طائر النحس وأشياء أخرى

حجم الخط
1

لأن قدماه مُسطحتان رفضوه في الجيش.
عاد هيثم للبيت متعبا وكأنه ركض عشرين ميلا دون توقف. هذا رفض آخر يضيفه إلى قائمة الأشياء التي فشل في تحقيقها في حياته. وكأن النحس طائر أسود معلق في نقطة بين كتفيه، يتربع هناك وبنقرات من منقاره يقوده بدقة في طريق الفشل.
منذ عشر سنوات وهو يمشي في هذا الطريق. ثلاثة آلاف وستمائة وخمسون يوم من حياته كُللت بالفشل المُتكرر في اجتياز امتحان ‘الكفاءة المهنية’ في الأستاذية (1). عقد بأكمله أمضاه في الانتظار. عشر سنوات جرب فيها كل شيء. أعطى دروسا خصوصية بالجملة لطلبة قليلي الذكاء ومنعدمي الاهتمام بالدراسة، درسهم الرياضيات والفيزياء والعربية بسعر واحد. عمل بائعا في محل عطورات ومشرفا في القسم التجاري للمطار، عمل كسائق تاكسي بنصف دوام لكن صاحب سيارة الأجرة طرده لكثرة الخدوش والاعوجاجات التي زين بها السيارة. طرده بالرغم من أن هيثم كان يقسم له كل مرة أن الاصابات التي تتعرض لها السيارة من غير قصد مذكرا إياه بأنه يعرف مثله أن لا أحد يحترم قوانين السير ناهيك عن قلة المواقف في المدينة ما يجعله يحشر العربة بين سيارتين ليصعب عليه في النهاية اخراجها من بينهما سليمة. هيثم جرب كل شيء، حتى أوراق اليانصيب جربها مدمنا على حلم ثراء سريع لا يتحقق. لا مفر، النحس ملتصق به. من فرط يأسه وخلو جيبه فكر في العمل كنادل في مدينة أخرى لا يعرفه فيها أحد. كل الأعمال كانت وقتية تنتهي بانتهاء الموسم أو لأخطاء يرتكبها ما يزيد من تضحم شعوره بالنحس. لذك اشتغل أغلبية الوقت، عاطلا عن العمل. وللتخفيف عنه كانت والدته تردد لع إثر كل فشل: ‘مثلك مثل المئات من المتخرجين، كلنا نعرف أن هذا الامتحان جُعل ليعرقل مستقبلكم ويترككم على رف الاحتياط. كلنا نعرف ان عدد الوظائف المتاحة أقل بكثير من عدد المتخرجين فلا تحزن’.
لكنه اليوم يشعر بأنه منهك، كل ثقل العشر سنوات التي مضت هوى عليه فجأة فتراخت ركبتاه وانهار. لعشر سنوات كانت حياته كلها قائمة على أسبوع يأتي مرة واحدة في السنة، يظل عاطلا عن كل شيء إلى حين موعد امتحانات شهادة الكفاءة المهنية التي يُمتحنون فيها طيلة أسبوع. في السنوات الأولى حين كان امله في النجاح عالياً، كان ينتظر الأسبوع بلهفة. لكنه بعد السنة الرابعة من فشله بدأ يرى أن أيام تلك الأسبوع مشؤومة.
واليوم ولأن قدماه مُسطحتان رفضوه في الجيش.
أنا محكوم بالنحس، قال لأمه وترك لركبتيه أن تخذلاه فجلس على الأرض. أمه نظرت اليه نظرة منكسرة ثم أُشرقت عيناها بالحماس وقالت: رغم انني لا أؤمن بهذه الشعوذات لكن لما لا نجرب؟ فلنذهب إلى تلك المرأة التي حدثوني عنها ربما كانت قادرة على فك النحس عنك. نظر إليها بيأس ثم نهض باتجاه غرفته. يعرف أن كثيرين مثله لم يجتازوا هذا الامتحان اللعين ولسنوات كرروا المحاولة مثله، مكتفين بالجلوس بقية العام في المقاهي أو متصيدين فرص العمل في وظائف صغيرة وقتية. صديقه محسن الذي تخرج معه من نفس الدفعة، علق شهادته الجامعية فوق كرسي الحمام بالضبط. وحين استنكر هيثم فعلته أجابه محسن بحنق: على الأقل هكذا أستطيع أن أنتقم من هذه الورقة الملعونة. كلما قضيت حاجتي أتخيل أنني أقضيها عليها. هذه القطعة الكرتونية التي قضينا أياما وسنوات نركض وراءها لاهثين في سبيل الحصول عليها. وفي النهاية ما الذي تحصلنا عليه؟؟ لا شيء! ورقة كرتونية لا رجاء منها.
