طالباني في دمشق.. إهانة لسورية واستفزاز للعرب
هارون محمدطالباني في دمشق.. إهانة لسورية واستفزاز للعرببأي وجه سيذهب جلال طالباني الي دمشق في زيارة رسمية لها خلال الايام القليلة المقبلة، وهو الذي انكر جميلها عليه، وشن عليها هجمات لم تتوقف ووجه اليها اتهامات لم تنقطع، وما زال يحرض عليها ويتمني سقوطها بيد الغزاة، حتي يشفي غليله المتراكم واحقاده الدفينة والعلنية علي العروبة والعرب، وبأي عين سيقابل المسؤولين فيها وهو الذي شتمهم بوقاحة ونسب اليهم افعالاً واعمالاً كانت من وحي أسياده الامريكان الذين نسجوا قصصاً وفبركوا أحداثاً للإيقاع بسورية وضربها كما ضربوا العراق بحجج وذرائع كاذبة. ومن المحزن ان تستقبل سورية هذا الرجل في عاصمتها دمشق قلعة العروبة، وهو الذي بات يكره العروبة ويعتبرها استعماراً تارة، وقومية عدوانية تارة اخري، رغم ان القوميين العرب والناصريين في العراق وسورية ومصر ولبنان والجزائر، هم الذين دفعوه الي الواجهة وعرفوه علي القادة والرؤساء العرب، وهيئوا له حضور المؤتمرات والاجتماعات العربية، وكان هو نفسه يعترف بذلك الي خمس سنوات مضت، ويفتخر بان اغلب اصدقائه السياسيين هم من القوميين والناصريين واكثر من السياسيين الاكراد، وظل الي سنوات أربع يردد: لولا سورية لما امكن تأسيس الاتحاد الوطني، ولولا ليبيا لما تمكنت قيادات الاتحاد ان تعيش في دمشق وبيروت وتتنقل بين عواصم اوربا بتذاكر السفر الدرجة الاولي وتعقد الاجتماعات والندوات وتصدر النشرات والبيانات وتحمل جوازات سفر سورية صحيحة، ولكنه عقب احتلال العراق مباشرة لحس اعترافاته وتصريحاته هذه فجأة، وتحول الي مهاجم شرس ضد كل شيء عربي سواء كان شخصاً او زعيماً او مكاناً او مدينة او دولة، وقد حدثني احد رفاقنا الحركيين القدامي، وهو شخصية عمالية بارزة، يرتبط مع جلال بعلاقات صداقة وصلات سياسية منذ منتصف الستينات، انه زار طالباني بدعوة منه عندما جاء الي بغداد واتخذها مقراً له في أوائل ايار (مايو) 2003، وبعد ان رحب به بحرارة وفاصل من القبلات كعادته، راح يستعيد ذكرياته البغدادية واصدقاءه العرب السابقين، وفجأة قال لضيفه العربي بطريقة فجة: (والله زين انني اجلس معكم انتم القوميون العرب بعد الذي عملتوه معنا)، ودهش الضيف من هذا الكلام ولكنه ضبط اعصابه ورد عليه: نحن عملنا لكم كأكراد ولك شخصياً كل خير.. وإذا كنت تنسي او تتناسي دعني أذكرك بالاحداث والتواريخ والوقائع والشهود. وأحرج جلال الذي أدار الحديث نحو قضايا أخري، فاضطر الضيف الي تركه وغادر مقره غاضباً. لقد امضي جلال طالباني مع رفاقه المنشقين عن حركة الملا مصطفي خمس سنوات في بغداد (1966-1970) كانوا فيها ضيوفاً علي الحكومات العراقية المتعاقبة ابتداء من حكومة اللواء ناجي طالب وبعدها حكومة الرئيس عبدالرحمن عارف وحكومة الفريق المرحوم طاهر يحيي وانتهاء بحكومة حزب البعث عقب 17-30 تموز (يوليو) 1968، وكان مرشحه في الحكومة الاخيرة السيد طه محي الدين معروف الذي اكتشف الاعيب جلال مبكراً فتركه لينضم الي العراق بدلاً من حزب يرتزق، وخلال تلك السنوات كان طالباني ومجموعته يتلقون الرواتب الشهرية والمكافآت المالية ويسكنون افخم البيوت ويستخدمون احدث السيارات علي حساب الحكومات العراقية، ومن المفارقات المحزنة ان الضابط التميمي الذي كان يصرف لجلال وجماعته رواتبهم الشهرية وهو برتبة (رائد) في مديرية الاستخبارات العسكرية في اعوام 1966-1969 هرب من العراق عقب الاحتلال، بعد ان اكتشف ان محازبي طالباني يسألون عنه في حي الضباط (اليرموك) ويجمعون معلومات عن بيته وزملائه وجيرانه لالقاء القبض عليه واعتقاله، لان طالباني كما يبدو لا ينسي له مواقف سابقة تتعلق بتعاملاته مع الاستخبارات والتقارير التي كان يقدمها اليها عن خصومه الاكراد، والرائد التميمي يومذاك ضابط الارتباط معه ويحتفظ بالكثير من الاضابير والملفات عنه. وإذا كان جلال قد انقلب علي من ساعده ووقف معه في العراق، فانه ظل رجلاً بلا وفاء حتي مع السوريين والمصريين والليبيين الذين أعانوه في محنته خلال النصف الاول من عقد السبعينات، ويستذكر طالباني تلك السنوات في أحاديثه الي مجلة (الوسط) اللندنية انه بعث برسالة الي الملا مصطفي وكان في طهران عقب انهيار حركته التمردية يدعوه الي استئناف العصيان ضد الحكومة المركزية ويبلغه ان السوفييت اعلموه عبر بريماكوف وهو وقتئذ مدير مكتب وكالة نوفوستي في بيروت سيقدمون الدعم اللازم له، ويضيف جلال ان الملا أخبر مبعوثه حامل الرسالة (عد من حيث أتيت.. هل يريد طالباني ان يشعل الثورة من جديد إذا كنت عاجزا عن القيام بها؟). ومع الاسف فان السلطات السورية في ذلك الوقت، دعت جلال الي دمشق وهو الذي كان يتنقل بين السفارات السوفييتية والبريطانية والفرنسية والامريكية بحثاً عن دعم سياسي ومالي له، تاركاً اسرته في القاهرة برعاية المناضل القومي عبدالله الركابي والأستاذ محمد حسنين هيكل، فلم يجد من تلك السفارات الاجنية غير الوعود الواهية، ولكن دمشق هيأت له مقهي طليطلة في حي ابو رمانة ليعقد اجتماعاً مع ثلاثة من رفاقه فؤاد معصوم وعادل مراد وعبدالرزاق ميرزا، والاخيران من الاكراد الفيلية، ليعلن الاربعة في الثاني والعشرين من ايار (مايو) 1975 عن تأسيس حزب الاتحاد الوطني الكردي، ويصدر بياناً تلقفته صحيفتا (الثورة وتشرين) الحكوميتان اللتان نشرتا البيان بعد ان اضفتا عليه عبارات المبالغة والتضخيم مشيرة الي ان البيان وقع عليه المئات من الشخصيات الكردية رغم ان المجتمعين كانوا اربعة لا غير، وبعد ذلك وفرت السلطات السورية لجلال مستلزمات السفر الي اورو با للقاء الاكراد اللاجئين او الدارسين فيها وضمهم الي حزبه، فلم ينجح الا في كسب اثنين فقط الي تنظيمه، وهما أنوشيروان مصطفي الطالب في فيينا، وكمال فؤاد الطالب في برلين، وشكل من الستة أول لجنة