طازجٌ أنثويٌّ وجذاب

حجم الخط
0

فيلم ‘لحظة ايها المجد’ للبنانية شيرين أبو شقرا:

باريس ـ من صلاح سرميني: شاشةٌ سوداء تُعلن الحداد مُسبقاً، استباقٌ جنائزيّ تُرافقه ترانيم أغنية، ومن ثمّ مُقتطفات ذكريات، إنها المطربة ‘وداد’ مُستلقية في فراشها تسترجعُ بقايا ماضيها.

لم أكن أعرفها قبل ‘لحظة أيها المجد'(2009)، فيلم اللبنانية ‘شيرين أبو شقرا’ الخارج عن المألوف، والعصيّ على التصنيف، حيث تجمعُ فيه مشاهد تسجيلية، روائية، تحريكية، تجريبية، وفيديو كليب، وتمزجها في خلطةٍ يُتقنها اللبنانيون في حياتهم اليومية، أفكارهم، طوائفهم، توافقاتهم، صداماتهم، طعامهم، وإبداعاتهم السينمائية الأكثر جرأةً، وخصوبةً، وخاصةً في الأفلام التسجيلية، والروائية القصيرة.

ولكن، كما ذهب البعض بعيداً في طليعيّته مثل ‘غسان سلحب’ في أعماله التجريبية، و’ أكرم زعتري’ المُخلص دائماً لتجريبه، ها هي ‘شيرين أبو شقرا’ تُكمل المشوار بحساسيةٍ شعرية أنثوية مُرقطة بشهوانيةٍ ناعمة.

لا تستخدم ‘شيرين’ بناءً سينمائياً سهلاً للتعريف بتلك المُغنية المنسيّة، وكما تسترجعُ ذكريات الماضي، تعود اللقطات التمثيلية بدورها إلى تلك السنوات عن طريق الديكور، الملابس، الألوان، الماكياج، والإكسسوارات.. في أحد المشاهد، تتحرك الكاميرا من فتاةٍ تحتسي الشاي، وتطرب بأغاني صادرة من مذياع قديم إلى أخرى مستلقية في سرير، وتكشف عن ظهرها العاري، هنا، تختلط نشوة الطرب بمسحةٍ شهوانية، وتبدو مثل لقطاتٍ استحضرتها من أفلام مصرية قديمة، تعيش فيها الشخصية الرئيسية عذابات الحب، والفراق، قصة رومانسية متخيلة فيها كلّ العناصر الدرامية المُشوّقة، والشبقيّة.

تلتفّ الفتاة عارية بغطاءٍ أبيض، وتستمر الكاميرا في حركتها البانورامية حتى تظهر الأولى أمام المرآة تسرحُ شعرها بحساسيةٍ بالغة.

وكما المطربة ‘وداد’ الحاضرة في ذهني / والصورة بصيغة المُضارع تتذكرُ الماضي البعيد، والقريب، تُطعم ‘شيرين’ فيلمها بما لديها من الوثائق السمعية / البصرية، الأغاني، الصور الفوتوغرافية، أسلوب السينما الصامتة، الرسوم، والدُمى المُتحركة، واللقطات الاعتراضية المُختلفة،…. وتمزج بين الأزمنة، التسجيليّ، والمُتخيل، الحياة مع الموت المُفاجئ، التقليدي مع الحداثيّ، الشخصي مع العام،.. تتداخل الألوان مع الأبيض، والأسود، تتشابك المدن، باريس، بيروت، القاهرة، عمان، وتتصالح المقاسات المُختلفة للتصوير (سوبر 8 مللي، 16 مللي، فيديو هواة) ….. تخلط ‘شيرين’ صور المدن. لم يعد الفيلم يدور في مدينةٍ محددة حقيقية، أصبح المكان متخيلاً كما كلّ الشخصيات النسائية الأخرى، ما عدا ‘وداد’ التي نراها بتقتيرٍ شديد. مزج اللقطات فوق بعضها، ينزعُ عنها واقعيتها، ويُدخلها في عالم الخيال، والأحلام، حتى المشهد الواحد لا يسلم من شغفها باللعب، وإعادة التدوير، فإذا كان بالألوان، يتحول بقدرةٍ ‘رقمية’ إلى الأبيض، والأسود، مع الاحتفاظ بألوان بعض عناصر الصورة، وإذا كانت اللقطات تسجيلية صرفة، تتحول إلى صور تحريكية.

لا تلتزم أبداً بتعاليم أكاديمية و Le Fresnoy ‘الأستوديو الوطني للفنون المُعاصرة’ (المدرسة التي تعلمت فيها أبعد ما تكون عن التدريس الأكاديميّ المُحنط)، وفي كلّ لحظةٍ من الفيلم، تلجأ إلى جماليات السينما التجريبية، تستعينُ بها، وتتجرأ على تحطيم أيّ قاعدةٍ سردية، أو سينمائية: قطع مونتاجيّ مُفاجئ، تكرار اللقطات، تنويعات في نسيج الصورة،.. ولا تستحي من طغيان الحبيبات فوق سطحها، تأثيرات تُحدثها الصورة المُلتقطة بكاميرا سوبر 8، أو فيديو هواة تمّ تحويلها إلى مقاساتٍ أعلى، وأفضل، تُحيلنا إلى الرسم التنقيطيّ.

وكما يتأرجحُ الفيلم بين التسجيليّ، والتمثيليّ، تظهر ‘شيرين’ كمخرجةٍ أولاً خلف الكاميرا حاضرةً روحاً، وأيضاً عن طريق بعض عناصر التصوير (إظهار الكلاكيت مثلاً في إحدى اللقطات)، وجسداً كممثلةٍ لإحدى الشخصيات النسائية المُتخيّلة، رُبما كي تُبعدنا قليلاً عن حالة النشوة التي تُصيب المتفرج خلال المُشاهدة، وسماع الأغاني.

ولكن، في فيلمٍ كهذا، ومهما تحايلت لإظهار بعض ملامح تغريبيّة بريختية لا تحتاجها أصلاً، لن يكون المُتفرج أكثر صموداً من الكاميرا نفسها، أو واجهات المباني التي تصورها في مدنٍ مختلفة، وبقدرة حركتها البانورامية إلى اليمين، والشمال، وبالعكس، وبوهم قطع مونتاجيّ لا يحترم ‘الراكور'(شيرين لا تفعل ذلك جهلاً، أو سذاجة)، نتخيل الكاميرا، والمباني تتمايل على إيقاع الأغاني المُصاحبة، وهنا يتجسد دور المونتاج في صياغة الفيلم النهائية، ولا أعتقد بأن فكرة الرقص هذه قد خطرت على بالها أثناء الكتابة، أو التصوير، ولكنها فرضت تأثيراتها تحديداً خلال المونتاج، المرحلة الأصعب، والأهمّ في حالة أفلام ‘مُغامرة’ كهذه تعتمدُ على السرد المُتشظيّ، أو حتى من دونه تماماً، وتحوّل الفيلم إلى حالةٍ شعرية سينمائية.

ويتضحُ نهم ‘شيرين’ أمام طاولة الطعام المليئة بكلّ المُشهيات (أقصدُ جهاز المونتاج)، تريد أن تتذوّق من كلّ صنف، فتتذكر إحدى استخدامات السينما الصامتة في الانتقال من لقطةٍ إلى أخرى عن طريق حدقةٍ تتوّسعُ، وتنغلقُ تدريجياً.’لحظة أيها المجد’ فيلمٌ جادّ ٌ إلى أبعد حدّ، تتوّجب مشاهدته بانتباهٍ في صالة عرض، وخفيفٌ إلى أبعد حدّ يمكن أن يشاهده متفرجٌ آخر في منزله، ويتذكر عشقاً هارباً.

إنها جلسة طربٍ تدعمها تلك اللقطات الاعتراضية التي نشاهد فيها قشور حبات عين الشمس تتساقط على طاولة صغيرة، وكأس نبيذ أبيض في شمال الصورة.

تنطلقُ الموسيقى من داخل الحدث نفسه، حيث في بعض اللقطات تستمعُ ‘وداد’ إلى أغانيها عن طريق جهاز تسجيل استخدمته المخرجة خلال التصوير، كما تُزين شريط الصوت بأغان ٍ مضافة مونتاجياً. يتكوّن التعليق المُقتضب من ذكريات ‘وداد’، ويمتدُّ شريط الصوت كحبل سريّ يربط المشاهد، واللقطات فيما بينها.

بإظهار صور فوتوغرافية خاصة بالمخرجة، يبدو أنها محاولة بالتماهي مع الشخصية في الفيلم، المطربة ‘وداد’. تُذكرنا ‘شيرين’ دائماً بأنها تُنجز فيلماً، يختلط فيه الواقع بالخيال، وهكذا، في أحد المشاهد المُتخيلة، وبعد جولة عاشقة، تثبتُ الصورة عند لقاء الحبيبين بين جدران غرفٍ متداخلة، وهما يتطلعان إلى الكاميرا.

يقدم البناء السينمائي مفهوماً مختلفاً عن المعنى التقنيّ للمشهد لصالح اللقطة / المشهد، حيث تتداخل اللقطات فوق بعضها إلى درجة تصبح وحدة المكان، والزمان دلالية، وخيالية.

شيرين تقدم ‘وداد’ بحياءٍ، لا تريد أن تبقى صورتها الأخيرة مستلقيةً في فراشها ذكرى أخيرة تنطبعُ في أذهاننا، وتفضل أن يتردد شجن صوتها في أعماقنا.

في الدقائق الأخيرة من الفيلم، ومن حياة ‘وداد’، يظهر وجهها من جديدٍ في لقطةٍ كبيرة جداً، تستمعُ إلى أغنيةٍ بانفعال، وشوقٍ تُصيبنا حرقته. في فتراتٍ متقطعة، كانت ‘وداد’ تُعبّر عن طربها، وتهزّ رأسها نشوة.

وبدوري، سوف أستعيرُ كلماتها، وأقول معها: ـ يا عيني، الله أكبر،… ، وأهزّ رأسي إعجاباً بفيلم ‘لحظة أيها المجد’. فيلم طازجٌ، أنثويٌّ، جذابٌ، مُغو ٍ، ومُغر.

ـ لقراءة المزيد عن الفيلم ‘لحظةٌ أيها المجد، وداد… صوتٌ آتٍ من خزائن الذاكرة’، موقع الجزيرة الوثائقية، بتاريخ 27 تشرين الاول (أكتوبر) 2010.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية