طبّاعات اليمن وفجور المستعمرين

حجم الخط
0

خليل قانصو كان الجنود الإسرائيليون، أثناء احتلال الجنوب اللبناني، يداهمون المنازل ليلا. يوقظون ويروّعون أفراد العائلة، ثم يأخذون أحد الأبناء عنوة، ليلقوا به في معسكر أقاموه في خراج بلدة أنصار. واحيانا كثيرة، يكون المعتقل فتى قاصرا لم يشارك بعدُ في حركة سياسية او ينشط في صفوف مقاومة. جميع الذين اقتحم الجنود الإسرائيليون بيوتهم وخطفوا أولادهم، تحفظ ذاكرتهم مشاهد الرعب أمام الهمج والسلاح المصوّب إلى صدورهم، وإلى رؤوس أطفالهم واولادهم. كان الفتى القاصر، بالقطع، هدفا. فمكوثه عدة أشهر في معسكر الاعتقال، كان وسيلة استخدمها الإسرائيليون، من دون أي قيود قانونية وأخلاقية، للتأثير النفسي ليس عليه فقط، وانما على عائلته وأقاربه أيضا. فضلا عن الألم الذي يحز قلبك وأنت ترى الإسرائيليين يقتادون ولدك، إلى حيث لا تدري، وقد قـيّدوا يديه وعصبوا عينيه. ولكنك تعرف في تلك اللحظة أنك لست بطلا وأن أعداءك، ما بقيت حيا، هم جميع الذين صنعوا هذا الإنسان الإسرائيلي المتوحش المفترس الذي انتزع فلذة كبدك ومحط أمالك، كإنسان شرقي. كيف تواجه هذا الإنسان الذي كلما أجلى عائلة فلسطينية عن بيارتها، أو قطع شجرة زيتون، كافأه قادة دول الغرب وتزايد أتباعه. وكأن الإشكالية هي في ضعفك، وفي الغموض بين العيش وبين الوجود والكينونة. إن التجربة تعلمنا أن الغزاة والمحتلين، يتعمدّون اتلاف الذين يطمعون بأرضهم. ولكن أساليبهم ليست متجانسة ولا متشابهة. فهم أتقنوا، منذ بداية تنفيذ مشروع الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، فن القتل الجماعي.. المجازر، لقد أرتكبوا عددا منها في لبنان أيضا، في مخيمي اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وفي بلدة قانا، على سبيل المثال وليس الحصر. كما أنهم لجأوا إلى أسلوب تجريف البيوت وطرد ساكنيها. وبكلام أوضح، هم يقتلون ‘مباشرة’ أحيانا، وأحيانا أخرى يفرضون على الناس شروط عيش مادية ومعنوية، لا تـُحتمل. فيموت هؤلاء الناس، من دون حاجة إلى من يقتلهم بطريقة ‘غير مباشرة’. يجب أن نتخـيّل أيضا، حال العراقيين، أحاسيسهم، كلامهم وحركاتهم خلال الدقائق القليلة التي فصلت بين اقتحام الجنود الأمريكيين في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2005 منازلهم في حديثة، البلدة العراقية، وبين اطلاق هؤلاء الجنود النار عليهم. كيف تكون حال المرء وهو ينظر إلى زوجته، إلى ولده، وإلى والده، وقد ارداهم الرصاص؟ وهل يـُبصر الإنسان أو يـُفكر، خلال الثواني المتبقية أمامه، قبل أن يسقط بدوره إلى جانب طفله؟ وهناك سؤال أيضا، عن الدولة الديمقراطية، التي تـُجنـّد المجرمين والمرتزقة في جيشها، وتغزو بواسطة هذا الجيش بلدا آخر، مما يدل على أن الذهنية، التي تحكم هذه الدولة، لا تعترف بإنسانية سكان البلد الذي يحتله جيشها والمجرمون الذين اصطحبهم، أو أنها تنزع الإنسانية عن هؤلاء السكان، تمهيدا لإقصائهم وتجميعهم، لينتظروا الموت خلف الجدران. تعتبر السلطات الأمنية في فرنسا، ان الاغتصاب الجماعي، أو التناوبي بحساب المصطلح المستخدم (La tournante، هو من بين العيوب التي تتفشى، من وجهة نظر هذه السلطات، في أوساط المهاجرين والفرنسيين المتحدرين من أصول أجنبية. الذين توجد تجمعاتهم في ضواحي المدن، وخصوصا العاصمة باريس. وغالبا ما يكرر المسؤولون ذكر هذا العيب لوصمهم، وكأنهم يتفردون به، دون سواهم من الفئات الاجتماعية التي تعيش في ظروف مماثلة لظروف عيشهم، وكأن مهمة السلطة أيضا، هي التنديد والتحريض، وليس البحث عن مسببات الأوضاع الشاذة وإيجاد الحلول الناجعة من أجل الإصلاح وتقويم الإعوجاج. والغريب أننا لم نسمع أن بيانا صدر، عن الحكومة الفرنسية، السابقة والحالية ولا عن الاتحاد الأوروبي، إعلانا عن موقف تجاه ما جرى في مدينة المحمودية العراقية في ليل 12 آذار/مارس 2006. في تلك الليلة اقتحم أربعة جنود أمريكيين منزلا وحجزوا، تحت التهديد بالسلاح، في إحدى غرفه رب العائلة وزوجته وابنته البالغة من العمر سبع سنوات. أما ابنته الثانية، وكان لها من العمر أربع عشرة سنة، فقد ظلت بين أيدي الجنود، الذين تناوبوا على اغتصابها، الواحد بعد الآخر. يعترف جندي أمريكي بأن الفتاة كانت تصرخ وأن أفراد عائلتها كانوا يسمعون صراخها. وعندما انتهى الجنود من فعلتهم قتلوا الجميع، الأب والأم والابنتين. لنتصور المشهد، في غرفة الإغتصاب وفي غرفة السجناء، ثم لنتصور النهاية الدموية، ما الذي حتم هذا المصير؟ ولا تسل عن الفلوجة، التي دمرت على رؤوس سكانها، عقابا جماعيا. ولا تسل أيضا عن آلاف العراقيين الذين قتلوا على الطرقات وعلى حواجزالمحتلين وفي الساحات العامة، فضلا عن المعتقلين والمفقودين والمعذبين والمنفيين. لم يكن العراقيون، بحاجة لموقع ‘ويكيليكس’، للكشف عن وثائق الجيش الأمريكي، مثلما لم يكن سكان قطاع غزة بحاجة إلى تقرير ‘غولدستون’، لإظهار الجرائم الفظيعة التي ارتكبها الإسرائيليون أثناء عدوانهم سنة 2009. لن يستمع مجلس الأمن، لشكوى يقدمها العراقيون، ولن يوفد لجنة تحقيق، بعد نشر وثائق الجيش الأمريكي. ولكن ما يهم هو متابعة الاصداء التي أحدثها ذاك التقرير وتلك الوثائق، على الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا، لقد تناولتهم الصحف، في الأيام الأولى بعد صدورها. أما القنوات التلفزيونية، فإنها اكتفت في معظمها، بالتلميح العابر. وبالإمكان القول انه بعد أن مضى أقل من أسبوعين على ظهور وثائق و’يكيليكس’، طويت الصفحة وتراكمت فوقها صفحات عديدة. الجدير بالذكر، أن العواصم الأوروبية التزمت الصمت، بعد أن هـُتك الستر عن الجرائم الشنيعة. بينما اقتصر رد فعل الإدارة الامريكية على اتهام القائمين على موقع ويكيليكس، بالإثارة ضد الجنود الامريكيين وجلب المخاطر لهم. ولعل ما غطى على وثائق ويكيليكس، وكاد أن يطمسها في بلاد الغرب طمسا كاملا، قضية الطبـّاعات الإلكترونية، التي تصنعها شركة Hewlee Packard الامريكية المتعددة الجنسيات، التي تم حشوها، في اليمن السعيد، كما تقول الرواية الأمريكية، بالمواد المتفجرة استعدادا لإرسالها إلى مؤسسات يهودية في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن جاء في الرواية أيضا أن المخابرات السعودية أحبطت العملية ‘الإرهابية ‘ التي دبرتها ‘جماعات القاعدة في جزيرة العرب’. لقد حظيت هذه القضية باهتمام واسع في وسائل الإعلام الغربية، وجذبت انتباه القادة السياسيين. الذين اتفقوا على أن العبرة التي يتوجب استخلاصها، هي ان اليمن، بات مصدر خطر على أمن ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية، واستطرادا أمن ومصالح العالم الغربي، مثله مثل الصومال، على الجانب المقابل للبحر الأحمر. من البديهي، أن يرتاب أي مراقب عادي، من شحن طباعة ليست محلية الصنع، على طائرة متوجهة من بلد عربي، وما بالك إذا كان اليمن، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما أن هذه الطباعة مرسلة على عنوان كنيس او مؤسسة يهودية. يقول المثل الفرنسي ‘انها قضية خيطت بخيط أبيض’. حسنا فعل إذن رجال المخابرات السعودية. ولكن التهنئة التي تلقوها من الإدارة الأمريكية، تنم اما عن فوقية تميز نظرة هذه الإدارة إلى الأعوان، واما عن قصور في مخيـّلـتها. ومهما يكن، إذا كانت ‘جماعات القاعدة’ وراء هذه ‘العمليات التخريبية’، وهي تشبه إلى حد ما، ‘العمليات التخريبية’، التي قام بتنفيذها، مرة ابن أحد أثرياء نيجيريا، ومرة ثانية ابن جنرال باكستاني متقاعد، والعمليتان أفضتا، كما نعلم، إلى الفشل بصورة مثيرة للسخرية، فإن الدنيا بخير وخطر القاعدة تافه ولا يستحق قرع الطبول وحشد الجيوش!

وبعدُ، ألا يحق لنا أن لا نصدق روايات الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، وغيرها من الحكومات الأوروبية التي تطبق سياسة تتيح للرأسمال، ضد العدالة والأخلاق، مراكمة الأرباح عن طريق استغلال الناس في بلاد الغرب نفسها من جهة واغتصاب ثروات الشعوب في العالم الثالث، بواسطة العدوان والغزو من جهة ثانية. فلقد كذبت هذه الإدارة وتلك الحكومات دائما، واصطنعت ‘حقائق’، لا وجود لها، ثم فرضتها، بقوة السلاح والتجويع والإرهاب. إذا كانت الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها الاوروبيون، يتذرعون بأمنهم القومي وضرورات حماية مصالحهم، لكي لا يعترفوا باستقلال الشعوب وسيادتها الوطنية على بلادها، ولكي يعطوا لأنفسهم، الحق في ممارسة الهيمنة والحكم والرقابة، انطلاقا من سفاراتهم الضخمة في كثير من البلاد العربية، ومن قواعدهم العسكرية المنتشرة في طول هذه البلاد وعرضها، فان من حق الذين يعيشون تحت هذه الهيمنة أن يطالبوا بالمساواة أمام القانون، وبحرية التعبير، والمشاركة في الإنتخابات، على قاعدة أن لكل انسان صوتا يدلي به في صندوق الاقتراع. لماذا ينتخب الأوروبيون والأمريكيون، حكاما يمارسون سلطة قمعية، دموية على العراقيين والفلسطينيين؟ إذا كانو يريدون عولمة الحكم والسلطة، فانه يتوجب عليهم أن يقبلوا حل الدولة الواحدة، التي يخضع فيها الجميع لنفس القانون. إن العنصريين يستخفون بعقول وقيم الآخرين. والعنصرية هي من أكبر العيوب ايضا. ‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية