في شباط 2018 كان يبدو أن يفغيني بريغوجين فقد مكانته وقوته في بلاط بوتين. الجيش الخاص الذي يتشكل من المرتزقة الذين مولتهم، حسب التقارير الغربية، الأوليغاركية الروسية، بدأ في حينه بمهاجمة مواقع المليشيات الكردية في دير الزور شمالي سوريا. حاول المرتزقة السيطرة على آبار النفط التي احتلها الأكراد هناك، بمساعدة الولايات المتحدة، من أيدي داعش.
على مدى أربع ساعات جرت معركة شديدة بين القوات، وتدخل في نهايتها سلاح الجو الأمريكي. اسحب المهاجمون الروس بعد أن تكبدوا 300 – 500 قتيل، كان هذا هو التصادم المباشر الأول بين قوات روسية وأمريكية منذ حرب فيتنام. ولكن إضافة إلى هذه السابقة التاريخية، وضعت الولايات المتحد خطاً أحمر لا يسمح لروسيا أو أي قوة أخرى باختراقه والمس بمصالحها ومصالح حلفائها.
حسب تقارير روسية، أمر بوتين في أعقاب المعركة بتقليص التدخل في سوريا لـ “مجموعة فاغنر”، جيش المرتزقة، وسمح لتنظيمات أخرى بالعمل على الأرض. ولكن “مجموعة فاغنر” عادت إلى الحياة في أماكن أخرى في العالم، لا سيما إفريقيا وأمريكا الجنوبية، والآن في ليبيا.
بريغوجن، من مواليد لننغراد، اعتقل في عهد الحكم الشيوعي مدة سبع سنوات بتهمة سطو مسلح وجرائم أخرى، بدأ حياته المهنية كبائع ناجح للسجق ثم فتح مطعماً فاخراً. في العام 2001 استضاف في مطعمه رئيس روسيا الجديد بوتين ورئيس حكومة اليابان يوشيرو موري. هذه العلاقة التي توجت بريغوجن بلقب “شيف بوتين” تعمقت. فمعه زادت الأموال التي تدفقت إلى جيب بريغوجن.
شركة التموين التي افتتحها حصلت على عقود لتوفير الغذاء وإقامة حفلات الكرملن، وحظي أيضاً بتنظيم احتفال يوم ميلاد بوتين في 2003. بعد ذلك فاز في مناقصات لتوفير الغذاء للمدارس والجيش. من هناك كان الطريق قصيراً لإقامة مجموعة فاغنر التي تحولت إلى جيش من المرتزقة يضم آلاف المقاتلين وقوات مدرعة وطائرات.
تحقيقات المحقق الأمريكي الخاص في قضية تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية في العام 2016 تدل على أن مجموعة فاغنر عملت أيضاً في نشاطات سايبر متشعبة. وقد فرض عقوبات على رؤسائها. روسيا تنفي أي صلة بمجموعة فاغنر، وأعلن بريغوجن أنه ليس صاحبها أو ممولها. ولكن الوثائق تدل على خلاف ذلك.
مؤخراً، ظهرت درجة تورط المجموعة في ليبيا، التي فيها تعمل إلى جانب الجنرال خليفة حفتر الحامل لقب “قائد الجيش الوطني”. حفتر يطمح إلى الإمساك بالسلطة وطرد الحكومة المعترف بها ورئيسها فايز السراج.
أصبحت ليبيا هدفاً آخر في حملة الاحتلالات السياسية والعسكرية التي تقودها روسيا في الشرق الأوسط وإفريقيا، وتشمل عقوداً لتزويد الطائرات، ومحطة كهرباء نووية لمصر، واتفاقات ضخ نفط لتركيا ومنها إلى أوروبا، ومساعدة لنظام مادورو في فنزويلا بواسطة شركة “روسن نفط” الروسية التي تخرق العقوبات الأمريكية على فنزويلا، وعقوداً لتزويد السلاح لأكثر من 20 دولة في إفريقيا التي في بعضها مثل موزمبيق، مثلاً، تعمل مجموعة فاغنر ضد قوات المتمردين والمتآمرين. الاستراتيجية الروسية ليست التمركز في هذه الدول وفي المناطق التي قررت أمريكا الانسحاب منها مثل سوريا فحسب، بل محاولة لصد التوسع الصيني الذي يخلق اعتماداً سياسياً واقتصادياً على بكين.
تدخّل روسيا في ليبيا يستند إلى نفس الأسس التي تستخدمها في سوريا أو إفريقيا. هذه دولة غنية بالنفط لا تنجح في تجسيد الإمكانيات الكامنة فيها لاستخراج النفط بسبب وضعها الأمني والسياسي غير المستقر. وتبحث عن سيد دولي يوافق على أن يساعد في إعادة إعمارها مقابل عطاءات مربحة.
