حزن ثقيل ألَمّ بي عندما قرأت مقالة عوفر أديرت عن المذبحة في كفر قاسم في 1956 (هآرتس 12/10). وبشكل خاص إزاء الكشف عن أن المذبحة كانت جزءاً من عملية «القنفذ»، التي حيكت في أقبية الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، والتي كان هدفها طرد سكان المثلث الجنوبي. بحزن وشفقة فكرت بالسكان البسطاء لقرية كفر قاسم الذين صدّقوا أن الدولة الشابة التي أعلنت أنها قائمة على مبادئ سامية، لن تذبحهم. حزن ثقيل ألَمّ بي عندما فكرت بالخيانة الكبرى. فمن طبع الإنسان أن يحافظ على حياة أولئك الموجودين تحت رعايته. كيف استطاع المخططون والمنفذون تغيير جلدهم بهذه الصورة. الخيانة هي طبع إنساني فيهم. وحتى في عالم الحيوانات فإن التصرف بالكائنات العاجزة يكون برفق أكثر.
حزن ثقيل ألَمّ بي إزاء التشويه الكامل للتاريخ: كيف حولوا شعباً كاملاً، الذي جميعه نسخة من سكان كفر قاسم، إلى أشخاص «ثاروا على اليهود لإبادتهم»، وكل هذا من أجل استغلال تهكمي لقول هنا وقول هناك لزعيم عربي كان في بعض الحالات عميلاً للحركة الصهيونية.
وداخل دوامة الحزن والتساؤل هذه، ثار سؤالٌ في رأسي: كيف لم يكن لدى الفلسطينيين، مع كل الشر الذي يلصقونه بهم، أية خطة يمكنهم من خلالها التعبير عن نواياهم الخبيثة؟ كيف لم يكن لديهم الخطة «د» (التي حيكت عشية النكبة)، وليس لديهم خطة «الصنوبر» (التي حيكت عشية حرب لبنان الأولى)، وبالطبع ليس لديهم «عملية قنفذ» خاصة بهم؟
الحزن ألَمّ بي إزاء حقيقة أن مخططات الطرد لم تتوقف منذ ذلك الحين. في 1967 طردوا سكان غور الأردن، والآن يطردون من منطقة «ج». حزن ألَمّ بي عندما فكرت في هذا النظام، الذي كل وظيفته تنطوي على جلب البؤس للآخرين وتنغيص حياتهم. مساكين من اختاروا هذه المهنة، لن تجد لديهم سعادة أبداً.
الحزن تزايد عندما بدأت بالتساؤل، كم من البرامج من نوع القنفذ تقفز بعصبية الآن في أدراج المكاتب المعنية؟ كما أتساءل: ألا يعدّ إهمال المجتمع العربي وتركه بين فكي كماشة العنف خطة «قنفذ» من إنتاج آلة وزارة الأمن الداخلي: جعل المثقفين والقادرين في أوساط العرب الانتقال إلى مدن يهودية، ووضعهم تحت رحمة الهجمات العنصرية للفاشيين، في حين أن وضع البلدات العربية سيزيد تدهوراً إلى درجة الفقدان التام للأمل؟
هل أرى ظل الجبال كجبال؟ لا أعتقد ذلك، وخاصة عندما يحوِّل الوزير المسؤول عن أمني الشخصي، جلعاد أردان، المعلم المرحوم يعقوب أبو القيعان إلى أحد نشطاء داعش، ورؤساء السكان العرب إلى أعداء للدولة، وعندما يدعو وزير الدفاع بسعادة لطرد العرب من الدولة.
لهذا، وباسم الشفافية والأكثر دقة باسم الحياة، أنا أدعو لكشف كل الخطط المخبأة في الأدراج والتي موضوعها هو مستقبل السكان العرب. ماذا يطبخون لنا نحن الذين بقينا هنا؟
الدعوة للعمل لإحباط الخطط السرية ليست موجهة للعرب فقط، بل أيضاً وبالأساس لليهود، الذين يجدون صعوبة في التعرف إلى وجوههم إذا نظروا في المرآة، وأنا بالتحديد متفائل؛ لأن من كشف عن خطة القنفذ ليس سوى آدم راز، اليهودي الذي عمل بصورة حثيثة ووصل إلى الحقيقة عن كفر قاسم. وعضو الكنيست مئير فلنر اليهودي هو الذي وصل مع عضو الكنيست توفيق طوبي العربي إلى كفر قاسم ونقلوا المعلومات إلى أوري أفنيري اليهودي، والحقيقة (حتى وإن كانت جزئية) كُشفت، وبهذا مُنع ـ وهذا ما أنا مقتنع به ـ تنفيذ خطة «قنفذ» أخرى من الخطط الموجودة بالأدراج. علينا ألا ننسى التراث المضاد الذي وضعه المتنورون في الدولة. هكذا نبتت مفاهيم سامية مثل «أمر غير قانوني بصورة واضحة»، الذي يرفرف «علم أسود» عليها، وخاصة علينا ألا ننسى صرخة الشاعر مردخاي آفي شاؤول اليهودي بعد كفر قاسم الذي حذر من أن الشجرة السامة لم تقتلع بعد.
عودة بشارات
هآرتس 15/10/2018