رأي القدس بدأت القوات الامريكية انسحابها من افغانستان الذي وعد به الرئيس باراك اوباما قبل اسبوعين على ان يكتمل بعد عامين من الآن، ولكن متاعب الادارة الامريكية تزداد صعوبة بسبب زيادة الهجمات التي تشنها حركة طالبان ضد قوات الناتو، وتصاعد عمليات الاغتيال التي تستهدف كبار المسؤولين المقربين من الرئيس الافغاني حميد كرزاي.
الانسحاب الامريكي من افغانستان ليس دليل انتصار وانما هو تسليم واضح بالهزيمة، فالانتصار يعني اكمال المهمة التي جاءت هذه القوات من اجل تحقيقها، اي نشر الديمقراطية، واقامة نظام قوي، وحكومة رشيدة تسيطر على كافة انحاء البلاد عسكريا وامنيا، وهذه الاشياء لم تتحقق سواء منفردة او مجتمعة في افغانستان حاليا، ومن الصعب القول انها ستتحقق في غضون العامين المقبلين.
حركة طالبان تسيطر حاليا على اكثر من ثلثي الاراضي الافغانية سيطرة تامة، وتهدد ما تبقى من اراض خاضعة لسيطرة حكومة كرزاي بشن هجمات شرسة على قواتها وقواعدها ومؤسساتها المدنية والعسكرية على حد سواء.
ولعل الضربة الاكبر التي وجهتها الحركة لهذه الحكومة هي نجاحها في اغتيال احمد والي مسعود شقيق الرئيس الافغاني، واكثر الشخصيات قوة في افغانستان، وبعده بايام اقتناص السيد يان محمد خان ابرز مستشاري الرئيس الافغاني في منزله وسط كابول العاصمة.
احمد والي شاه شقيق الرئيس الافغاني الذي لم تكتف حركة طالبان باغتياله فقط وانما بتفجير جنازته ومقتل امام المسجد الذي قاد الصلاة على جثمانه، كان احد اهم القيادات الافغانية التي يرتكز عليها مشروع الاحتلال الامريكي لافغانستان، ونجاح المجاهدين في الوصول اليه واغتياله عبر حارسه الشخصي هو دليل على انهم قادرون على الوصول الى اي مسؤول آخر، بمن في ذلك الرئيس الافغاني كرزاي نفسه اذا أرادوا ذلك.
المشروع الامريكي في افغانستان يتفكك وبسرعة قياسية بعد عشر سنوات من الاحتلال. واعلان الرئيس اوباما الانسحاب هو اكبر ضربة توجه له، فكيف يمكن ان يقاتل الافغان الموالون له حركة طالبان بشراسة وايمان اذا كانوا يعلمون مسبقا ان قوات حلف الناتو التي يعملون تحت لوائها ستهرب من البلاد وتتركهم يواجهون مصيرهم كخونة ومتعاونين مع محتل بلادهم؟
وربما يجادل مسؤولون امريكيون بان قواتهم انجزت مهمتها في افغانستان بعد قتل زعيم تنظيم القاعدة، ومعظم انصاره في البلاد، على اساس ان الاحتلال جاء لمحاربة ارهاب هذا التنظيم، ولكن هذا الجدل مردود عليهم بان مقتل زعيم تنظيم القاعدة ما زال يلفه الغموض. وقد تكون وفاته تمت قبل اشهر او سنوات، من تنفيذ العملية السينمائية التي اعلنت القوات الامريكية عن تنفيذها في ابوت اباد قرب العاصمة الباكستانية.
احتلال افغانستان للاطاحة بحكم نظام حركة طالبان، والقضاء على تنظيم ‘القاعدة’ كرد على هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) ثبت فشله، والملاحظ ان ايا من الهدفين لم يتحقق، فتنظيم ‘القاعدة’ ازداد قوة وفتح فروعا في عدة دول ابرزها اليمن والعراق وشمال افريقيا والصومال، اما حركة طالبان فقد اثبتت انها القوة الاعظم في افغانستان الامر الذي دفع الحكومة الامريكية للتفاوض معها لتسليمها الحكم في البلاد.
انها مفارقة عجيبة.. الامريكان خسروا مئات المليارات وآلاف الجنود للاطاحة بنظام طالبان، والآن وبعد عشر سنوات من الاطاحة يتفاوضون لاعادتها الى سدة الحكم؟