في الحقيقة هيثم لم يفشل دائما في الامتحان لكنه حتى في المرات التي نجح فيها في الاختبارات الكتابية فشل في الاختبارات الشفاهية وهكذا كان لا ينجح في العبور إلى الحياة الحقيقية. من فرط يأسه بدأ في تصديق ما كان يتهامسه زملائه في الفشل: من يدفع بضعة آلاف دينار من تحت طاولة مسؤول ما يحصل على شهادة الكفاءة المهنية ويُعين في نفس السنة أستاذا في أحد المعاهد الثانوية. هكذا كان يتهامس المتخرجون القدامى لزملائهم الجدد في المقاهي وهم ينفضون عن ايامهم الرتيبة غبار الفشل والارتقاب. كان الواحد منهم يضيف بصوت خافت يوقعه الكبرياء: ‘فقط لو كان المرء يمتلك المبلغ الكافي لقام بهذا كدَفعة صغيرة لحياته المهنية. زملائه وهو معهم كانوا مشاريع اساتذة مع وقف التنفيذ، مؤجلة أحلامهم ومتوقفة حياتهم وكأن أربع سنوات جامعية من الامتحانات والاختبارات لم تكن كافية فأضافوا عليها هذا الامتحان اللعين. مئات بل الاف الاساتذة من شمال البلاد إلى جنوبها عُلقت حياتهم بسبب امتحان أخير وضع ليُحدد كفاءتهم كأساتذة.
هيثم الذي تشبع بالرياضيات وهدهدت احلام طفولته بطولات العرب، تنافس الخوارزمي والجاحظ على عقله حتى تقاسما جغرافية روحه بالتواسي وخلفهما سلالة كاملة من العلماء والأدباء .نهل من حكايات الهمذاني حتى ارتوى من نبع الضحك وعشق الجبر والتعادليات…ابن الأدب والرياضيات هو، تزاوجا في روحه حتى صار عقله بستانا من الحروف والأرقام. تمازجت الحروف العربية واللاتينية في حياته بعفوية بحيث كان يبدأ صباحاته بالخطوط والأرقام ويرفه عن نفسه مساءا بقراءة الشعر. علم الجبر كان سفينته التي يعبر بها الوقت أما ‘قفا نبك’ وإخوتها فكانت تعاويذه المسائية التي يرددها لنفسه كي لا يجن في مغارة عزلته. عند كل نهاية يوم دراسي حين يجتمع الطلبة أمام المطعم الجامعي تتضاعف وحدته حتى تتحول إلى غربة. كان مختلفا عنهم بتركيبته المزدوجة رغم محاولاته المستميتة كي يشبههم ويتحول إلى واحد منهم. كانت الرياضيات نقطة تفوقه ولذلك كرهوه. وكان حين يتكلم تنساب كلماته وأفكاره بلغة طلبة الآداب فيسخر منه زملائه في كلية العلوم والرياضيات. حاول أن يتحدث لغتهم دون جدوى فكلماته لم تكن من بنات افكاره فقط كانت كل كلمة ينطقها من بنات الينابيع التي ارتوى منها منذ طفولته لذلك لم يفهموه. لا هم فهموه ولا هو فهمهم.
كأنه كان واقفاً على جُرف اليأس كلما حاول التراجع خشي أن يهوي إلى قاع الوحدة والاكتئاب لذلك حاول أن يتاقلم مع المحيطين به وحين عجز عن ايجاد من يشبهه أو يتفق معه كان يهرب للمنزل العائلي لملاعبة أبيه الشطرنج. ظهيرة كل أحد كانا يجلسان وجها لوجه بينهما رقعة من الجنود والبيادق والأفكار والأحلام. كل أحد كان أبوه يحدثه عن حلمه بصوت مرتفع، كان يحلم بأن يُثبت ابنه نظرية علمية جديدة يدخل بها تاريخ الرياضيات الحديثة. وهيثم الذي لم يتخلف يوما عن جلستهما تلك، عاش داخل حلم أبيه. مرت السنوات الجامعية الأربع ونجح فيها بتفوق لكن نفسيته تلونت برماد الكآبة.
