بيروت – «القدس العربي»: رغم أن الأزمة الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة في لبنان لم تُدخل البهجة والسرور في قلوب أهالي مدينة طرابلس اللبنانية، التي تستعد لاستقبال عيد الفطر السعيد، إلا أن الطرابلسيين تمسّكوا طيلة شهر رمضان المبارك بعاداتهم وطقوسهم وصيامهم وبالتهافت على المساجد للصلاة والابتهال لله، مع الحفاظ على التضامن الاجتماعي بين مكونات المجتمع، ولا سيما بين العديد من الجمعيات، التي أطلقت حملات لجمع المساعدات وتأمين الحصص الغذائية وتوزيعها على العائلات المحتاجة، ومن بينها «إفطار صائم» طيلة الشهر الفضيل لتخفيف الأعباء عن المحتاجين، ولإضفاء المزيد من أجواء الأمل والفرح في النفوس من خلال إنعاش الحركة التي أرستها الليالي الرمضانية، وسط احتفالات صوفية ورقص مولوي.
وقد أقيمت مسيرة وداعية لشهر رمضان وترحيباً بالعيد من تنظيم حركة «تجمع أمان»، بالتعاون مع «كشافة الغد» وجمعيتي «الإصلاح والتعاون الخيرية» و«كشاف البيئة» وشباب مركز ومصلى الإمام زين العابدين، انطلقت من منطقة الزاهرية وجابت شوارع مدينة طرابلس وصولاً إلى شارع عزمي والتل ورفعت خلالها الرايات والأعلام الوطنية والكشفية، وألقيت كلمات أجمعت على أن «المسيرة هي فرصة للفرح والبهجة للأهالي في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الوطن».
وتحت شعار «العيد أحلى بطرابلس» تحيي جمعية «أكيد فينا سوا» احتفالية خاصة «في عيش روحية العيد وكل تقاليد رمضان، في مكان واحد في «مركز الصفدي الثقافي» بإشراف وحضور فيوليت خيرالله الصفدي، من خلال برنامج حافل من معرض متنوع ومأكولات طرابلسية وندوات تفاعلية وتهاليل واحتفالات وعزف ولقاءات مع مشاهير من طرابلس، داعين الجميع إلى ملاقاتهم للاحتفال مع الحكواتي والمسحراتي.
وتمثل الاحتفالية ندوة بعنوان: «مشهديات طرابلسية مستعادة من عيد الفطر المبارك» تقام يوم الخميس، ومن بين المشاركين في هذه الندوة البايوغرافي العربي والفرنسي وعضو مؤسس في جمعية فنون متقاطعة الثقافية الفـــــنان براق صبيح وهو كاتب سيناريو ونصوص مسرحية وممثل ومخرج، وقد تحدثنا معه في «القدس العربي» عن كيفية تحضير طرابلس واهلها لاستقبال عيد الفطر وكيف أثّرت الأزمة الاقتصادية على هذه المشهدية الرمضانية؟، فاعتبر أن «طرابلس ليست على ما يرام، في وقت تنحدر معه جميع التطلعات والآمال للخلاص من الفراغ الذي يدور في دوامته البلد عموماً، وعليه فإن أي صورة مشاهدة تعج بالحركة لا تعني انها حالة صحية إيجابية نُزيّن بها حالنا المتعبة، نحن نتقنّع بالفرح عمداً في ظل أزمة تتفاقم يومياتها منذ بداية ما يعرف بثورة تشرين/أكتوبر المزعومة او المركّبة»، وسأل «أي عيد هذا الذي يأتينا والتلاميذ في البيوت أو الشوارع عوضاً عن وجودهم في مدارسهم، أي عيد والناس تتسول حاجاتها نفسياً دون الإذعان إلى مد اليد».
ورأى «أن التحضيرات خجولة كثيراً بمجملها إلا من نسبة من الناس تكاد لا تصل إلى 5 في المئة تحصل على الفريش دولار من الخارج، فتَســــْنُد بها خاويتها من الأمعاء أو ضروراتها من الملبوس، وهنا نستثني عادات العيد قسراً من مشتريات الأطايب والمعمول والحلويات، لأنها صارت في خانة شبه المستحيل لكثير من العائلات المتعففة والشريفة، وحتى لو أن المُشَاهد بأم العين كبير ويوحي بالطمأنينة إلا أنها أصبحت صورة نمطية مُقَنَّعة فيها من الضجيج المنهك والفارغ ما طال بنا المقام في الحديث عنه، وعلى جميع المستويات».
وأضاف صبيح: «لا يخلو الأمر من نشاط بعض الجمعيات الكشفية والاجتماعية والتحركات المجتمعية الشبابية في تحضير انشطة مرافقة للعيد في ساحات عامة أو حدائق بلدية وغير ذلك على مستوى متقشف وتطوعي، ويبقى لرمضان الروحاني حصة من صلاة العيد، حيث يتهافت الطرابلسيون إلى المساجد، لرفع الصلوات والإبتهال إلى الله أن يتقبل صيامهم وأن يفرج الكرب وأن يبدل الحال بأفضل منه في واقع سيطر عليه أبالسة البشر في هذا البلد وتحكموا برقاب العباد».
وهل حدّت الأزمة الاقتصادية من هذه المشهدية؟ يجيب «في واقع الحال لا وجود لتركيبة مشهد متماسك في هذا الوقت كي نقول انها مشهدية، هناك جهد يومي ومضاعف للإبقاء على الكرامة، يتخللها تحديات يومية تـــــــجابه الواقع الذي لم يعد يشبه سابق الايام وتحديداً من عام 2019 وما قبل، حدت بنا الازمة إلى ضفة مخالفة لحياتنا اليومية التي تعودناها لسنوات طوال، بحيث لم يعد هناك وجود لما يعرف بالترف أو الترفيه.
فهذا الأخير أصبح من الندرة وباهظ الثمن، المواصــــــلات من أجل معايدات العائلة وضعت على الرف وبقي التواصل الافتراضي سيد الموقف، واختلف ميزان الأولويات وتصدّر هاجس ارتفاع وهبوط الدولار مدرج المشهديات.
وأعزو الأسباب إلى حالنا كشعب في طريقة تفكيره ونوعية سلوكه الجماعي والمستسلم».