طائرة ورقية تدوّمُ صوب القصر
عزت القمحاويطائرة ورقية تدوّمُ صوب القصر نوبة حراسة عادية ككل النوبات. دخل الملازم وحيد مخزن السلاح عند الغروب. تسلم خوذته ونظارة الرؤية الليلية وخزينتي المسدس الاحتياطيتين، وتوجه الي رفيق ليلته وهو ملازم أول بكتيبة المشاة مرح وشديد الثقة بنفسه. قدّر أنه يكبره بسبع أو ثماني سنوات، وأحس بالألفة تجاهه منذ اللحظة الأولي. لا بد من أن مظهره المبتهج هو ما يجعله قريبا من النفس، لكن ذلك لم يكن سبب هذه الألفة التي استشعرها الملازم وحيد تجاهه، بل التقارب الشديد في الملامح بينهما؛ التقارب الذي لم يصل حد التطابق المشوش. كأنه شقيق لم تنجبه أمه.أخذ يتفرس وجهه وقد عادت ذكريات طفولته الموحشة تؤلم قلبه. كان الوحيد بين رفاقه بلا أخ من سنه. توسل الي أمه مراراً أن تنجب له أخا صغيراً يلعب معه، ولم يكن يعلم أنه كان فرصتها الوحيدة. وعندما صار صبياً تأكد أن رغبته الطفولية لم تكن علي غير أساس؛ يخرج مهزوماً دائما في كل شجار فيحتمي بالعزلة التي تصاعدت عاماً بعد عام، بينما كان زملاؤه يلجأون الي اخوتهم في الصفوف الأعلي عند أية مشكلة تنشأ مع أقرانهم. سار متأخراً بخطوة واحدة عن الملازم أول في القطاع المكلفين به، من منتصف قوس الفرسان الي منتصف قوس المشاة. كان ضابط المشاة يكاد يهرول في قطاع الفرسان كاتماً أنفاسه بسبب رائحة النشادر واليود التي تهب كثيفة من الاسطبلات لتتعلق في الهواء الساكن مثل سحابة جافة تعودها ضباط الفرسان، وربما استعذبها بعضهم، كالملازم وحيد المجبر علي توسيع خطوته ملتمساً العذر للملازم أول الذي فاته أن يكون شقيقه. سريعا توسط البدر المكتمل قبة السماء. الجنود يتحركون بامتداد سور المعسكر وتبدو الصقور علي أكتافهم والبنادق المعلقة الي ظهورهم امتدادات طبيعية لأجسادهم التي تنعكس ظلالها القزمة تحت أقدامهم، بينما توقفت الحركة تماما في الثكنات. بعد العشاء آب الضباط الي غرفهم. وصارت الصرخة المزدوجة لضابطي الحراسة الليلية: من هناك؟ تتردد ممطوطة كما لو كانت قادمة من ماض سحيق. دعا الملازم أول الملازم الي استراحة في أحد أبراج السور. تسلق وراءه السلم الحديدي الذي يتخذ شكل قوس معلق فوق قوس جنود المشاة، وعبرا محنيين الي داخل البرج. رفع فرد الحراسة المكلف بالبرج يده بالتحية. وبادر الي فرش بطانيته للضابطين، ثم رفع يده بالتحية مرة أخري ضارباً رجله بطريقة هزت البرج، واستدار باتجاه السلم. لمعت أنوار القصر كاشراقة خاطفة، كانت كافية لارعاش الملازم الذي استدار مباشرة قبل أن يلحظ الملازم أول تأثره. وجه نظره باتجاه المدينة المؤتنسة بضوء القمر ونسمات الليل اللطيفة بعد نهار شديد الحرارة. كثير من الأسطح تصطخب بالحياة؛ ظلال تكومت أمام أجهزة تليفزيون، ظلال تلعب الورق، جلوساً علي مقاعد أو مفترشة السجاد، بعض الأسطح عليها رجل وحيد أو امرأة وحيدة، بعضها تجري عليه مهارشات بين ظلال شبه عارية، أو تهتز فوقه ملاءات منتفخة.تذكر الملازم المرأة ذات النظرة المثيرة. أين يقع بيتها بين هذه البيوت؟ ربما كانت واحدة من الظلال التي تلوح فوق الأسطح الآن، مع من؟ امرأة شهية كهذه لا يمكن أن تبقي وحيدة. بامكانه التعرف علي نظرتها، لو برقت عيناها في هذه العتمة، لكن أحداً لم يكن ينظر باتجاه القصر. ـ كله تمام.قال الملازم أول دون أن ينظر، وأمّن الملازم علي استنتاجه وهو يخلع نظارته. رفع الملازم أول حجراً من الجدار، وأخرج من تحته صندوقاً أسود صغيراً نحيفاً بحجم صندوق التبغ. خلع حذاءه وتربع علي البطانية وتبعه الملازم. فتح الصندوق الصغير الذي تحول الي رقعة شطرنج وقد تناثرت فوقها البيادق الدقيقة. ـ أُفضِّل الأبيض، فاختر أنت اللون الذي تريد! قال مازحاً وهو يجمع القطع البيضاء فلم يدع خياراً للملازم الذي أخذ في ترتيب بيادقه السوداء. ونظر الي الملازم أول مندهشاً.ـ شطرنج بلا ملك؟!ـ غريبة؟! لقد قضيت هنا عشر سنوات في حراسة رئيس لا أراه.ـ لكننا نعرف أنه موجود. ـ اعتبر الملك موجوداً أيضا. ـ ليس افتراضاً، الرئيس موجود بالفعل. ـ أنت فتي مزايد. قال الملازم أول باسماً دون ضغينة، ثم تساءل ساخراً:ـ افترض أنه موجود، كيف ستجرؤ علي حصار ملك أو خلعه؟! لم يُعقِّب الملازم، وبدأ في ترتيب دفاعاته في فص من دماغه، بينما احتفظ بالآخر متيقظاً لأدني حركة بالخارج. عندما نقل الملازم أول نقلته الأولي، صرخ صقر وانطلق كالسهم يشق الفضاء. هب الضابطان واقفين، وقد رفعا نظارتي الرؤية الي عيونهما فوراً. في ثوان وصل الصقر الي هدفه علي أحد الأسطح البعيدة. في بؤرة المنظار كان طفل تتشبث يده بالخيط المتوتر لطيارة ورقية حملها الهواء باتجاه المعسكر. لم يمتص الصقر عيني الطفل، واكتفي بنقر يده التي أفلتت الخيط، وارتد غاضبا الي كتف الجندي. ابتسم الملازم أول وعاد الي جلسته فوق البطانية لاستئناف اللعب. لكن الملازم ظل مشدودا ينظر برعب الي الطيارة التي أخذت تحلق أعلي وأعلي وتُدّومّ مواصلة التقدم صوب المعسكر.ـ اقعد أيها الملازم.لم يستجب للأمر، وأخرج مسدسه متربصا بالطائرة. قام الملازم أول صارخا فيه:ـ انها مجرد لعبة يا فتي.ـ كيف تضمن سيادتك؟ـ هي بالتأكيد لعبة، والا كان الصقر امتص عيني الغلام. ـ شكوكي أهم من تقدير طير أخرق. تشنجت يد الملازم وحيد علي الزناد بينما أخذ يتتبع تموجات الطيارة في الهواء.ـ انتباه أيها الملازم!أمره الملازم أول، لكن صوته ضاع تحت ضجيج المسدس وقد بدأ يمطر ناراً باتجاه الطيارة التي لم يبلغها مداه، لكن اطلاقه كان كافياً لكي يستنفر الجنود الذين صوبوا بنادقهم الآلية نحوها، وسرعان ما تحولت الي مزق من اللهب يطوحها الهواء.تهاوت قطع الرماد الهشة الي الساحة التي تحولت عتمتها الي رائعة نهار، وقد احتشدت فرق الحرس الأرضية، بينما حلق الطيران في الهواء. أخذ الملازم ينشج متأثراً بايقاع النشيد الرئاسي. استطاع من مكانه في البرج، أن يميز الأبلق في موقعه من طابور كتيبة الفرسان منتظماً في المسيرة يتطلع هنا وهناك مفتقداً ثقل فارسه. انطلق الملازم وحيد نازلاً السلم وفي ثوان تجاوز طابور المشاة سارياً عبر الفتحة الواصلة بين الكتيبتين، وفي قفزة واحدة كان فوق حصانه، دون أن يغادره اختلاط المشاعر الذي بلل وجنتيه.لم يعرف كيف مضت بقية الليلة، وان بقي متوازناً فوق الأبلق كالسائر في حلم خلال طابور التفتيش الذي استمر حتي الصباح. علي مدي الرؤية كانت ساحة المعسكر مكتظة بالقوات من مختلف الأسلحة.للمرة الأولي يشعر بأن مهارة السيطرة علي تفكيره التي أتقنها تماما تتخلي عنه؛ لا ينجح في طرد خاطر حتي يهاجمه آخر. ـ هل كنت علي صواب عندما أطلقت النار؟ـ هل بالغت؟ـ هل يمكن أن أنال ترقية علي يقظتي؟ـ هل أعاقب علي اثارة القلق؟ وشيش المدرعات، أزيز الطائرات، صيحات فرق المهام الخاصة، وخبب الجنود علي الممرات المرصوفة بالبازلت كانت تغطي علي حمحمة الخيل، لكنها جميعا لم تنجح في السيطرة علي مشاعر الملازم عند حدود الاضطراب الذي تحول الي رعب عندما تذكر الرئيس. اكتشف فجأة أن مخاوفه اقتصرت علي شبهة اختراق النظام أو اثارة البلبلة لأنه اعتاد أن يتصرف كما لو كان الرئيس كائناً من خارج عالمه.ـ ماذا لو أزعجه هذا الاستنفار غير المبرر؟سيطرت عليه الفكرة. ونقل ارتجاف ساقيه فوق السرج الحزن الي الأبلق؛ أحني الجواد رأسه، ودلي أذنيه، وأخذ يتهادي مهدهداً فارسه دون أن يتخلف عن موقعه بالركب. لم ينتبه وحيد الغارق في الحزن الا عندما توقف به الأبلق أمام غرفته. ترجل عنه من دون أن يتخلص من الذهول. ـ في لحظة ما سيسحبونني دون محاكمة الي حيث أقابل مصيري.في طابور التمام الصباحي لم يأت ذكر للواقعة، وكأن ذلك الاستنفار حدث في قلعة أخري أو زمان آخر. لكنه متأكد من أنه لم يكن يحلم. الوقائع محفورة علي بدنه الذي يكاد يتهاوي. عاد الي غرفته. استبدل ملابسه واستلقي علي سريره محاولاً النوم، لكن القلق لم يغمض له جفناً. في محاولة لصرف ذهنه عن التفكير بالواقعة، بدأ يشغل نفسه بالعد: واحد، اثنان، ثلاثة.. لكنه كان يصل بعده الي الآلاف من دون أن يرتبك في العد أو يأتيه النعاس. قام واستبدل ملابسه مرة أخري وخرج الي صالة الطعام. يعرف أنه لن يستطيع أن يأكل شيئاً لكنه تغيب عن الافطار واذا تجاهل وقت الغداء ايضاً فان ذلك سيلفت النظر اليه، وسيبدو اعترافاً منه بأن ما فعله الليلة ذنب يستوجب العقاب. ظهوره علي الغداء سيجعله يبدو متماسكاً ويتيح له في الوقت نفسه استطلاع الموقف. توجه الي طاولته كالمعتاد، وأجبر نفسه علي الأكل. مضي كل شيء بخير؛ لم يشر أحد اليه كما كانوا يفعلون عادة، وكأنه غير موجود. وهذا مطمئن من جهة ومقلق من جهة أخري؛ فربما كان تجاهل الضباط له بسبب الاعتياد، لم يعد ضيفاً ولم يرتكب شيئاً غريباً يجعله محط أية نظرات للشفقة أو للدهشة أو حتي للتشفي. لكن تحاشي النظر اليه قد يكون مرجعه خوف الضباط من التورط في احساس غير مناسب، او افشاء سر المحاكمة التي لم يحن الاعلان عنها بعد.بعد الظهر نودي لاستنفار مفاجئ. وجد وحيد نفسه مرة أخري فوق الأبلق في مكانه من الموكب متعباً حيث لم يغمض له جفن في القيلولة، مع ذلك لم يأت بخطأ واحد. وفي طابور التمام المسائي بدا وكأن كل الأمور طبيعية، لكن أحداً من الضباط لم يطرق بابه في المساء. روائي وقاص من مصرفصل من رواية جديدة للكاتب بعنوان الحارس تصدر قريباً في القاهرة عن دار العين .QSR0