«طائر التمّ» سيرة المفكر الفلسطيني فهمي جدعان: إنجاز بلا لسان يُشبع حاجات الروح

إبراهيم السّعافين
حجم الخط
0

هذا الكتاب سيرة حياة مفكر مرموق، أنفق عمره العلمي في دراسة الفلسفة وتدريسها، وتخرّجت على يديه أجيال من الباحثين النّابهين، عصاميّ بنى حياته لبنة لبنة بالجدّ والمثابرة، وقد انطلق من قاع الحياة الاجتماعية كسائر جيل النكبة الذين اقتلعوا من بيوتهم وأراضيهم في أكبر مأساة عرفها هذا العصر بمؤامرة كونيّة مهّدت لها القوى العظمى. إذن فهمي جدعان مثله كمثل جيل النكبة فتح عينيه على آثار المأساة المروّعة التي شرّدت شعباً كاملاً آمناً، ليغدو بعد حياةٍ بائسة وكفاحٍ مرير أستاذاً جامعياً ومفكّراً من طرازٍ خاص رفيع يُشار إليه بالبنان.
إنّ فهمي جدعان، على هذا النّحو، نموذج لعشرات الفلسطينيين الذين قاوموا ظروف المأساة ونبغوا في ظروف استثنائيّة كفيلة بتحطيم أصحاب الطّموح الكبير والهمم العالية.
ولعلّ ما يبهرك في فهمي جدعان العالم المفكّر الذي استوعب أفكار الفلاسفة منذ أرسطو حتى فلاسفة مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة، وتابع الفكر الفلسفي في تطوّره وفي جدله وفي حواراته، أنّه لا يقف أمام هذا الفكر ورجاله بالتمجيد والإعلان عن أنّه الحلّ لقضايا الإنسان الوجودية والواقعيّة، بل يكاد يقول إن العقلانيّة المجرّدة والموضوعيّة المطلقة غير متحقّقة في واقع النّاس، أو أنّها ليست الحلّ أمام معاناة النّاس وأشواقهم، فلا بد من الجانب العاطفي والرّوحي الذي يلبي حاجة الإنسان، وإن لم تكن بالضرورة حاضرة في ما هو نقيض العقل كالخرافة والأسطورة، وإنّما في أجناس وفنون تمكن الإنسان من البوْحِ أو الدخول إلى عالم الدّاخل حيث التعبير عن عالم الذات والشعور بعيداً عن الموضوعية المطلقة أو العقلانيّة الجافة مثل الشعر والقصة والرواية والسيرة الذاتيّة. وهو من هذا المنطلق يرى أنّ الفن حاجة وضرورة كما ذهب أرنست فيشر في كتابه «ضرورة الفن»، وكأنّه يسوّغ للسائلين إقدامه على كتابة سيرته الذّاتيّة التي يراها تقع وسطاً بين السيرة الذاتية والرواية، وكأنّه يتخلّى عن موقع الفيلسوف الذي يراقب الحياة أو يعالج قضايا الفكر من برجه العاجيّ.
وميزة المفكر الفيلسوف فهمي جدعان أنّه لا يهجم على الموضوعات والقضايا دون اطّلاع واسع وتأمّل دقيق، بل لعلّ ميزته أنّه لا يعزل نفسه عن الموروث الفكري ولا عن القضايا والظواهر التي يعالجها، بل إنّه ينطلق منها، لا ينفي ولا يتهم، بل ينقد نقد الحاني والمحبّ والملتزم والمنتمي. وبون شاسع بين من يقرأ ويستوعب ويتأمّل ويبني تصوّرات شاملة تتخلّلها الملاحظة والنقد، وبين من يدخل إلى موضوعه وهو متمترسٌ خلف أفكارٍ وأطروحاتٍ جاهزة تهيئ للهدم والنّفي والإلغاء. فهمي جدعان مفكر من داخل الحضارة العربيّة الإسلاميّة لا من خارجها، فلا ينظر إليها من علٍ، ولا يحاكمها قبل أن يستوعب متنها وحركتها، وفي النّظر من علٍ، وفي الأحكام المتسرّعة خطر التعميم والأحكام الجارفة الكاسحة.

2021-08-07_03-15-33_873876
وتجيء سيرته التي تكشف عتبتها الأولى، أقصد العنوان «طائر التمّ»، عن طبيعة صاحب السيرة ورحلته الصعبة في حياة لا تسلم له القياد إلّا بركوب الصّعب، وهو هنا تحقيق الذّات والهوية عبر العلم والفكر، فطائر التمّ له من القوة والشجاعة ما يكفي، فهو قرين الفعل والإنجاز، ولكنّه كالأبكم لا يعبّر عن ذاته كما ينبغي، ولا تتهيّأ له الأداة الإعلاميّة التي قد تتاح لكثيرين مَن هم أقلّ شأناً على الرّغم من قيمة أعماله التي تدافع عن نفسها بنفسها، ربما يحمل العنوان دلالات أكثر من هذا بكثير.
يغادر الطفل قريته عين غزال بعد النكبة إلى دمشق حيث حياة المخيّمات ومعاناة الفقر وشظف الحياة ويتمكن من متابعة دراسته حتى يتخرج من قسم الفلسفة بجامعة دمشق ويتمكن من العمل معيداً في الجامعة الأردنية ويصبح عضو هيئة تدريسٍ فيها بعد أن يتوّج هذه المرحلة بالحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون العريقة.
أيّة سيرة ذاتية تكتسب أهميّتها من القدرة على البَوْحِ وسيرة فهمي جدعان لها حظ من البوح، فقد كشف عن ذلك حتّى في الحديث عن أمّه التي لم تحظ بحظ وافر من الجمال وعن علاقتها بوالده وعمّته، ووقف عند علاقته ببعض مرؤوسيه في الجامعة وعند جحود من هم في مرتبة تلاميذه حينَ ائتمروا بحرمانه من العودة إلى مكتبه في الجامعة، وقد كشف في جانب منها عن أزمته الماديّة وكيف قدّم له بعض الأصدقاء العون مثل إحسان عبّاس أو بعض الأساتذة الأصدقاء من الفرنسيين، وقدّم صورة حزينة عن الوضع في الكويت غداة الاحتلال ثم حرب الخليج. وتخلّلت أحداث السيرة مواقف مختلفة ممن وقف ضد أطروحاته دون أن يفهموها من اتجاهات فكرية متناقضة.
وفي حديثه رنّة أسى لحال الفكر والثقافة في بلادنا. والسيرة تُلمّ بكثير من الأحداث والمواقف والعلاقات والشخصيّات، وتكشف دواخلها. بعض المواقف ذكرها صراحة وبعضها أتى عليها تلميحاً، وأمّا بعض المواقف التي حدثني عنها منذ عقود، فلم يأت هنا على ذكرها قطعياً.
وليس من المستغرب بطبيعة الحال أن تتضمن سيرة مفكّر كبير كثيراً من التصميمات الثقافية ولاسيّما في حقول الفكر ومناهج الفلسفة ونظريّاتها المختلفة، ولكن اللافت أنّه يجنح إلى قراءة الأدب ولا سيّما أدب الرّواية، ولا يكتفي بالقراءة وحدها بغية الاستمتاع بما يقرأ، بل تتضمن هذه القراءة لوناً من النّقد ولو من طرف خفيّ، على نحو ما نرى في حواره مع شاب شاعر من إفران المدينة المغربيّة الجميلة لقيه على شاطئ الأطلسي في الدّار البيضاء وهو يحمل رواية «الحي اللاتيني» للكاتب اللبناني الرّاحل سهيل إدريس. لقد عبّر الشّاب عن صدمته بعد قراءة الرّواية حين لم يجد فيها الحيّ اللاتيني ولا أجواء باريس، ونقدها نقدًا لاذعًا فقد جاء على لسان الشّاب: نعم.. قرأتها.. وصدمت بها.. لم أتبيّن وجهاً لما حظيت به هذه الرّواية من شهرةٍ ومن تفريط.. رأيت فيها نص كاتب مراهقٍ لا أكثر ولا أقل.. وأشدّ ما صدمني فيها أنّ الحيّ اللاتيني الذي تحمل الرّواية اسمه – وهو الذي روّج – لا حضور له على الإطلاق فيها.. وكذلك باريس نفسها.. والحريّة التي تريد أن تلهج الرواية بها ليست هي «الحريّة الوجوديّة» بقدر ما هي الانفلات الجنسي! وشخصياتها جميعاً من الشبان العرب.. كأنّك في حيّ الحمرا في بيروت.. لا في باريس.
ولعل القارئ لا يشك في أنّ هذا رأي فهمي جدعان أيضاً في هذه الرواية حين نلحظ البون الشاسع كما يقول بين ما كتبه سهيل إدريس في روايته وبين ما كتبته في هذه المدّة سيمون دو بوفوار في إحدى رواياتها.
والذي يتأمّلُ سيرة فهمي جدعان يجده في الأغلب متحفّظاً، لا محافظاً، يريد أن يعيش التجربة ولكنّه حذر من الانضواء في حزبٍ أو جماعة، يريد أن يقترب من النّار ولا يحترق بها، يدفعه فضوله إلى التجربة ولكنّه يؤثر في نهاية المطاف العزوف. وبما أنّه كان يؤثر السّلامة حين يلمس الخطر فقد اختار ما يمنحه الأمن والسكينة، فاختار أن يلبّي حاجته الرّوحيّة في الفن؛ فنّ المسرح وفنّ السينما. وواضح أثر ذلك في حياته، فهو يذكر بإسهاب أسماء المسرحيات الكلاسيكيّة التي شهدها، وأسماء الكتّاب والممثلين والممثّلات، والأمر نفسه في ما يتعلق بعالم السينما من روائع الأفلام وأبرز الممثلين والممثّلات.
إن فهمي جدعان المفكّر الفيلسوف يبحث دوماً عن إشباع حاجاته الروحيّة في الأدب والفن والصداقة والأماكن الأليفة وفي البحث عن أدق القضايا الفكرية والفلسفية والتاريخية وأعمقها.
«طائر التمّ» سيرة مشوّقة، غنيّة معرفياً وسردياً، تستحق القراءة بالتّأكيد.

فهمي جدعان: ّطائر التم: حكايات جنى الخطا والأيام»
منشورات الدار الأهليّة، عمّان 2021
469 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية