طبريا عروس الأغوار الفلسطينية حتى لو غارت أريحا وبيسان

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”:كان القيادي والكاتب الفلسطيني الراحل شفيق الحوت يقول عن مدينته “يافا قطعة من الفردوس سقطت من السماء” فيرد عليه زميله القيادي والباحث الراحل الدكتور أنيس الصايغ بالقول “طبريا هي الجنة ولذلك لا تسقط من السماء”. بين هذا وذاك طبريا فعلا طالما كانت جنة وهي عروس الأغوار الفلسطينية وإن غارت أريحا وبيسان. كيف لا وقد حباها الله ببحيرة ساحرة وينابيع معدنية ساخنة في محيطها جعلتها مستقرا للكثير من السائحين والمتنزهين ممن قدموا من كل أرجاء فلسطين وغيرها وفيها آثار تذكر بفترات تاريخية متلاحقة. كما أن طبريا نقطة جذب للحجاج المسيحيين ممن يأتون لزيارة الطابغة وغيرها من مناطق طبريا حيث قام سيدنا عيسى بعدة عجائب وفق التقاليد المسيحية. أما تسميتها فهي رومانية الأصل ومشتقة من اسم القيصر الروماني طيباريوس وسميت على اسمه فور بنائها في 17 ميلادي على يد القائد الروماني هيرودوس أنتيباس. تزخر المدينة حتى اليوم بآثار عمرانية كثيرة تعكس تعاقب الغزاة والحضارات عليها منذ الفينيقيين، الرومان، البيزنطيين وحتى الفتوحات العربية – الإسلامية إلى العثمانية، وقد شكلت إحدى مراكز الصليبيين حتى هزموا في معركة حطين عام 1187 على بعد كيلومترات قليلة غربا.

الست سكينة

بالنسبة لطبريا كان نيسان أقسى الشهور. ففيه انهار عالمها وابتلت بالنكبة قبل سبعة عقود جراء جرائم الصهيونية وتواطؤ الاستعمار البريطاني. قبل ذلك كانت طيلة العصور الإسلامية مدينة مزدهرة وفيها اكتشفت قبل سنوات آثار أكبر مسجد أموي، علاوة على مكتشفات ثمينة كما يؤكد الباحث د. الياس خميس في كتابه الجديد “الكنوز الفاطمية في طبريا”. وهكذا في الجهة الجنوبية ما زالت خربة المينيا (آثار قصر على ساحل البحيرة في منطقة عين التينة) شاهدا على العمارة الأموية في طبريا، وسبق أن اكتشف فيها كنز فاطمي ثمين. تمتاز بوفرة آثارها ومقدساتها العربية – الإسلامية وهي بمعظمها تتعرض باستمرار لمسلسل تخريب و”الست سكينة” واحدة من ضحايا  التهويد. في واجهة المقام تبرز لافتة رخامية جديدة كتبت بالعبرية وتحمل تسمية “مقام السيدة راحيل” استبدلت لوحة رخامية نقشت فيها التسمية العربية. وتؤكد جمعية “الأقصى” أن الست سكينة مصلى إسلامي يحوي مقاما لإحدى الصالحات التي يقول المؤرخون إنها ترتبط بسلالة الإمام علي كرم الله وجهه، وأنها تملك وثائق عثمانية وانتدابية تدلل على هويته الحقيقية. وأهالي طبريا المهجرين في الوطن وأصقاع الأرض ليسوا في حاجة لوثائق، فهم يذكرون بأنهم ورثوا أبا عن جد احترام وتبجيل مقام الست سكينة واعتادوا زيارته وإقامة الشعائر فيه حتى الاحتلال في 48. في شهادة قدمها على مسامعنا قبل رحيله قبل شهور يستذكر الشيخ جبر قردحجي أبو حبيب (86) المهجر من طبريا إن المسلمين دأبوا على زيارة مقام “ست سكينة”  وإقامة النذور فيه. ويستذكر أبو حبيب أن المسلمين كانوا دائما يتعاملون مع المقام بكثير من التبجيل والقدسية ويكسونه بالحرير وزيارته للتبرك به. ويوضح بأسف أنه يتردد أحيانا في زيارة طبريا رغم أنها أجمل مدن الدنيا بعيونه كي “لا عين تشوف ولا قلب يحزن” في ظل انتهاك المقدسات الإسلامية وتغيير معالمها. ويتابع متسائلا: لا أعرف كيف يدنسون مقام الست سكينة اليوم من دون أن يصاب المعتدون بمس من الجنون أو الأذى خلافا لما كان وقتها؟ وكان جبرا يحن إلى طبريا كثيرا وللجلوس مع الأصدقاء على شواطئها، في المقاهي والمطاعم مع أصدقائه كمقهى المتروبول، التابع لعائلة قهوجي، ومطعم أبو الياس الطبراني، والعكاوي ومقهى منير أبو علي، وآخر لمحمد علي. كما يستذكر في شهادته أن الفنان الراحل محمد عبد الوهاب حل ضيفا في فندق في منطقة البونط بعد إحيائه احتفالية في المدينة ويتابع “كنت وقتها شابا أعمل موظفا في الفندق، فبادرت لمساعدته في توضيب حقيبته قبيل رحيله فمنحني ليرة فلسطينية كانت تعادل راتبي الشهري فكدت أطير فرحا”.

مسجدان موصدان

ولا يختلف حال مسجدي البحر والزيداني التاريخيين في طبريا عن “الست سكينة” فهما موصدان وتمنع الصلاة فيهما بل تحولا إلى مجمع للقمامة ووكر للخفافيش والغربان وهناك مقابر ومقامات أخرى تتعرض ليد العبث والتخريب. يعرف المسجد الأول بالعمري أو الزيداني أو الكبير أو الفوقاني والثاني مسجد البحر قبالة فندق “ناهر هيردين” وتعرض لمحاولة حرق عام 2000.

وتوسط المسجد العمري هذا بين سوق الحسبة حيث كان “الدلال” ينادي لبيع البضائع بالمزاد العلني، وبين سوق الخضراوات وهو سوق بالمفرق.

في حديث لـ “القدس العربي” يوضح الشيخ علي حسني الطبري، أبو حسني(84) ابن المدينة المهجر في بلدة المغار في الجليل اليوم إن مؤذن وإمام المسجد الزيداني عمه حسين علي الطبري الذي كان يستبدله في مهمته شقيقه قاسم، لافتا إلى أن المحال التجارية المحيطة بالمسجد كانت موقوفة عليه. وما زال أبو حسني يذكر صيدلية جمال الطبري في واحدة من الغرف هذه وبجوارها حلاق كان يعمل عنده في العطلة الصيفية. ويشير لوجود صيدليتين تابعتين لليهود في شارع طبريا المركزي شارع الجليل، مذكرا بصيدلية مجاورة كانت هناك فتحها الصيدلاني الكاتب الصحافي اللبناني الراحل نجيب نصار قبل انتقاله لحيفا ليصدر صحيفة “الكرمل” ويتولى تحريرها وزوجته ساذج في نهايات الدولة العثمانية.

الشيخ والبحيرة

ولا يختلف حال مسجد البحر عن شقيقه المسجد العمري، فهو الآخر مهجور وتسكنه طيور البوم بعدما استخدمته بلدية طبريا بعد الاحتلال متحفا قبل سنوات. هذا المسجد الجميل الذي تعرض قبل سنوات لاعتداء جديد اليوم بتلطيخ جدرانه وقبابه بكتابات بدت عليها بصمات مجموعات ما يسمى “عبدة الشيطان” مثل “النصر للدم” والحرب وغيرها قد بني على حافة البحيرة. ويفيد الشيخ محمود رباح (أبو شوقي) المهجر من حطين المجاورة، إنه كان يرافق والده إلى طبريا ودأب على الصلاة في مسجد البحر. وعما يذكره قال “هذا المسجد بني في الفترة العثمانية على حافة البحيرة وكان الشباب يدخلونه ويقفزون من سوره للماء للسباحة”. ويستذكر أبو شوقي مرافقته عائلته رحلاتها إلى تنور أيوب في شمال البحيرة بواسطة باص صفد، منوها إلى أن تنور أيوب حمام مبني من الحجارة السوداء داخله نبع طبيعي اعتقد الناس وقتها إن خواصه طبية ويشفي الأمراض كما الحال في الحّمة، حيث كان الزائرون يبيتون هناك في غرف مستأجرة. كما يستذكر أن المواصلات من وإلى طبريا كانت تمر عبر ثلاث طرق رئيسية: طريق للناصرة غربا، طريق لبيسان وسمخ جنوبا وشرقي البحيرة وطريق صفد نحو الشمال.

حمامات طبريا

وتروي بهذا المضمار سليمة نايف جفيلي سيدة من الناصرة أقامت وزوجها في سمخ “بلدة الكاتب الروائي يحيى يخلف” حيث كان زوجها المصري يصطحبها برحلات جوية بالطائرة من مطار سمخ إلى مطار اللد للترفيه والسياحة “ويعاملني بحب حقيقي كأنني ابنته المدللة”. كما عبرت الحاجة آمنة سعدية ظاهر (أم ظاهر) عن حنين مماثل لمدينتها طبريا ووفرة مواقع الترفيه فيها فقالت على مسامع كاتب هذه السطور قبل رحيلها في الناصرة، إنها مسكونة كل الوقت بالأشواق لأيام “الديوانة” في حمامات طبريا الساخنة “الأحلى من السكر”.

 حتى نكبة 1948 كانت أم ظاهر أيضا تقيم في سمخ سوية مع زوجها الذي عمل في نقطة الجمارك، لكن طبريا ظلت مدينتها المدللة حتى آخر ساعة: “طبريا كانت قطعة من الجنة وما تغرك عماراتها العالية اليوم. فيها لم تعرف حياتنا الملل طوال أيام السنة. في الصيف كانت العائلات تذهب لشواطئ البحيرة خاصة بحر القلعة والبحر البراني، فنتناول الطعام براحتنا وندخن النرجيلة ثم تقوم النساء والصبايا وكل القريبات بإحياء الحفلات للترويح عن النفس. وفي الشتاء كنا نزور الحمامات الساخنة التي فتحت أبوابها من العاشرة حتى الرابعة مقابل قرشين لكل زائر، كما كنا نقضي ساعات جميلة في تنور أيوب”. وتفيد المصادر التاريخية أن الحمامات التي بناها إبراهيم باشا غداة الاحتلال المصري للبلاد في 1831 قد منح امتياز إدارتها لرجل يهودي فيما كان سليمان ناصيف من لبنان صاحب الامتياز لإدارة منتجع الحّمة بعدما اشتراه من الانتداب لـ 99 عاما. كذلك استهوت طبريا الكاتب والأديب الفلسطيني الدكتور حنا أبو حنا فيقول في كتابه “مهر البومة” يستذكر أيام طبريا الحلوة فيقول “على شط طبريا موقع أثير، الجلسة في المقهى هناك في ساعات الأصيل حافلة بالسحر الذي انسجم معه حتى زعيق النوارس، وتموسقت فيه كركرة النرد وثرثرة الموج”.

زفة العريس

كما في مدن فلسطينية أخرى انتشرت مدارس حكومية للعرب ولليهود. ويقول الشيخ أبو حسني الطبري إنه درس بالمدرسة الابتدائية الحكومية القائمة في وسط المدينة من الجهة الغربية قريبا من محطة الحافلات “إيغد”. منوها إلى أن أهالي طبريا كانوا يسافرون للقدس بالحافلات أو بسيارات خاصة (شركة معين عون الله) عن طريق الغور. أما الشوارع الفرعية فكانت تشهد زفات العريس في مواسم الأعراس التي أحياها شعراء شعبيون أمثال أبو الأمين الريناوي وشقيقه أبو عاطف والحداء أبو سعيد الحطيني. ويشير أبو حسني أنه ليس واثقا من أن اسم عائلته “الطبري” اشتق من طبريا، ويؤكد أنها من أكبر عائلات المدينة. وعمل صدقي الطبري مديرا لبنك الأمة العربية الذي كان مقره قريبا من محطة الشرطة الإسرائيلية اليوم.

محمد عبد الوهاب

ضمن حديثه عن معالمها يستذكر فندق “كوكب الشرق” في شمال منطقة البونط (ما زال يستخدم كفندق صغير اليوم) وهذا ما أكده في مذكراته الراحل أنيس الصايغ ابن طبريا. ويشير أيضا للسياحة الاستشفائية خاصة وأن أجواءها حامية طيلة العام والناس فيها استخدموا المظلة لاتقاء ضوء الشمس. وبهذا المضمار يستذكر منتجع الليدو الذي بناه رجل ألماني يدعى بلاسمان الذي ثبّت يافطة عنصرية في واجهته كتب عليها “ممنوع دخول الكلاب واليهود”. ويشير إلى أن شركة طيران بريطانية بدأت منذ 1931 استخدام طائرات مائية تهبط على مياه البحيرة تتسع كل منها لـ 12 راكبا وعادة استخدمت لنقل البريد. ويتابع الصايغ في مذكراته “كانت هذه الطائرات تطير بين جبل طارق في إسبانيا ودمياط في مصر وطبريا ومنها إلى بحيرة الحبانية في العراق قبل سفرها للشرق الأقصى. كنا ننتظر وصولها بالساعة المحددة وبعدما تهبط على الماء يصل زورق صغير وينقل ركابها للاستراحة في الليدو لعدة ساعات قبل استئناف الرحلة، وكان هبوطها مشهدا عجيبا مدهشا”. مستذكرا أن المدينة التي شكل العرب فيها نسبة الثلث في فترة الانتداب (12 ألف نسمة) بوركت بالبرتقال وبالموز بجودة عالية نادرة. كذلك هو الحال مع سمك المشط غير الموجود إلا في بحيرة طبريا والذي بادرت عائلتا الصباغ وخوري من صفد لبناء مصائد لاصطياده في منطقة البطيحة وهما أغنى عائلتين فلسطينيتين اليوم. وأشار إلى أن حديقة البلدية الغنية بأشجارها وأزهارها طالما كانت تفوز بأجمل حديقة في فلسطين.

قناع برونزي نادر لإله الرعاة “بان”

وآخر الاكتشافات الأثرية الغنية في طبريا بوابة ضخمة من معبد إله الرعاة “بان” وقناع برونزي له نادر هو الوحيد بالعالم حتى الآن. و”بان” حسب الأساطير الإغريقية هو إله المراعي والصيد البري والأحراش، يظهر بجلد وقرون وأرجل ماعز ويصاحب الحوريات.

وتم اكتشاف القناع المعدني بين أطلال مبنى روماني ضخم مبنى من حجارة بازلتية كبيرة سوداء من فترة القيصر أدريانوس (117-138 ميلادي). ويوضح دكتور وليد أطرش، مسؤول في سلطة الآثار، أن القناع تم تثبيته على جدار مذبح المعبد ويرجح أنه جزء من طقوس دينية كانت تتم في معبد خاص بإله الرعاة بني خارج مدينة طبريا في منطقة تعرف بـ سوسيتا. ويوضح أطرش لـ “القدس العربي” أن الطقوس والعبادات في هذا المعبد الروماني القديم كانت تشمل تقديم القرابين وعروض شملت أحيانا أعمال عري وممارسات جنسية فوضوية تتم بعد “إغواء الحوريات” في مياه البانياس من خلال العزف الموسيقي. وهذا يذكر بمدينة بانياس في هضبة الجولان حيث ما تزال آثار معبد ضخم جدا لإله الرعاة بان، حيث كانت تتم أعمال جنسية فوضوية ويقال إن كلمة “بانيكا” بالإنكليزية وتعني حالة فوضى وذعر مشتقة بالأصل من هذه الطقوس القديمة. وينوه أطرش إلى أن الحفريات التي تشرف عليها بعثة تنقيبات دولية ما زالت في البداية، لكنها بدأت تكشف عن ملامح مدينة سوسيا التاريخية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية