الخرطوم ـ «القدس العربي» : شهدت العاصمة السودانية الخرطوم، ومدن أخرى، يومين من الرعب المتواصل، بينما تعالى دوي الانفجارات والأسلحة الثقيلة وصوت الطائرات الحربية، بينما غطت سماء الخرطوم سحابات دخانية كثيفة.
واندلعت منذ صبيحة السبت اشتباكات عنيفة بين الجيش بقيادة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ونائبه زعيم الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) أودت بحياة المئات من المدنيين والعسكريين.
وعلمت «القدس العربي» أن الاشتباك الأول بين الجانبين في العاصمة الخرطوم، تم في معسكر الجيش في المدينة الرياضية جنوب الخرطوم، بالتزامن مع تصاعد الأحداث في مدينة مروي شمال البلاد، والتي شهدت حراكا عسكريا كبيرا من الجانبين منذ صبيحة الأربعاء انتهى باندلاع مواجهات مسلحة السبت.
و قال شهود وسكان لـ«رويترز» إن الجيش شن ضربات جوية على ثكنات وقواعد تابعة لقوات الدعم السريع، بعضها في مدينة أم درمان، وتمكن من تدمير معظم منشآتها.
وأضافوا أن الجيش استعاد السيطرة على جزء كبير من القصر الرئاسي في الخرطوم من قوات الدعم السريع بعد أن أعلن كل جانب السيطرة عليه إلى جانب منشآت مهمة أخرى في المدينة التي ما زالت تشهد اشتباكات بالمدفعية الثقيلة والأسلحة النارية حتى أمس الأحد.
وبين شهود إن أفرادا من قوات الدعم السريع ما زالوا داخل مطار الخرطوم الدولي الذي يحاصره الجيش ويحجم عن توجيه ضربات تجنبا لوقوع أضرار جسيمة.
وقال الجيش في بيان الأحد «اقتربت ساعة النصر».
وأضاف «نترحم على الأرواح البريئة التي أزهقتها هذه المغامرة المتهورة التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع المتمردة ودعواتنا للمصابين، ونبشر شعبنا الصابر الأبي بأخبار سارة قريبا بإذن الله».
وشملت الاشتباكات 10 مدن في 9 ولايات، مما يعني أنها قابلة للتمدد والاستمرار لأيام.
وعلى الرغم من احتراق مبنى القوات البرية في القيادة العامة للجيش، بشكل شبه كامل، وتصاعد السحب الدخانية من مواقع أخرى داخل المقر، إلا أن المبنى الواقع وسط الخرطوم، لا يزال تحت سيطرة الجيش، في المقابل شهد مبنى قيادة «الدعم السريع» القريب منه أضرارا وحرائق هائلة، ولا يبدو واضحا ما إذا كان تم إخلاؤه أم لا.
وحسب شهود عيان تحدثوا لـ«القدس العربي» في جنوب الخرطوم، استطاع «الدعم السريع» السيطرة على معسكر الجيش في المدينة الرياضية، والذي ظل بعد ذلك يتعرض للقصف والحصار من قبل الجيش، طوال الليل حتى صبيحة الأحد.
دعاية حربية من الطرفين تخللتها بيانات حول إنجازات عسكرية
وتنتشر دبابات الجيش في محيط مقر المدرعات التابع للقوات المسلحة جنوب الخرطوم، والذي أكد المواطنون أنها كانت منصة لإطلاق مقذوفات غير معلومة الوجهة. بينما تمركزت في شوارع قريبة منها، في أحياء جبرة سيارات عسكرية تابعة لقوات «الدعم السريع» والتي انتشرت قواتها داخل عدد من الأحياء هناك. وكذلك تشهد منطقة وسط الخرطوم وجودا كثيفا ومتنوعا لقوات عسكرية من الجانبين، انتشر بعضها داخل الأحياء السكنية.
كذلك لا تزال المواجهات مستمرة في محيط قاعدة طيبة الحسناب التابعة للدعم السريع، جنوب الخرطوم. وكذلك في قاعدة وادي سيدنا التابعة للجيش في مدينة أمدرمان غربي العاصمة الخرطوم.
ولا يزال مطار الخرطوم مغلقا، والذي كان تحت سيطرة قوات الدعم السريع، السبت وشهد أضرارا عديدة وحرائق لطائرات تابعة لشركات محلية ودولية، إلا أن الجيش لاحقا أعاد السيطرة عليه، ولا يزال يسيطر على المطار العسكري الواقع جنوبه حتى لحظة كتابة التقرير. بينما شوهدت ألسنة دخان متصاعدة، مساء الأحد من داخل المطار، قالت وسائل إعلام محلية أنها بسبب انفجار مستودعات الوقود بالمطار.
وشهد إقليم دارفور انتشارا واسعا لقوات الدعم السريع في معظم الولايات، إلا أن المواجهات في مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور لا تزال مستمرة بين الجانبين. وقال عضو لجان المقاومة ادم يحيى لـ«القدس العربي» ان المدينة شهدت سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى من المدنيين والعسكر من الجانبين، مشيرا إلى أن إمكانيات رصد أعداد الضحايا بشكل دقيق متعثر في ظل استمرار الاشتباكات، بينما نزح المئات خارج الولاية.
وبين مواطنون تحدثوا لـ«القدس العربي» من إقليم النيل الأزرق جنوب البلاد، أنه أصبح تحت سيطرة الجيش وأن الأوضاع هناك هادئة إلى حد ما.
وتسابق كلا الطرفين أمس لإصدار بيانات حول تقدمها العسكري، وسط نفي ونفي مضاد، ما أدى إلى حالة من الارتباك في مسألة استجلاء الحقائق، الأمر الذي صنفه بعض المراقبين ضمن الدعاية الحربية أكثر من كونها حقائق على الأرض، وتهدف إلى إضعاف معنويات العدو ورفع الحماس لدى القوات المقاتلة.
وانخرطت في هذه الأخبار المضللة قيادة القوتين، فقد أعلن قائد الدعم السريع «حميدتي» أنه سيطر على القيادة العامة وعلى مقربة من القبض على رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وهو الأمر الذي كذبته وقائع الأحداث، كذلك خرج عضو مجلس السيادة والقائد البارز للجيش السوداني ياسر العطا، وقال إن قوات الجيش سيطرت على كافة المعسكرات في منطقة أمدرمان، بينما الاشتباكات ما زالت تدور في بعض المناطق هناك.
وقال المستشار السياسي لقوات» الدعم السريع» إنهم يسيطرون على الإذاعة والتلفزيون، إضافة إلى السيطرة على الفرق العسكرية في دارفور والأبيض وكردفان وفي مواقع بالخرطوم.
وأضاف في تصريحات للجزيرة أن الأزمة الحالية لها علاقة بالموقف السياسي لكل من البرهان وحميدتي، وأن قوات الدعم السريع أُجبرت على الحرب.
وأوضح أن موقف قائد قوات الدعم السريع حميدتي مساند للتحول الديمقراطي، وأن قوات الدعم السريع في حالة دفاع عن النفس، وأن الحوار يجب ألا يكون بالسلاح.
وكانت وسائل التواصل الاجتماعي المسرح الأبرز للدعاية الحربية من الطرفين، ومثلت صفحتا القوات المسلحة وقوات الدعم السريع بـ«فيسبوك» رأس المال، في نشر معلومات السيطرة والاستحواذ.
ومن الملاحظ أن الدعاية الحربية أخذت طابعا مخالفا لأعراف القانون الإنساني عبر عرض فيديوهات للأسرى وصور القتلى والمصابين في سبيل ضرب الروح المعنوية للطرف الآخر.
وأعلنت قوات الجيش السوداني مساء أول أمس السبت مداهمة الكتيبة الإعلامية لقوات الدعم السريع التي تنشط في نشر أخبار المعارك في منطقة جبرة جنوبي الخرطوم، وهو الأمر الذي بدوره حد إلى درجة كبيرة من النشاط الإعلامي لقوات الدعم السريع على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية.
ويقول مراقبون إن هناك إغراقا منظما من كلا الطرفين للميديا بفيديوهات قديمة ومفبركة.
وإلى ذلك يرى الصحافي عمر الفاروق، العامل في مرصد بيم للتحقق من الأخبار، التصريحات والتصريحات المضادة من كلا الطرفين تخللتها أكاذيب كثيرة في الوقت الحالي تكذبها الواقع، مشيراً إلى أنها تستهدف الرأي العام السوداني والدولي.
ويشير لـ«القدس العربي» إلى أن المعارك تدور كما في الشوارع والطرق في مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية ويسعى أي جهة لخلق تصورات للأوضاع الأمنية والعسكرية.
ولكن يرى الفاروق أن هناك أطرافا أخرى بعيدة من الموالين لطرفي القتال تقدم بالمقابل معلومات أخرى أكثر مصداقية.