قيادية لحزب الاتحاد، وفيما بعد اضاف لهم كردياً سوريةً اسمه عمر شيخ موس يعيــش في السويد. وسهلت الاجهزة السورية لجلال طالباني التوجه الي العاصمة البريطانية بجواز سفر دبلوماسي سوري حيث عقد اجتماعاً مع خمسين كردياً بين طالب ولاجئ في لندن بتاريخ العشرين من آب (اغسطس) 1975، ويبدو ان المخابرات العراقية كانت علي علم مسبق بقدوم طالباني واجتماعه، وتمكنت من اختراق اجتماعه وتسجيل نصه بالكامل، وارسلت اليه علي عنوانه الدمشقي نسخة منه هدية للعلم والإطلاع! ويتندر اللاجئون العراقيون في سورية بحكاية وفد من (جوقد) الجبهة الوطنية والقومية والديمقراطية العراقية التي انشأتها المخابرات السورية من تنظيمات واحزاب معارضة لبغداد، سافر الي ليبيا بطائرة صغيرة من نوع (كرافيل) فرنسية الصنع، مخصصة لوزير الخارجية السوري الاسبق عبدالحليم خدام، وبعد اختتام زيارة الوفد الذي ضم عبدالجبار الكبيسي عضو قيادة حزب البعث-الجناح السوري، وجلال طالباني وآخرين من ضمنهم الشيخ المرحوم حسن النهر، وهو رجل كبير السن، فزع عندما لاحظ ان الطائرة التي ستعود بهم الي دمشق قد بدأت تهتز وهي ما تزال علي الارض من ثقل الاكياس الكثيرة وفيها الدنانير الليبيبة، ولأنه جديد علي الطيران في ذلك الوقت، فقد اقترح ان تحمل الطائرة نصف الاموال في سفرتها هذه، وتعود الي ليبيا في رحلة اخري لحمل النصف المتبقي، فرد عليه جلال حانقاً:(هي سلعة يو بضاعة حتي تنقل علي دفعتين.. هاذي فلوس بابا.. ملايين) ولكن الشيخ بعفويته المفرطة قال: انا اخشي علي الطائرة من حملها الثقيل، وقد تضطرون الي رمي بعض الاكياس منها عند حدوث خطر عليها في الجو، فرد عليه طالباني ساخراً: والله يا ابو شامل.. لو حدث شيء من هذا القبيل، سأرميك انت من الطائرة. وسكت الشيخ النهر علي مضض. والحكايات كثيرة عن دعم الدول العربية لجلال طالباني وحزبه العتيد، ولم تعد هناك اسرار وخفايا، ولكن هذا الرجل قابل المعروف العربي بالأذي للعرب، واستغل الفضل العربي عليه بكره العرب والتحريض عليهم، ومن المعيب ان تستقبل دمشق او غيرها من العواصم العربية هذا (الكردي التائه) كما اسمته الزميلة (السفير) اللبنانية في معرض تعليقها علي الحاحه بالتقاط صورة تذكارية مع الصهيوني شيمون بيريز خلال احدي اجتماعات (الاشتراكية الدولية) في روما منتصف التسعينات، وقالت عنه انه يتلون حسب الفصول والمواسم، فهو يصير بعثياً ويزايد علي صدام حسين وحافظ الاسد، ويتحول الي ناصري اكثر من جمال عبدالناصر، ويصبح شيعياً ويناطح الخميني في شيعيته، ويكون صهيونياً وينافس بيريز في صهيونيته. طالباني في دمشق.. إهانة لها واستفزاز لمشاعر العرب جميعاً، وحرام والله حرام ان يطأ أرضها وشوارعها وفنادقها ومؤسساتها، هذا الذي لا يخجل ولا يستحي ويسب العرب ودولهم وشعوبهم واحزابهم وشخصياتهم وحكوماتهم بأقذع الشتائم الرخيصة التي تدلل علي معدنه الصافي جداً جداً.9