طبخة الديمقراطية.. بمواصفات من؟

حجم الخط
1

مصطلح الديمقراطية البديلة هو مدخلنا لنضع أيدينا على الجرح ونبين توصيفة العلاج الإفتراضي لشفاء مجتمعاتنا من داء الديكتاتورية.. هذا العلاج إقتضاه الحال المزري الذي تعيشه شعوب العالم عموماً وشعوب المنطقة العربية خاصة.. مما ينبئ بأننا لازلنا نعيش عصر ماقبل الديمقراطية.. ولعل دخولنا مخاض رفض الديكتاتورية إشارة واضحة على صحة قراءتنا.. ودليل على وقوف الشعوب على خط نقطة الإنطلاقة لإستكمال مشوار تنزيل عناصر الديمقراطية المفرغة من وعاء الممارسة والذي جعل منها مجرد لباس صنع ليواري سوءة الديكتاتورية المقنعة بداخلها.. النظام الليبي الديكتاتوري هو مثال حي لدرامة الديمقراطية الزائفة المصنعة كواجهة وغطاء لكيان الديكتاتورية.. والغريب في الأمر أن هذا النظام بعكس الأنظمة الأخرى كان يحمل بداخله بذرة العلاج السحري للديكتاتورية (أي بذرة الفناء).. لكن القزافي لم يسمح لهذه البذرة أن تنمو لتصبح كيان ديمقراطي كي لا تعجل بسقوطه.. بل جعل مشروع سلطة الشعب قيد التنفيذ ومجرد شعار لمدة 40 سنة.. واكتفى بأن يظهر شخصه في نظر العالم الممثل الوحيد لحلم السلطة الشعبية وسعى لأن يكون زعيم للوحدة العربية تارة والإفريقية تارة… كل ذلك من أجل توسيع أرضية الزعامة لتشمل المزيد من البلدان العربية والإفريقية والعالمية ليس لشئ سوى إرضاءاً لطموحة وإشباعاً لغروره.. وهو مثال حي لطموح وغرور كل الشخصيات الديكتاتورية المعاصرة ونموزج لطريقة تفكيرها.. ولعل النظام الديمقراطي الذي لفت النظر إليه يمثل قفزة حقيقية في إطار هندسة البناء الديمقراطي لو تم تجريده من الأجندة السياسية الخادمة لغير الشعب.

ذلك ان فكرة سلطة الشعب منبتها إنساني وتصلح أن تكون مشروع حضاري عربي.. بعد مراجعة وتعديل نمط التخطيط والرسم الهندسي لعناصر البناء التنظيمي لدولة الشعب بما يضمن تحقق الشروط الموضوعية لتطبيق الديمقراطية بصورة علمية على ارض الواقع ومن خلال آليات تنظيمية وقانونية فاعلة تعمل على جعل العناصر الأساسية الثلاثة (الحرية والكرامة والفضيلة) أساس معادلة الحكم الديمقراطية.. تصحيح المعادلة التنظيمية: أصبح عرفا أن نشهد المعادلة التنظيمية للدولة تتشكل من دمج عناصر المعادلة السيادية والسياسية دون تقنين إطار علمي يحدد مهام كل منها.. وبتعبير آخر نشهد في هذا العصر أن الحكومة المكلفة بممارسة الوظيفة السياسية كأهم شرط من شروط إنتخابها قد أضافت الى مهامها الوظيفة السيادية تحت مبرر خلو الإرادة الشعبية من القدرات المهنية.. وهو مبرر مضى على سقوط شعاراته وفراغ مضمونه نصف قرن أو يزيد من الزمان، ولم يعد هناك ونحن نعيش عصر الربيع العربي مايدعمه خاصة أن الأجيال المؤهلة والمنتمية لقطاعات الشعب أصبحت على معرفة وخبرة دقيقة بتفاصيل الحكم تؤهلها للقيام بمهام الوظيفة السيادية المخصصة للشعب صاحب المؤسسة والمالك الحصري وصاحب الإمتياز.

وعليه ينكشف أمامنا وبكل وضوح حقيقة ان هذا المدخل التبريري للنخبة الحاكمة مثَّل النفق المظلم الذي تسللت عبره الديكتاتورية الى حياتنا السياسية.. ولإعادة البناء الديمقراطي الى وضعه التنظيمي الصحيح لا بد من فك الإرتباط بين الوظيفتين.. الوظيفة السيادية المخصصة لصاحب المؤسسة وبين الوظيفة السياسية المخصصة لموظفي الدولة إبتداء من الرئيس والوزير وحتى الغفير.. ذلك أن السيادة تعمل كقطب مستقل عن قطب السياسة ولا يلتقيان إلا عند مفتاح تشغيل المهام السيادية والسياسية أي البرلمان.. وهو نظام فرضته الطبيعة الهندسية للكون الذي حدد معيار تشكيل الطاقة الكهربية والبشرية في إطار دائرة تنظيمية لحركة الإلكترون السالب والموجب التي لا تلتقي إلا عند مفتاح التشغيل لتفجير طاقة العمل الكهربي (أي العمل السيادي والسياسي).. حيث يعتبر قطب السيادة هو القطب الموجب لدائرة التنظيم المؤسسي للدولة فيمارس الشعب من خلاله وظيفته كمؤسس.. بينما يعتبر قطب السياسة هو القطب السالب للدائرة حيث تمارس الحكومة من خلاله وظيفة خدمة الشعب وتلبية مطالبه ورغباته المعيشية والإنسانية.. ويعتبر البرلمان هو مفتاح تشغيل طاقة المهام السيادية والسياسية على السواء.. وبذلك يتحدد الشكل العلمي لبناء الدولة القائمة على مبدأ السيادة للشعب وليس العكس (السيادة للحكومة). عمر طه – إرتريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية