طبرية ـ «القدس العربي»: رغم محاولات سلطة الآثار الإسرائيلية طمس المعالم العربية والإسلامية التاريخية في محيط مدينة طبرية داخل أراضي 48 وتقزيم قيمتها الأثرية ضمن اعتبارات وحسابات سياسية، فإن هذه الآثار تنطق وصوتها يعلو صوت الطمس عندما تزورها وهذا هو واقع الحال في مختلف مناطق البلاد. فالتنقيب عن الآثار لم يعد علما، بل وسيلة سياسية لجعل الماضي شاهدا على الحاضر والمستقبل ضمن المعركة على الرواية. في مدينة طبرية المعروفة ببحيّرتها الساحرة وفي محيطها سلسلة من هذه الآثار العمرانية التي شيدّت يوم كانت فلسطين واحدة من أجناد بلاد الشام وجزءا من الدولة العربية الإسلامية في عصورها المختلفة. في السنوات الأخيرة كشفت تنقيبات أثرية عن آثار وموجودات من العصور الإسلامية في مدينة طبرية اعتبرت هامة لفهم تاريخ المدينة الفلسطينية خاصة في عصرها الذهبي في العهدين العباسي والفاطمي. جاء ذلك بعد أن بدأت سلطة الآثار الإسرائيلية قبل 12 عاما بتوسيع عمليات الحفر في طبرية بهدف التطوير السياحي وبحثا عن آثار رومانية، بيزنطية ويهودية بالأساس. وأسست طبرية على يد الحاكم الروماني هيرودوس آنتيباس في العام 19 بعد الميلاد وسميت طيباريوس إكراما للإمبراطور الروماني طيباريوس. وبنيت المدينة على الطراز المعماري الروماني في المنطقة الممتدة بمحاذاة الساحل الغربي للبحيرة على بعد عشرين كلم إلى الجنوب من مصب نهر الأردن في البحيرة، وكان يشطرها شارع العمدان الذي انتهى ببوابتين في الشمال والجنوب شكلتا مدخلين لها ما زالت آثارهما قائمة.
العهد العباسي
وكشفت الحفريات أحياء سكنية من الفترات الإسلامية: الفاطمية والعباسية في المنطقة الجبلية جنوب طبرية التي فتحها العرب المسلمون عام 13 للهجرة (634 م) بقيادة شرحبيل بن حسنة، وقد بنيت على أسس أثرية بيزنطية. ويوضح الباحث الأثري الدكتور وليد أطرش لـ «القدس العربي» أن العباسيين أعادوا بناء مدينة طبرية بعد أن تهدمت جراء هزة أرضية مدمرة وقعت في الثامن عشر من يناير/كانون الثاني عام 749 ميلادي.
كما يوضح أطرش أن طبرية في العصر الإسلامي شكّلت عاصمة جند الأردن وشهدت ازدهارا استثنائيا في العهد العباسي من الناحيتين الكمية والكيفية لكنها بلغت أوجها في الفترة الفاطمية. ويؤكد أطرش أهمية الموجودات الأثرية لتبيان مكانة طبرية في الفترة الإسلامية كونها عاصمة جند الأردن وشكلت مركزا تجاريا ثقافيا وسياسيا للمنطقة. منبها أن الحفريات «تكشف عن بناء أحياء على مستوى عال من التخطيط المدني في طبرية التي قدر عدد سكانها بنهاية العصر الفاطمي بنحو ثلاثين ألف إنسان».
هارون الرشيد
ويستذكر أطرش أن الخليفة العباسي هارون الرشيد ومن بعده نجله المأمون كان أول من بدأ بالثورة العمرانية بشكل عام وفي طبرية على وجه الخصوص لافتا إلى اكتشاف عشرات الدنانير الذهبية التي تحمل اسمه خلال التنقيبات. ويلفت الباحث الأثري إلى أن المسلمين تأثروا بالتقسيم الإداري البيزنطي لكنهم غيرّوا النظام الإداري في الدولة خاصة في بلاد الشام الذي قسّم بين سبعة أجناد، وبنوا مراكز جديدة في فلسطين منذ عهد الأمويين كمدينة الرملة ولاحقا طبرية.
وشكلت طبرية عاصمة جند الأردن لوفرة المياه ولقربها إلى بيسان عاصمة البلاد في العصر البيزنطي ولسهولة المواصلات إليها واستنادا للموجودات الأثرية يقول أطرش إن الأحياء السكنية بنيت وفق تخطيط مدني راق وداخل كل بيت كانت تقوم ساحة مركزية وحديقة ونافورة مصنوعة من الخزف أحيانا. ويشير إلى أن المنزل العباسي في طبرية تشكل من غرف صغيرة بنيت في طابقين ما زالت مقاطع من الجبس الأبيض بادية على بعض جدرانها. كما يشير إلى أن أرضيات المنازل بنيت من عدة طبقات رخامية بما يدّلل على ترميمها في الفترتين العباسية والفاطمية رغم أن الفصل الزمني بين الفترتين عملية غير يسيرة. واكتشفت الحفريات الأثرية آثار برك مائية، وحجارة رحى، وأوان فخارية، وخزفية وزجاجية ومصابيح زيتية عباسية وفاطمية كثيرة.
عمارة متطورة
وللتدليل على التطور المعماري في تلك الفترة يشير أطرش إلى شبكة تصريف مياه عادمة بنيت من الحجارة البازلتية إضافة لمجمعي ماء كبيرين حفرا على شكل جرس.
كما تم العثور على أدوات طبخ وطعام، وأواني تخزين ودنانير ذهبية من الفترتين العباسية والفاطمية وغيرها من الموجودات التي تدلل على ثراء سكان الحي وتغني معرفة الباحثين عن العصرين العباسي والفاطمي في طبرية.
حمامات طبرية
علاوة على المكتشفات الإسلامية يتواصل التنقيب عن آثار بيزنطية في طبرية بعد اكتشاف أجزاء هامة من بناء المسرح المركزي «الأودريتوريوم» علاوة على اكتشاف موجودات مسيحية تدل على إقامة مسيحيين في المدينة العباسية. وفي مدينة طبرية الممتازة بينابيعها الساخنة أيضا تم اكتشاف آثار لحمامات عامة في عدة أماكن تعود لحقب تاريخية مختلفة وحتى اليوم ما زالت تعمل حمامات ساخنة شيدها إبراهيم باشا في القرن التاسع عشر الميلادي خلال ما يعرف بالحكم المصري لفلسطين في الفترة 1831-1839.
أكبر مسجد في فلسطين
قريبا جدا من منطقة حمامات طبرية وفي أسفل الجبل الغربي الجنوبي المعروف بجبل بيرانيكي تستقبل الزائرين آثار مسجد ضخم يعود بناؤه للقرن الثامن، مساحته تزيد عن سبعة آلاف متر مربع ويتسع لآلاف المصلين. وكانت بعثة علمية من البرازيل قد اكتشفته خلال البحث عن آثار رومانية في تلك المنطقة جنوب طبرية بالتعاون مع الجامعة العبرية في القدس. وفي مقال علمي لها تقول رئيسة البعثة الأثرية الجامعية البرازيلية دكتورة كاتيا تسيترين سيلبرمان أن تصميم مسجد طبرية العملاق مشابه جدا للمسجد الكبير في دمشق الذي بني بنفس القرن وما زال مفتوحا، وهو يشبه مسجدا آخر أصغر مساحة كشف عنه في تنقيبات جرش الأثرية في الأردن، وتضيف أن «المسجد الكبير دليل إضافي على كون طبرية مدينة إسلامية مركزية في بلاد الشام».
وقالت الباحثة البرازيلية «لا شك في أن طبرية عرفت عصرها الذهبي وبلغت أوجها كمركز روحاني وتجاري في تلك الفترة الإسلامية، فالآثار العمرانية تعكس ذلك».
وأشارت كاتيا -المتخّصصة في الآثار الإسلامية، خاصة تخطيط المساجد- إلى أنها فكّت لغز آثار عمارات قديمة في طبرية واكتشفت حقيقة كونها إسلامية، طالما اعتقد علماء آثار إسرائيليون خطأ أنها بيزنطية. وتقول كاتيا تسيترين سيلبرمان إن أوساطا في سلطة الآثار الإسرائيلية تميل عادة لتجاهل الفترات الإسلامية، وتعنى في حفرياتها بالفترات الرومانية/البيزنطية واليهودية. وتوضح لـ «القدس العربي» أن الآثار الإسلامية في طبرية أهملت نتيجة اعتبارات غير موضوعية، وتشير إلى اكتشاف البعثة الأثرية برئاستها آثارا ثمينة في جبال وسواحل طبرية منذ أكثر من عشر سنوات. وفي طبرية المتميّزة بكثرة آثارها الإسلامية، يعاني معظمها الطمس والهجران والتزوير كمقام «الست سكينة» الذي تم تحويله لكنيس يهودي، وقد نجا مسجدان فيها من الهدم هما مسجد ظاهر العمر الكبير ومسجد البحر وهما في حالة يرثى لها بخلاف بقية الآثار العمرانية من حقب غير عربية- إسلامية.

مدينة متسامحة وجميلة
ومقابل آثار المسجد التاريخي العملاق كشفت التنقيبات المتواصلة عن كنيسة قديمة، وهذا برأي الباحثة تسيترين سيلبرمان دليل كبير على تسامح الإسلام والمسلمين في طبرية، وتتابع «في تلك الفترة عاش يهود أيضا في طبرية ولهم آثار فيها، ما يجعلها أكثر مدن الشرق تسامحا عبر العصور». كما تستدل كاتيا على رسوخ ثقافة التسامح في طبرية خلال العصور الإسلامية بالإشارة لحجيج مثقفين وعلماء مسلمين للمدينة من أجل التعلم بها، وتضيف أن هناك مؤشرات أخرى على ثراء وازدهار طبرية وقتها، منها مقطوعات من الحصُر الفاخرة صنعت فيها وتحفظ اليوم في متحف «متروبوليتان» في نيويورك.
كما تشير إلى أن زملاء لها أجروا حفريات في طبرية واكتشفوا فيها كنوزا من عملات نقدية ذهبية ومن الجواهر، وتتابع «بحوزتنا دلائل متنوعة على الثراء الروحاني والمادي لمدينة طبرية الجميلة والممتازة بتعدد ثقافاتها وتسامحها».
وتشمل طبرية أولى المدن الفلسطينية التي احتلت في النكبة من قبل الحركة الصهيونية في أبريل/نيسان 1948عددا كبيرا من الآثار العمرانية العربية الإسلامية البارزة وفيها مسجدان تاريخيان من الفترة العثمانية وهما مغلقان ويكابدان الهجران والإهمال وتمنع إسرائيل ترميمهما وقد ازدادا تصدعا وتداعيا نتيجة التقادم وتوالي الهزات الأرضية.
الهزة الأرضية
وتسعى الباحثة لتعزيز رؤيتها بالإشارة للعلامة الجغرافي المقدسي من القرن العاشر الذي وصف ازدهار الحياة الثقافية فيها وتقول إن المسجد الكبير الذي جسّد رمز عظمة طبرية صمد 330 سنة حتى انهار نتيجة هزة أرضية في 1068 واستغرقت المدينة بعدها وقتا طويلة للنهوض مجددا آملة أن تنجو الآثار العمرانية العربية-الإسلامية في طبرية من الهزات والحسابات السياسية، وتضيف «هذه كنوز حضارية إنسانية ينبغي الحفاظ عليها لتبقى فوق كل الحسابات والاعتبارات السياسية وغيرها».