخرون.. كنت عفيفا جدا.. هل تذكرت حين قدمت الي بيتي ليلا تستفسر عن وضعي الصحي الذي تعلمه جيدا يا صديقي وكنت تقول (يجب ان تخرج وتعالج في الخارج الكلاب الاخرين يطلعوا ياخذو في الدولارات لعلاج انفلونزا) كنت ابتسم حين اراك غاضبا لانني اعرف مقدرا الوطنية التي تتميز بها. حين كنت ترأس صحيفة (جودايم) وكنت مع صديقنا الحوتي وكنت تقول يجب ان تكون الصحافة حرة وجماهيرية في كل بيت وكل مؤتمر وبالفعل اصدرت اعدادا.. وكنت تقول لي (يارجل وطي خشمك معي نا بس وعطيني قصة قصيرة لك.. بلاش مقالة ادبية الجو مكسد بكل معي والحرب تشتغل علي وحدة ونص) ولكني لم اشارك معك ياصديقي في الصحيفة فاغفر لي. !! حين شاهدت صورتك في الشاشات العربية حملت صورة لك وذهبت الي مبني الاعلام في بنغازي ومعي تعزية خاصة وحين اطلع عليها مقص الرقيب قال (والله ياقدوره مانقدر نزلها بكل ماعندنش تعليمات مازال صعب). وحين لم تستطع رابطة الصحافيين في بنغازي عمل حتي تأبين بسيط لك كانت خائفة ان تسقط من العرش لم تكن شجاعة مثلك صاحب قلم نبيل وشريف بئس الرابطة هي وبئس اقلامك. حين قرأ صديقي العريبي تعزيتي فيك بموقع ليبيا جيل قال لي لقد بكيت بكاء كثيرا حين اطلعت عليها وقال لي انت صديق الموتي.. بالفعل انا صديق الموتي.. ذهب كل احبابي وتركوني وحيدا.. الكل خائف مرعوب الي حد الموت.
الاخبار الاخري التي كنا نحاول ان نسلي بها انفسنا سوف اذهب الي قبرك وحيدا ليس معي سوي الذكريات البسيطة لا نريد منك شيئا وانت تحت الارض ولا اريد ان يقول البقية اني لدي فيك (مصلحة) ابتعدت كثيرا عن بنغازي الحبيبة وذهبت الي طرابلس اتسول لقمة عيش ونحن يا صديقي لا نزال نعاني الدعم المعنوي والمادي.. اخبرك خبرا انني سوف احاول ان اتزوج بعد ان ضاقت بنا الارض يجب ان يكون لنا اولاد يحملون قيمة ما نعمل ويعرف بقية الاوغاد اننا لا نموت وان اعمالنا حية لا تموت واذا مات منا احد برز فينا عشرة مؤمنون بواجبنا امام الله وامام الوطن.
كتبت عنك العديد من الرسائل يا صديقي تستنجد بسيف الاسلام.. والعديد من المنظمات لكي يتم كشف عين الحقيقة عن قصة قتلك ومعاقبة الجناة.. والي الان لم تحسم القضية بعد وعلي ان الجناة موجودون في السجن فمتي يرتفع صوت الحق وان احضر جلسة محاكمة الجناة ويتم الحكم عليهم بالاعدام.. متي.. ؟ لا يوجد سوي شخص واحد في ليبيا هو الذي يستطيع حسم القضية بك يا ضيف الغزال.. اذا كان البقية لا يستطعيون رفع صوتهم نحو الحق نقول لماذا (يا اخ العقيد) لا نستنجد بك امام قضية صديقنا نريد الحق ولا شيء غير الحق. مات ضيف الغزال وها هي الذكري الاولي تمر وكل الاصدقاء في ابتعاد عنك.. اذهب يا صديقي عليك الف رحمة ونور.. وعليك الف حب واعتزاز.. افخر ان كان لي صديق عزيز اسمه (ضيف عبد الكريم الغزال الشهيبي) شهيد القلم والوطن. كاتب واديب ليبي بالداخل8