الولايات المتحدة سحبت أقدامها منذ فترة من ليبيا، التي تظهر في قائمة الدول التي يسميها ترامب “دول خربة” أو دول “لا يوجد فيها أي شيء عدا الرمال”، كما وصف سوريا ذات مرة. مكان الولايات المتحدة في دور الوسيط في النزاع السياسي والعسكري الذي يجري منذ خمس سنوات أخذته الأمم المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، بالأساس فرنسا وإيطاليا، لكن ليس للجهد الدبلوماسي الكثير مما يتفاخر به.
في تموز 2017 جمع رئيس فرنسا ماكرون الجنرال حفتر مع خصمه رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، ووافق الاثنان على وقف إطلاق النار الذي تحطم خلال فترة قصيرة. في أيار 2018 اجتمع الطرفان مرة أخرى في فرنسا وتباحثا في إمكانية إجراء انتخابات. إيطاليا بادرت إلى عقد لقاءين في تشرين الثاني 2018 وشباط 2019 وأثارت بذلك غضب فرنسا التي رأت في المبادرة الإيطالية تقويضاً لجهودها ومحاولة لجني مكاسب اقتصادية وسياسية لنفسها يتوقع أن تأتي مع الاتفاقات إذا تم التوقيع عليها. حتى الآن لم يثمر أي من هذه اللقاءات أي نتائج. والآن يخطط مبعوث الأمم المتحدة، غسان سلامة، لعقد لقاء آخر في كانون الثاني القادم.
في نيسان الماضي، شن حفتر الذي يترأس مجموعة مليشيا “جيش ليبيا الوطني”، معركة لاحتلال العاصمة طرابلس بدعم من مصر ودولة الإمارات. ومؤخراً أيضاً بأيدي المرتزقة الروس. وبهذا، حول ليبيا إلى دولة تجري فيها حرب لمبعوثين: قطر وتركيا من جهة، ومصر والإمارات من الجهة الأخرى.
أما روسيا فترقص في الحفلين، فقد التقى الرئيس بوتين رئيس المجلس الرئاسي السراج، وبهذا –ظاهرياً- وضع نفسه إلى جانب الحكومة المعترف بها، لكنه أيضاً تحدث بحرارة مع وزير خارجية حكومة بنغازي، عبد الهادي الحويج، وأظهر بذلك دعمه لحفتر الذي يزور بين فينة وأخرى موسكو ويحصل على المساعدة من مرتزقة مجموعة فاغنر. لروسيا تفسير مهم للازدواجية في هذه العلاقة. في ليبيا الآن حكومتان، الحكومة المعترف بها من المجتمع الدولي والتي تشكلت في أعقاب اتفاق وقع في 2015 في مدينة السخيرات في المغرب، ويترأسها مجلس رئاسي مسؤول عن الحكومة، وعلى رأس المؤسستين يقف السراج. هذه الحكومة حصلت في البداية على اعتراف مجلس النواب الليبي الذي مقره في مدينة طبرق في شرق الدولة، وفي هذه المحافظة توجد الحكومة الثانية التي لا تعترف بحكومة السراج، وتمنح الرعاية للجنرال حفتر. بعد ذلك سحب مجلس النواب دعمه واعترافه بالحكومة، وهو الآن يؤيد حفتر.
وعندما يلتقي بوتين مع السراج، فهذا يشكل لقاء مع رئيس حكومة معترف به. وعندما يلتقي مع وزير خارجية حكومة طبرق فإنه يلتقي مع ممثل حكومة يعترف بها البرلمان. بالنسبة لروسيا.. ليس هناك مكان مريح للتأثير من التقسيم غير الممكن هذا إلى نقطتي حكم. وعندما تمد روسيا أذرعها لليبيا فإن واشنطن تستيقظ وهي التي كانت حتى الآن في سبات عميق.
ممثلو الإدارة الأمريكية التقوا حفتر وطلبوا منه وقف محاولة سيطرته على طرابلس والتوصل إلى تسوية مع حكومة السراج. وليس واضحاً ما يمكن للإدارة الأمريكية أن تعرضه على حفتر مقابل هذه الخطوة، فقواته أقوى من قوات النظام الليبي، ويحصل على دعم من روسيا. صحيح أن الكونغرس، في موازاة جهود الإقناع الأمريكية، يقوم بوضع سلسلة من العقوبات ضد مقاتلي مجموعة فاغنر، والإدارة الأمريكية في هذه الأثناء تناقش خطة لمساعدة حكومة السراج.. ولكن ثمة شكوك في نجاح هذه الخطوات في تغيير مكانة حفتر أو تقليص الوجود الروسي.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 6/12/2019