طرق رمضان الملتفة

حجم الخط
0

طرق رمضان الملتفة

عزت القمحاوي طرق رمضان الملتفةفي معاركهم يبدو الشعراء العرب أكثر إخلاصاً لعروبتهم من أقرانهم الروائيين. ولنتفق أولاً علي ضرورة التحوط من خطأ التعميم؛ فهناك قلة من المبدعين طهرانية إلي حد التزام ميدان الإبداع وحده، حيث معركة كل منهم حصرياً مع نصه. ولنتغاضي ثانياً عن فئتين من المبدعين: الأنثي، لأن المبدعات لم يشكلن معاً مجتمعاً أدبياً بالكثافة التي تليق بمعارك تسقط فيها الضحايا، ثم إنهن مهزومات سلفاً بمكائد التدليل والإلغاء المفرط التي يحيكها ضدهن الرجال. بعد النساء نستثني المخلوقات عالية السمية التي فقدت قدرتها علي الإبداع، فاحتبست الطاقة داخلها وأتخمت قلوبها بسم قاتل. بعد هذه التحوطات الضرورية نتأمل معارك الأدب، فنجد الشعراء أكثر من الروائيين تصايحاً وأعلي صوتاً، وأقل إصابة للهدف، بحيث تبدو معاركهم مثل مباراة مصارعة رومانية لذيذة وغير قاتلة، بينما يتربص الروائيون ويطلقون النار علي خصومهم من وراء الأكمات.نموذج المحارب الشعري الأبرز عربياً كان عبدالوهاب البياتي، الذي رحل عن ألف مقهي من دون أن ترحل نوادره الظريفة عن مقاهي صخبه وحواراته الصحافية، وكان دائماً ما يحلو له استقبال سؤال من محاور شاب، وإن لم ينتبه الصحافي ابتدعه هو، يبادره: لم تسألني رأيي في الساحة الشعرية اليوم؟!ويمتثل الشاب فيعيد السؤال، حتي لا يُضّيع علي أبو علي إشادته بشاب فلسطيني يحاول جاهداً أن يتذكر اسمه، وبآخر سوري يستمد اسمه من الأساطير القديمة، لعله: أورفيوس!ولأن الفحولة لا تتجزأ، فإن التمثيل الفكاهي بجثة الخصم الشعري ينسحب علي الشعر ومعارك الغرام سواء بسواء. هكذا هم الشعراء، وبالأحري هكذا كانوا، حتي الخامس من هذا الشهر، عندما أصدر عبدالمنعم رمضان كتابه الصعود إلي المنزل.. أو انظر أيها الغريب وكنت قد تمنيت عليه أن يغير العنوان الرئيسي إلي الصعود إلي البيت كي يتطابق مع ما يحوي من ألفة، وها أنا أتمني ثانية ـ بعد فوات الأوان هذه المرة ـ لو كان العنوان الفرعي انظر أيها الشاعر.. انظر أيها الروائي !فهو يستخدم تقنيات الروائي في التخفي، من دون أن يتقصد التصويب علي القلب، يُهرِّب آراءه في شعراء كبار، واقفاً وراء أكمة قديمة، مستدعياً بذكاء شواهد تاريخية تتماهي حكايته مع حكاياتها.والكتاب إن شئنا تصنيفه ديوان شعر، هو الأول في حدود علمي الذي ينشر في سلسلة كتاب الهلال علي مدي تاريخها الممتد من 1951 إلي اليوم. ديوان يضم القصائد الشعرية، إلي جانب المقالات، لكنها مقالات موزونة يمكن تقطيع كتلتها النثرية إلي سطور شعرية ، كأن نقرأ مثلاً عن فيروز: حدثني موزار عن العباس بن الأحنف عن عارم جارية النخّاس، عن الأخوين معاً، عن إيلي شويري، عن لولو، عن بنت الحارس قالت: كنا فوق الجبل مساء الأحد التالي من يوم الميلاد، وكان الثلج كثيفاً في أمكنة متفرقة، والماعز قد رحلت حيث خيام البدو الهوج الأخاذين رعاة الغزلان الشاردة بسفح الجبل تهاوت.. . وعلي مثل هذا تمضي مقالات الكتاب، أو قصائده المموهة مع قصائده الصريحة، وقد أراد عبدالمنعم أن يجعل من كتابه بيتاً أو منزلاً يجد الضيف فيه القصيدة فإن لم يستسغ، فلديه المقالات، فإن لم يصطبر، فلديه الصور الفوتوغرافية وذلك أقصر الطرقات لقطع الوحشة، حيث صورة أحمد شوقي بإصبع التفكير علي وجنته، وحيث محمد عبدالوهاب في طربوشه، وحيث نجاة بأكثر الابتسامات إيروتيكية، وحيث شقيقتها سعاد، وسيمون دي بوفوار ورامبو وفيروز والجيد الأعظم كيم نوفاك.وقد ألزم رمضان نفسه بما لا يلزم من الحذر والحيطة، إذ أن القصائد كافية بذاتها، والمقالات كذلك، لكنها الطرق الالتفافية المحببة في الإبداع، وهل يعرف الإبداع أصلاً طرقاً مستقيمة؟!الطرق الملتفة يسلكها عبدالمنعم رمضان في الكتاب، والأكمات يكاد لا يبرز من خلفها تقية أو ارتقاء بمستوي المعركة أو كليهما معاً؛ فلكي يعلن ميله إلي أدونيس وأنسي الحاج دون صلاح عبدالصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، يصطنع الشاعر رحلة يمشي فيها خمسة: إبراهيم الموصلي وابنه إسحق، وكانا يمشيان في المقدمة، وصلاح عبدالصبور، وأحمد حجازي وأنا، وكنا نسير وراءهما، الموصليان إبراهيم وإسحق يقصدان زيارة إسماعيل بن جامع. وكلهم ملحنون مغنون أفذاذ في عصرهم العباسي، وعبد الصبور وحجازي وأنا ننوي زيارة أدونيس وأنسي الحاج، والكل شعراء ضالون .الرحلة التي تتوج بمأكل ومشرب وغناء وقراءة، تبدو فيها ملامح الشعراء والمغنين في سرد لا يتنكر لصفاتهم المعروفة، كأن يهرول صلاح دون انتظام، بينما يتأنق حجازي وتشتد لمعة حذائه وعصاه، ولا تنتهي الرحلة إلا بصراحة إسحق الذي رأي أباه يصغر حتي صار كلا شيء، ومثله فعل الشاعر عندما سأله رفيقا الطريق عن أدونيس وأنسي. وفي الصباح أعطي إبراهيم ابنه اسحق مالاً كثيراً لصدقه فيه وفي ابن جامع، ومثل الموصلي إبراهيم فعل القاهري حجازي مع ابنه عبد المنعم رمضان: يابني أنت تحتاج إلي مؤازرة، هات قصائدك لأنشرها لك في مجلتي . وفي مقال آخر يستدعي عبد المنعم رمضان الساخر المازني وصنيعه مع طه حسين لكي يقول ما يريد في محمود درويش، مع عدم إغفال الكثير من الفروق بين الحالتين، وتحار فيما إذا كان تعداد الفروق نوعاً من التحوط أو تسريباً لرأي في درويش وفي ساحة الأدب، يقول رمضان: المازني وطه حسين نجمان كبيران في سماء واسعة تظللهما وتظلل غيرهما، بينما أري محمود درويش نجماً كبيراً في سماء تضاءلت مساحتها، ولا أملك إلا أن أطأ الأرض التي أعشقها، وهي أكثر عذوبة من السماء . وتستمر المقارنات، التي من بينها انعدام إمكانية التنافس بين درويش وبينه، فهما من جيلين وعالمين وذائقتين ووطنين أحدهما يمكن أن تسمع صرير قلم أصغر كاتب فيه لأنه وطن صغير ومحل نزاع مع اليهود . وعلي كل ينتهي رمضان إلي أنه ليس من خصوم درويش، لكنه من محبيه غير المغالين، ولا يحسب حساب أنصار درويش وشيعته، الذين يدركون الفروق بينهما مثلما يدركها هو الناظر إلي أعلي بينما درويش لا تتعب عنقه . وبعد أن يطمئن رمضان إلي كل هذه العتبات ويعاين مخارج الطوارئ يشرع في الدخول إلي ديوان درويش كزهر اللوز أو أبعد ليري رأيه فيه. وليس رأي عبدالمنعم في لوز درويش، أو في شعر حجازي وعبدالصبور كله، ما استوقفني، فالذائقة تختلف، والإنسان مخير فيما يحب ويكره من الإبداع، لكن أعجبتني تقنيات التخفي والالتفاف، التي يوظفها الشاعر ليس إيثاراً للسلامة، ولكن وفاء لمبدأ المتعة الذي يجب أن يسم الفن والحديث عن الفن سواء بسواء. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية