طبخة هندية مستعجلة: كيف تصبح خبيرا أمنيا؟
توفيق رباحيطبخة هندية مستعجلة: كيف تصبح خبيرا أمنيا؟بعيدا عن الجوانب الدموية للتفجيرات الارهابية بالجزائر الاربعاء الماضي، برزت مأساة اخري صنعها المحللون و الخبراء الذين كان علينا ان نتحمل صورهم ونستمع لاصواتهم في الفضائيات طيلة ذلك اليوم وبعده. قضيت ساعات باحثا عن خبر او صورة. لكن لسوء حظي لم يكن ذاك يوم اخبار، بل يوم هرطقة تسمي ظلما تحليلات. قضيتها متنقلا من قناة لاخري بمجرد ان اسمع معنا الان من.. اكتم علي انفاس المذيع او المذيعة حتي قبل ان تلفظ اسم سعيد الحظ. ورغم ذلك لم اجد ضالتي.كانت المأساة مأساتين، واحدة بسبب التفجيرات وفاجعتها واخري بسبب الفضائيات وحماقاتها.مضي اليوم كله علي وقع المضحك المبكي، هذا خبير في الشؤون الامنية، الاخر متابع للشؤون الامنية، هذا مختص في الشؤون الامنية، الاخر محلل امني ، هذا خبير في شؤون الجماعات الاسلامية ، الاخر متخصص في الجماعات الاسلامية .. الخ. حتي صفة كاتب و/او صحافي صغرت علي احجام هذه الفصائل من الناس (اثني علي الزميل فيصل مطاوي من صحيفة الوطن الذي تواضع وقبِل ان يُعرّف بصفته الحقيقية، صحافي وكاتب ولم ينتقص ذلك من مكانته في شيء)، كما صغرت علي الفضائيات التي تخشي من ان يقال انها تستضيف مجرد صحافيين بينما يستضيف منافسوها في السوق متحدثين توضع قبل اسمائهم القاب طنّانة.لا اقصد الجميع، لان بين المشاركين، كان حتما من تستمتع بكلامهم. ودعك من القدرة علي الاسترسال والكلام السلس والتعبير بادوات لغوية سليمة تعبّر عن الفكرة براحة. لكن عندما تستمع لمذيعة العربية تقدم لمشاهديها صحافيا مغمورا شوهد قبل ايام في طابور (يشرف عليه ملتح عصراني) يحاول الحصول علي وظيفة بصحيفة خليجية لم تصدر بعد، علي انه خبير امني وتخاطبه بتلك الصفة، وهو الذي أستبعد ان يكون رأي قنبلة يدوية في حياته.. عندما تستمع لها، فخيبة الامل من ضحكها علي ذكاء المشاهدين (وقد تكون هي ذاتها ضحية) لا تقل عن خيبة الامل التي خلفتها التفجيرات.ولما تستمع لـ خبير يحلل هذه التفجيرات بالقول انها رد علي الحصار الذي تضربه قوات الامن علي الجماعة وانهاكها بجبال منطقة القبائل، لا يمكن الا ان تسأل هل فكّر هذا العبقري لحظة في ذكاء الناس الذين يبيعهم هذا الكلام؟ لانه اذا كانت الجماعة محاصَرة ومنهكة وتستطيع ارتكاب هذه الافعال، فماذا ستفعل وهي طليقة اليدين وغير منهكة؟ اقل ما يمكن ان يقال، ان هذا كلام تردده الصحافة الجزائرية منذ منتصف التسعينات وعرّابه مهندس احزان وانكسارات الجزائريين، احمد اويحيي الذي يبيعنا اوهاما عن بقايا الارهاب منذ 1995. مذبحة في البويرة فيقال لنا ما تخافوش هي من فعل جماعة تحتضر لفك الحصار عن اتباعها في الشلف . عملية في الاغواط، فيقال لنا انها لفك الحصار عن الجماعة في البليدة، وهكذا. ثم تطورت اللغة منذ 1999 فاصبحنا نسمع عن المهلة الاخيرة، والفرصة الاخيرة، والهجوم الواسع بعد ساعات، وسيف الحجاج.. الخ.وعندما تستمع الي صبي اخر، يجزم بثقة الخبير مَن هم الواقفون وراء التفجيرات وماذا يريدون منها ويمضي في تحاليل مدوية، فانت تسأل بصدق ماذا اصاب عقول الناس؟وعندما تستمع لاحدهم يجزم بمعلومات عن مَن التقي مَن وقال ماذا لمن واين ومتي، لا تملك الا ان تسأل كيف تغفل اجهزة الامن هذا الخزّان الهائل من المعلومات وتتركه يسوّقها هذا في الفضائيات.يكشف هذا العبث مأساة وثمن غياب ادوات التقييم العلمي والفكري التي تضع كل في موقعه وحجمه، الصحافي صحافي والباحث باحث والخبير خبير، في منطقة بكاملها يسكنها 300 مليون انسان، بما فيها الجزائر.هذا الواقع يقودك لطرح سؤال اكبر: كيف تصبح خبيرا امنيا في الجزائر؟ الامر اشبه بطبخة هندية. هناك وصفات جاهزة هذه احداها: اكتب مقالا عن الحالة الامنية بالبلاد (لا يهم اي جنس صحافي يكون وليس ضروريا ان يكون دقيقا). تحتاج لقليل من الجرأة (قليل من قلة الحياء مفيد ايضا) كي ترسله الي العناوين الالكترونية لقاعات تحرير بعض المحطات. قليل من الحظ فيقتبس احد مراسلي وكالات الانباء المعتمدين بالبلاد من مقالك ويذكر اسمك. جرعة اخري من الحظ فيصادف ذلك برنامجا حول نفس الموضوع تكون قناة فضائية ما بصدد اعداده. ان تتصل تلك الفضائية بشخص يعرفك ولا يحمل لك غلا يجعله ينكر وجودك او يقفز علي الفرصة مكانك (او تتصل بآخر يمتنع لاسباب تخصه فيرشحك مكانه).اخلط كل شيء في قصعة، وهنيئا لك الصفة الجديدة: خبير، وتحتها اكثر من خط.اما اذا كان لديك خيط مع ادارة اجهزة الامن، لو بصفة مخبر، فحظوظك اكبر واوفر لانك ستتميز عن الخبراء الآخرين بمعرفة الاسماء: ابو الدحداح، ابو صهيب، ابو هريرة.. الخ.يكفي ان تصيب رميتك مرة واحدة لتضمن مكانتك بين صفوة القوم بقية الايام والاسابيع.قبل اشهر معدودة رنّ هاتفي الجوال. صوت نسائي في الطرف الاخر: استاذ توفيق رباحي؟ قلت ايوه نعم. قالت انا فلانة من القناة الفلانية. قلت تشرفنا يا اخت فلانة، فرصة سعيدة، كيف بامكاني ان اخدمك؟ قالت بدّنا اياك (كدت اقول وانا كمان بدّي اياك يا حلوة). قلت خير. قالت نحن نحضّر لبرنامج عن تأثير البرامج التلفزيونية التي بها عنف علي سلوك الاطفال. قلت لكن يا اخت انا آخر من ينفع لهذا الموضوع لانني لست مختصا في علم نفس الاطفال ولا في تحليل البرامج التلفزيونية. قالت معليش احنا بس بدّنا اياك تيجي تتكلم شوية. قلت لكن ليس لدي ما اقوله في الموضوع، ولن يكون ذلك منصفا بحقي وحقك وحق المشاهدين.اعلم مسبقا انه لا يهم ما سأقوله بالبرنامج بقدر ما يهم حضوري الجسدي، ولا تحتاج المسألة الا لربطة عنق وقليل من الجرأة والتمثيل، لكن بعد اخذ ورد اقنعتها بانني فعلا لا انفع فانصرفت. بقليل من الجرأة كان يمكن ان اُضاف الي قائمة الخبراء والمختصين، ويقيم اهل بلدتي واقاربي الولائم في بيت والدي تبركا بهذا الفتح المبين وتقربا بما انني اكون قد اصبحت مهمّاً.قبل اسابيع معدودة، جاءني اتصال مماثل من قناة في الخليج. آلو، استاذ توفيق؟ نعم، هو. انا فلان من القناة س. بدّنا نستضيفك لبرنامج من ساعة حول حركة الاصلاح والانشقاق علي رئيسها عبد الله جاب الله. قلت شكرا علي الاقتراح لكنني كنت منقطعا عن الاخبار ولا اعتقد انني ملم جيدا بما حدث (بصراحة انا لا منقطع ولا يحزنون انما قرفان ويائس من زفت السياسة والسياسيين في بلادي). قال: سيكون معنا فلان وفلان، والبرنامج مدته ساعة. يعني تلميح الي انه ليس مهما كثيرا ان تكون ملما او غير ملم لان اخرين سيغطون علي ضعفك.مرة اخري فوَّتُ علي نفسي فرصة لالتحق بقوافل المحللين والخبراء، وعلي اهلي بالجزائر مناسبة لتعزيز مكانتهم المعنوية في مجتمعهم الصغير. سامحني يا ابي!ہہہهذه امثلة ويمكنني ان اسوق منها العشرات تحدث باستمرار معي ومع اناس اعرفهم. لهذا السبب نصيحتي للناس البسطاء الذين يشاهدون البرامج السياسية هي ليس كل ما يلمع ذهبا، واياكم ان تصدّقوا الصفات والالقاب التي تقرأون تحت اسماء كثيرة ممن تشاهدون بالتلفزيونات. واياكم ان تعتقدوا ان مراكز الابحاث والدراسات التي تُذكر قرب اسمائهم موجودة في بنايات فخمة تتوسط قلب العواصم الكبري. والاهم، لا تصدّقوا كلامهم. حاربوهم، ولو بأضعف الايمان: تغيير المحطة. اعود الي حيث بدأت. في نهاية يوم الاربعاء، عندما تستجيب لفضولك بوضع جرد لمن طُلبوا لتقديم الخبرة السياسية و التحليل الامني في الفضائيات ذلك اليوم، تجد ان اغلبيتهم الساحقة ـ لصدفة ما ـ تنتمي، بشكل او بآخر، الي الملتحين الجدد، حتي خشيت من ان تكون الجزائر نجت من لحية عباسي مدني وعلي بلحاج لتقع اسيرة لحي اخري. تشعر انه اخطبوط مدّ اذرعه الي هذه الفضائيات بعد تخطيط دقيق: من قائدهم، الي من يتعاملون معهم بصفة المقاولة من الباطن، مرورا بـ وزير سابق و برلماني لاحق ومدير مركز لا وجود له الا في خيال صاحبه وهلم جرا. قائدهم، رغم انه وزير (صحيح بدون حقيبة، لكن قليلا من الوقار ما كان سيضر احدا)، امضي يومه متنقلا من فضائية الي اخري، ونحن الذين اعتقدنا ان رذيلة التنازل للتحدث للفضائيات بتلك الطريقة حكر علي اصحاب قضية او مغمورين يبحثون عن شهرة. واخيرا نصيحتي الي اخوتي الصحافيين الجزائريين النزهاء: اذا لم تنتبهوا، فان اللحي المعصرنة ستبتلعكم وتبتلع المهنة.كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]