غداً عيد ميلاده الرابع والثلاثون.هههههه يا للسخرية، شارف على الأربعين وحياته العملية لم تبدأ بعد، حياته مثل قطعة لحم مجمدة ازرقت وفقدت نكهتها. حتى حبيبته ملت وتعبت من الانتظار فهجرته. منذ شهر خابرته وبعد مقدمة لفت فيها حول الكلمات تكلمت وليتها لم تفعل: ‘حاولت كثيراً أن أخبرك بقراري مباشرة لكن قلبي كان يخونني كل مرة فأعجز عن قول ما أريد قوله. يا هيثم أرجوك لا تقاطعني أعرف أنك تحبني وأنا أيضاً لكنني فكرت جيداً قبل أن أتوصل إلى هذا القرار. لقد فهمت بعد كل هذا الوقت أن الحب وحده لا يكفي، مضت ست سنوات الآن وأنا أنتظر معك نجاحا لا يتحقق وتعيينا غير مضمون. أعرف أن لا ذنب لك في هذا لكن ما ذنبي أنا؟ تعبت. حياتي لم تعد معلقة بك بل بنتيجة امتحان لا تتحقق. تعبت من ضغط عائلتي. تعبت من حبك، تعبت من انتظارك لي عند كل التفافة صباح ومن مواعيدنا التي نجتر فيها نفس الأحلام. المستقبل لا يُبنى بالحب والكلمات فقط. التهمت وقتي التهاماً ولم تترك لي فرصة لتنفس هواء غير هواءك. وكنت شرهاً فالتهمت أفكاري أيضاً. حان الوقت لأتحرر منك مللت من الحب أريد حياة حقيقية أريد بيتا وأطفالا’.
سجل هجرها له في اعلى قائمة فشله. هكذا تأكد له بأن النحس أصبح رفيقه، صنوه الذي لن يفارقه. هكذا بمكالمة هاتفية أخيرة سحقت قلبه…لم تكن حبيبته فقط كانت الجذع الذي تشبث به كي لا يغرق في اليأس، كانت حقل الفرح الذي يهرب إليه ويغفو فيه تحت سماء صافية. يومها شعر بأن طراوة أحلامه تحولت الى طبقة سميكة من الصدأ غطت عينيه ثم سالت على جسده فغطته وغطت روحه فاستسلم للنسيان والكآبة. لم يذهب مع أمه للعرافة فهو لا يصدق هذه الخرافات لكنه حين أمسك نفسه متلبسا بفكرة الانتحار استشار طبيبا نفسيا.
انزلقت ساقه في طمي العزلة فوقع وتمرغ على وجهه لم يجرح أو يصب بكدمات لكنه لم يستطع النهوض بسهولة. مثل كائن هلامي تمرغ مستنداً على مرفقيه محاولاً النهوض. خشي ان يغرق في الكآبة إلى أن تطمره نهائيا لذلك حاول النهوض باستماتة تشبث بأظافره وأسنانه بأول جذع التقطه قربه فكان حبها الجذع الذي ارتكز عليه ست سنوات. لم يسرق وقتها وعمرها طيلة هذه السنين كما قالت فالوقت الذي لا يقضيه معها التهمته المقاهي. في المساء بعد أن يوصلها من الجامعة إلى المبيت ويملىء وقتها بأفكاره وأحلامه التي لا تتجاوزه مثل أرواح تائهة تجوب الأمكنة حائرة دون أن تعرف طريقها النهائي للسماء. صحيح أنه أحبها أولاً وكانت طوق نجاته من الاكتئاب. صحيح أنه مثل صياد ماهر تصيد اللحظة المناسبة ليوقعها في حبه وكي لا تفقد أنفاسها تركها في الماء محكما قبضة شباكه حولها. كان ذكيا وفهم أن مزاجها مائي ومتقلب مثل الموج لذلك لم يسمح لها بالخروج من مياه بحره. ولم ينتبه في خضم ثقته العمياء من حبها أنها تبحث عن ثغرة لتفلت منها. صحيح أنه كان عاطلا عن العمل وأنانيا في حبه لها لكن أليس أساس الحب التملك والانتظار والوفاء للحبيب؟ ألم تكن هذه مبادىء طوق الحمامة؟
واليوم رفضوه لأن قدماه مسطحتان.
ضاقت به غرفته فخرج إلى غرفة الجلوس وضاقت به فخرج من البيت وضاق به الخارج فعاد إلى غرفته. ضاقت به نفسه فضاق بها حتى كرهها ورغب في التخلص منها. عساه يتخلص من الفشل، عساه حين يتخلص منها يقتل طائر النحس المعلق في نقطة بين كتفيه ويتخلص من صنوه النحس. فتح درج المنضدة والتقط العلب الخمس النائمة في قاعه ثم اتجه للمطبخ وأعد قهوة سوداء كرغبة أخيرة يُحققها.
عاود الذهاب لغرفة الجلوس، قام بعملية حسابية بسيطة قد تكون الأخيرة في حياته، أربعة وثلاثين قاسم خمسة حوالي سبعة، كل سبع سنوات من عمره احتاجت إلى علبة دواء. اختزل حياته في خمس علب بروزاك وفنجان قهوة باذخة المرارة….مع مرور الساعات انقبضت معدته وارتفع شعوره بالغثيان…أمام عيني والدته القلقة اتجه إلى الحمام لكن الوقت لم يكفه فسقط على ركبتيه ممسكا بكرسي الحمام ثم بدأ في الاستفراغ. شهقاته تتابعت متسارعة ومؤلمة وكأن هيثم كان يفرغ روحه. والدته التي حضرت المشهد كله ورأت العلب الفارغة في غرفته أيقظت والدته وأخذاه للمستشفى. كان الدواء عالقاً في معدته وللتخلص منه نهائيا توجب عليهم القيام بعملية تنظيف للمعدة، كانت العملية من أكثر التجارب إيلاما بالنسبة لهيثم فقد حاول الطبيب بمساعدة الممرضة ن يدخل أنبوبا بلاستيكيا في حلقه لكن هيثم منعهم وأغلق فمه باستماتة لولا أن الطبيب نهره بعصبية: لا تكن طفلا توقف عن الحركة. أصلا من يريد الموت لا يشرب البروزاك ايها المتحاذق. حين قال هذه الكلمات توقف هيثم عن المقاومة ونظر إلى الطبيب متفاجئاً ثم سأله مترددا ما الذي تقصده بذلك؟ أجابه الطبيب بلطف وكأنه يخاطب ولدا هاربا من المدرسة: دعنا أولا ننتهي من تنظيف معدتك ثم سأشرح لك ما الذي أعنيه.
ببطء أدخل الطبيب الأنبوب حتى وصل إلى معدته، تمزق هيثم من الألم ولأن فمه كان مكمما بطرف الأنبوب فقد عجز عن الصراخ وانسابت دموع الألم والغضب حتى بللت صدره. بكى طيلة الدقائق الطويلة التي شفطوا فيها الدواء. من فرط الوجع شعر بأنه مات وعاد للحياة أكثر من مرة.
بعد ان انتهى كل شيء سأله الطبيب: كيف تشعر الآن؟ ثم أضاف بلهجة امتزجت فيها الشفقة بالسخرية، الكلمات التي أكدت لهيثم وللأبد بأنه شخص منحوس، منحوس إلى درجة أنه فشل حتى في الانتحار: ‘من الغباء أن تفكر في تناول البروزاك للانتحار. هذا الدواء صُمم لتحفيز المشاعر الايجابية لدى المكتئبين وتركيبته من الأعشاب الطبيعية. يعني حتى لو تناولت مائة علبة منه فلن تموت ستشعر في البداية بالغثيان ثم بالسعادة وبرغبة مجنونة في الحياة لا أكثر ولا أقل’.
*: إحدى قصص المجموعة القصصية ‘هشاشة’ التي تصدر قريبا عن دار الفارابي ضمن معرض الشارقة للكتاب.

* امتحان ‘الكفاءة المهنية’ في الأستاذية أو ‘CAPES’: امتحان يجتازه الأساتذة الجدد المتخرجون حديثا في مختلف الاختصاصات. ويتكون الامتحان من مرحلتين، مرحلة كتابية وشفاهية. إن اجتاز الاستاذ المرحلة الأولى فيرشح للمرحلة الثانية الشفاهية وبنجاحه فيها يصبح أستاذا وينتظر تعيينه. أطلق عليه الطلبة والأساتذة الجدد التونسيون تسميات ساخرة كثيرة باعتباره عائقا رئيسا في توظيفهم حيث من الممكن أن يكون الطالب نجح وحصل على الأستاذية بامتياز لكنه يفشل في اجتياز الـCAPES لسنوات.

*كاتبة وشاعرة تونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية