طريق الاقتراض كله مهالك… والحل تشكيل حكومة اقتصادية ليس من بينها مدبولي ورجاله

حسام عبد البصير
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: بات البحث عن مزيد من الموارد المالية، الهدف الذي تستيقظ عليه حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، الذي تعلو الأصوات بضرورة رحيله ورجاله عن المشهد، والدفع بتكوين حكومة اقتصادية من أجل إنقاذ البلاد من انهيار يُجمع حتى الموالون للسلطة، من أنه بات قاب قوسين أو أدنى.
وبدورها أعلنت مصلحة الضرائب أمس الخميس 12 يناير/كانون الثاني عن إطلاق الخط الساخن 16189 للإبلاغ عن حالات التهرب الضريبي. وأكد مختار توفيق رئيس المصلحة، أن إطلاق الخط الساخن يأتي تنفيذا لتوجيهات وزير المالية، بتفعيل المنظومة الخاصة بتلقي شكاوى وبلاغات المواطنين لمصلحة الضرائب حول حالات التهرب الضريبي، لافتا إلى أن المصلحة لن تتوانى عن ملاحقة المتهربين، إرساء للعدالة الضريبية والمحافظة على الاقتصاد القومى. مؤكدا متابعته الشخصية لهذه البلاغات، مضيفا أن قطاع مكافحة التهرب الضريبي يقوم بتلقي البلاغات كافة الواردة على الخط الساخن والتعامل معها، والتحقق من صحتها، واتخاذ الإجراءات القانونية حيالها. وقال رئيس المصلحة، إن قطاع مكافحة التهرب الضريبي لن يتهاون عن ملاحقة المتهربين غير الملتزمين بأحكام القانون، لإحكام السيطرة على المجتمع الضريبي، لمنع التلاعب والتهرب من سداد الضريبة، ودمج الاقتصاد غير الرسمي. موضحا أن جريمة التهرب الضريبي، مخلة بالشرف، بخلاف الغرامات القانونية المقررة قانونا وسداد الضريبة المستحقة والسجن لمدة تتراوح بين 3 إلى 5 أعوام. ومن التقارير التي حظيت بالمتابعة ما تردد بشـأن إزالة اشجار نادرة من الحدائق الأثرية، وهو ما سعت الحكومة لنفيه: تواصل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، التي نفت تلك الأنباء، مُؤكدة أنه لا صحة لتجريف أشجار حديقة الحيوان في الجيزة تزامنا مع تنفيذ خطة لتطويرها، مُوضحة أن حديقة الحيوان ذات طبيعة خاصة، ولا يمكن المساس بها، أو قطع أي من النباتات والأشجار النادرة الموجودة فيها، مشيرة إلى أنه سيتم تنفيذ خطة لتطوير الحديقة، ورفع كفاءة جميع خدماتها، بهدف تعظيم الاستفادة من مقوماتها، واستعادة طابعها التراثي، مع إعادة إحيائها كمنطقة مفتوحة ومساحات خضراء تعد متنفسا للمواطنين، لتكون حديقة الحيوان على غرار الحدائق العالمية المفتوحة بلا حواجز، مع تطبيق أعلى معايير الأمان العالمية، دون أي خطورة على الزائرين، إلى جانب ربطها بحديقة الأورمان، من خلال الاستعانة بالخبرات العالمية.
ومن معارك أمس الدينية دفاعا عن الداعية الشعراوي: أكد نقيب الأشراف محمود الشريف، أن إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي كان وما زال وسيظل إماما ورمزا للوسطية والاعتدال. وقال هو الإمام المُجدد الذي اجتمعت حوله الأمة للفهم الصحيح لمعاني القرآن الكريم، وملأ الدنيا بعلمه ووسطيته واعتداله، ويعد أحد أهم رموز القوة الناعمة لمصر في الداخل والخارج. وأضاف أن الشيخ الشعراوي استطاع بلغته وعلمه أن يصل بهذا النبض الرباني من تفسير القرآن الكريم إلى جميع أبناء الأمة الإسلامية والعالم أجمع، وله مواقف وطنية لا تنسى في حب الوطن.
مستورون سابقا

أصبح مصطفى بكري الإعلامي والبرلماني وثيق الصلة بالسلطة، أكثر قدرة على التخلي عن المجاملة والكشف عن مآسي الناس، كما قال في “الأسبوع”: أُدركُ صعوبة الظروف، وتداعيات الأزمة، أعرف خطورة المرحلة وأبعادها، لكنني لا أستطيع أن أغمض عينيّ عن هؤلاء الذين يعانون ويتألمون في صمت، تأخذهم العزة والكرامة، يسدلون الستار على أوجاعهم، وكأنهم يرتضون الجوع بديلا عن الحاجة والعوز، هؤلاء أهلنا الذين نعيش بين ظهرانيهم، هنا في عمق الصعيد، في قرانا ونجوعنا، حيث الهامات المرفوعة والنفوس التي لا تعرف الانكسار، اقترب نحوي، أعرفه جيدا، عانقني بشدة، ظل يربت على ظهري بيده كأنه لا يريد أن يتركني، صوته الهامس يقول: «شوفوا لنا حل يا أستاذ مصطفى، إحنا مش قادرين». كنت أعرف أن هذا الرجل ظل مستورا حتى وقت قريب، إنه موظف مرموق يتقاضى أكثر من ستة آلاف جنيه شهريا، ولكن ماذا يفعل الآن وقد أصبح المبلغ بحسبة الدولار لا يستطيع حتى أن يوفر له ولأولاده طعاما يكفيه إلى آخر الشهر؟ حاولت أن أخفف من روعه قلت له: حالك أحسن من كثيرين، نظر إليّ في صمت ومضى، إنه حال الكثيرين من أبناء الطبقة المتوسطة الذين سُحقوا في هذا الزمان، بعد أن حاصرهم الغلاء وارتفاع الأسعار. أما هؤلاء المسحوقون فحدث عنهم ولا حرج، هم تائهون خيارهم الوحيد: كيف يمكن أن أقضي يومي مستورا؟ ليس مهما أن نأكل ثلاث وجبات ولا حتى اثنتين. المهم أن نجد شيئا يسد الرمق، وغدا لا يعرف أحد أين المصير.

لهذا لا يثورون

ما الذي حدث؟ ولماذا انقلبت الأوضاع رأسا على عقب؟ لماذا أصبح الدولار أسرع من الرياح؟ لا أحد يثق، كما قال مصطفى بكري، في كلمات تبرر الأزمة وتداعياتها، إذا قلت لهم الحال انقلب منذ كورونا لا يصدقونك، إذا تحدثت عن تداعيات الأزمة الروسية – الأوكرانية يسخرون منك، إذا أردت أن تُحدثهم عن أن الأزمة عالمية، وضربت لهم مثلا بألمانيا أو بريطانيا أو فرنسا، أو حتى أمريكا، قالوا لك: انظر إلى رواتبهم وانظر إلى رواتبنا. إنها معضلة حقيقية نواجهها، لا يمكن القول إن الأزمات العالمية فقط هي المسؤولة، بل نحن نتحمل المسؤولية تجاه تفاقم الأحوال الاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها، الارتباك، القرارات المتضاربة، الصراعات بين المسؤولين على الملف الاقتصادي، سياسات البنك المركزي المتضاربة، عدم القدرة على جذب الاستثمار، عدم الفهم الصحيح للتعامل مع المستثمرين والقطاع الخاص، كل هذه أسباب لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن تبرئة المسؤولين عنها. جمهورية صغار الموظفين تُفْشِل أي إمكانية للنجاح، وتضيِّق الخناق على المواطنين، فتكون النتيجة حالة من السخط العارم وزيادة في حدة الاحتقان. هل يدرك الجميع أن الناس غاضبة، وأن غضبها مكتوم خوفا على أمن البلاد واستقرارها، وثقة في انحياز الرئيس لها، ولذلك تتجرع المرارة والألم في صمت مطبق، يخترقه الأنين الذي يعبر عن الوجع والحرمان؟ يتساءل الناس: لماذا تبقى الأوضاع في حالة تردٍّ مستمر؟ وإلى متى يتحملون تبعة فاتورة صندوق النقد الدولي التي داست على كل المحرمات؟ لماذا لا نبحث عن البدائل، وفقه الأولويات؟ لقد حذر الرئيس السيسي أكثر من مرة من أن أي خروج للمواطنين سيهدم كل المشروعات والإنجازات ويعيد البلاد إلى المربع صفر، وكلام الرئيس صحيح والناس تستوعبه وتعرف أن تكرار تجربة الخروج كما حدث في 25 يناير/كانون الثاني ستكون تكلفته انهيار البلاد ودمار المؤسسات هذه المرة، ولذلك يتحمل المصريون تبعات ما يجري، لأن هناك شعاعا من الأمل لا يزال ينير عقولهم وقلوبهم. الناس في الشارع وفي كل مكان تتحدث عن الغلاء الذي ألهب ظهورها، والدولار الذي سحق آمالها.

حل مسموم

يقول زياد بهاء الدين في “المصري اليوم”، أبديت اعتراضي على فكرة طرَحَها المصرفي والاقتصادي المعروف والصديق الأستاذ هاني توفيق، بشأن قيام الدولة بالاقتراض من الأسواق الدولية بضمان عوائد قناة السويس من أجل سداد أقساط الدين الخارجي الحالة على مصر في العامين المقبلين. الفكرة المطروحة تعني قيام الحكومة المصرية بالدخول في ترتيب مالي مع مؤسسات تمويل أجنبية – ما يسمى «التوريق» securitization – الذي بموجبه تقترض الدولة عن طريق إصدار سندات دولية مقابل التنازل عن نسبة من عوائد قناة السويس لعدة سنوات مقبلة.. ويؤدي هذا الترتيب إلى توفير مبلغ كبير فورا يمكن به سداد أقساط الديون الحالة مقابل التنازل عن جزء من عوائد القناة لعدد السنوات المتعاقد عليها. أصدقائي لهم منطق بسيط وذو وجاهة في الحماس للفكرة؛ أن الضرورات تبيح المحظورات، وإن كان الاقتراض بضمان عوائد قناة السويس من المحظورات السياسية والشعبية، فإن التهديد الذي يشكله الدين العام الخارجي، على استقرارنا الاقتصادى ضرورة يجوز معها اللجوء لحلول استثنائية. ويمضي أصحاب هذا الرأي في طرح السؤال الحاسم: «وإن لم يكن من عوائد القناة المستقبلية.. فما البديل لسداد أقساط الدين الحالة قريبا؟». التحفظ الذي عبّرت عنه بدا أنه يستند لـ«اعتبارات تاريخية وسياسية وعاطفية، ولارتباط الشعب المصري بقناة السويس، وما ترمز إليه من تضحيات وما تمثله في مسيرة استقلال الوطن»، ولكن الواقع أن اعتراضي على الفكرة ليس مصدره فقط الاعتبارات السياسية والعاطفية، وإن كان لا بأس من أخذها في الحسبان، لأن مشاعر الناس ورفضهم الشعبوي لرهن عوائد قناة السويس جديرٌ بأن يؤخذ في الاعتبار.

رهنها مقامرة

مجموعة أخرى من الأسباب أخرى وصفها زياد بهاء الدين بـ”العملية” تجعله في صف المعترضين على «توريق» عوائد القناة: أولا: إن مثل هذا الاقتراض سوف يتيح للدولة – وبسهولة نسبية – مئات الملايين من الدولارات تضاف إلى ديوننا الخارجية المتضخمة بالفعل.. وهذا مقلق، لأنه مهما كانت النية متجهة لاستخدام مثل هذا القرض الجديد لسداد أقساط الديون الحالة فقط، فإن جانبا منها قد يجد طريقه لاستخدامات أخرى في مشروعات لا تأتي بعوائد سريعة، بما يزيد من مشكلة الديون المتفاقمة أصلا. ثانيا: لأن هناك بديلا حقيقيا وواقعيا لرهن عوائد قناة السويس من أجل سداد أقساط الدين الخارجي، وهو إصلاح المسار الاقتصادي إصلاحا جذريا.. مثل هذا الإصلاح لو جرى تنفيذه بسرعة، يمكن أن يزيد من حصيلة السياحة خلال العام الجاري، ويضيف بضعة مليارات لحصيلة الاستثمار الأجنبي المباشر، ويشجع المزيد من تدفق مدخرات العاملين في الخارج.. وهذا كله يساهم في توفير نقد أجنبي. الأهم أن هذه إصلاحات ضرورية، ولا بد من الأخذ بها، غن عاجلا أم آجلا، وإرجاؤها استنادا إلى قدرتنا على توريق عوائد قناة السويس، قد يجعلنا نقف في الموقف ذاته بعد عام أو اثنين، وبعد استنفاد حصيلة توريق عوائد القناة.. الأفضل ألا نستند إلى هذا الحل «السحري» العاجل، بل نمضي في طريق إصلاح المسار الاقتصادي فورا، لأنه وحده القادر على إخراجنا من عثرتنا بشكل نهائي ومستدام. ثالثا: لأننى أخشى من أن الاعتماد على «التوريق» كمصدر سهل نسبيا وسريع لتدبير أموال نسد به احتياجات الإنفاق الداخلي والخارجي يتسع ولا يعود استثناء، فيتبع توريق عوائد قناة السويس المزيد من توريق عوائد أخرى مستقبلية – جمارك، ضرائب، فواتير كهرباء وماء وغيرها من المدفوعات المضمونة لاحقا – ما يخرج الدين العام أكثر عن السيطرة. أما رابعا وأخيرا، فإن الاقتراض بضمان عوائد قناة السويس يعني حرمان الخزانة المصرية من مصدر أساسي ومستمر لتدفق الموارد الأجنبية مستقبلا، بما يعني حرمان موازنات الأعوام المقبلة من مصدر مستقر للعملة الأجنبية. أما اللجوء لمزيد من الاقتراض لسداد الديون الحالية، فلن يخرجنا من أزمتنا، بل قد يرجئها قليلا قبل أن تعود ثانية وبضراوة أكبر.

فليذهب مدبولي

تتعالى الأصوات الداعية إلى تشكيل حكومة جديدة، وتبدو هذه الحكومة الجديدة في نظر كثيرين وكأنها المنقذ في مواجهة الظرف الاقتصادي الصعب. سليمان جودة في “المصري اليوم” يقول، إنني أحمل كل الاحترام لأصحاب هذه الأصوات، ولكنني أجد نفسي على خلاف مع ما يدعون إليه، لأن تشكيل أي حكومة لا يصح أن يكون هدفا في حد ذاته، وإنما يصح أن يكون أداة في التعامل مع صعوبة الوضع الاقتصادي بالطريقة السليمة. ما أسهل أن تذهب حكومة وتأتي حكومة أخرى في مكانها، وما أيسر أن نجد أنفسنا في الغد أمام رئيس حكومة جديد، ولكننا سنكتشف في الغالب أن هذا ليس حلا، لأن تغيير الأشخاص سهل.. أما تبديل السياسات والعقليات فهو الصعب. وقد عشنا سنين من قبل نرى الحكومات تتبدل، ثم لا يتغير واقع الحال ولا يطرأ عليه اختلاف، وكان السبب أن تغيير الحكومة كان يتم لامتصاص غضب الناس، وكان يتم لتخفيف سخطهم، وتهدئة خواطرهم، ومحاولة إقناعهم بأن الحال بعد الحكومة الجديدة لن يكون كما كان قبلها.. وكان الناس يكتشفون مع الوقت أن ما قيل لهم غير صحيح، وأن ما سمعوه مع مجيء حكومة جديدة غير دقيق، وكان يتبين لهم أن حالهم كما هو. والأنسب أن تغير الحكومة سياساتها التي اتبعتها على مدى السنين الماضية، وأن تؤمن بأن هذه السياسات لم تعد تصلح اليوم، وأن تعلن ذلك بصراحة على الناس، وأن تقول إنها كانت تفعل كذا في ما مضى، وأنها لن تفعله هو نفسه في الحاضر، وأن السياسات السابقة إذا كانت قد وصلت بنا إلى هنا، فتغييرها واجب وطني، والإقلاع عنها ضرورة وطنية. وعندما قالت الحكومة في «وثيقة سياسة ملكية الدولة» إن سياسات معينة سوف يستغرق تغييرها ثلاث سنوات، فإن ذلك بدا وكأن الحكومة لا تنتبه إلى أن إيقاع الحركة حولها في العالم أسرع بكثير، وأن أحدا في العالم لن ينتظرها بالتالي. زمان كان برنارد شو قد رفض جائزة نوبل، ولما سألوه عن السبب قال إنها بالنسبة له مثل طوق نجاة ألقوه لغريق بلغ الشاطئ.. وكانت الفكرة عنده أن طوق النجاة له توقيت، وأنه إذا تأخر عن توقيته الدقيق فقد معناه.. ولذلك فتغيير السياسات الاقتصادية التي قادتنا إلى ما نراه لا بد من أن يكون الآن.. اليوم وليس غدا.. وإلا فإن طوق النجاة يتخلف عن توقيته ويفقد جدواه.
ثالثهما الغلاء

ما اجتمع مصريان هذه الأيام، إلا وكان الحديث كما أخبرنا عماد الدين حسين عن ارتفاع الأسعار ثالثهما، حتى الأغنياء والميسورون مهممون بهذا الموضوع، الذي يؤرق الجميع، ولكن بنسب ودرجات مختلفة. الأزمة الاقتصادية الحالية عاتية وصعبة، ومع التعويم الأخير للجنيه المصري، فإنه فقد هذا العام منذ مارس الماضي حوالي 50% من قيمته، بمعنى أن من كان دخله ألف جنيه، فإن القيمة الفعلية صارت الآن 500 جنيه. ارتفاع أسعار الدولار واختفاؤه تقريبا، وزيادة معدل التضخم انعكس على غالبية الأسعار، وبالتالي فإن غالبية الأسر المصرية بدأت تخوض عملية كفاح حقيقية للتكيف مع الأوضاع الجديدة. في حجرة إدارة تحرير «الشروق» الضيقة، فإن الحديث اليومي المتكرر بيننا لا يخرج عن هذا الموضوع بتفرعاته العديدة. أحد الزملاء اشترى الأرز من أحد المضاربين في المنصورة بسعر يقل خمسة جنيهات عن سعر السوق، وحينما عرف بعض الزملاء لاموه لأنه لم يخبرهم جميعا. زميل ثان أكد أن التقشف وصل به إلى حد الاستغناء عن أكياس القمامة الغالية والاستعاضة عنها بأكياس الفاكهة السوداء الصغيرة. زميل ثالث يحكي كل يوم عن رحلته بين المولات والمحلات التجارية الكبيرة والصغيرة بحثا عن كرتونة بيض بسعر معقول، بعد أن كاد سعرها يلامس المئة جنيه. صباح يوم السبت الماضي كنت أجلس في حجرة الاستراحة في قناة «إم بي سي» للظهور مع الإعلامي هشام عاصي في برنامج «صباحك مصري»، وكان معي الدكتور فخري الفقي رئيس لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، ودخلت علينا أربع سيدات بصحبة أطفالهن الصغار الذين أحرزوا ميداليات متنوعة في رياضة الجمباز، وسيكونون ضيوف الفقرة التالية. الدكتور الفقي وأنا سألنا السيدات عن الكيفية اللاتي يتعاملن بها مع ميزانية الأسرة الثابتة والأسعار المتغيرة. إجابات السيدات الأربع كشفت عن مجهود السيدات المصريات في محاولة التكيف مع الأوضاع الجديدة.

عن الفقر وأيامه

البعض بدأ البحث عن مورد رزق جديد أو عمل إضافي أو التقشف وتقليل النفقات أو تغيير بعض الأصناف الغالية بأخرى أقل سعرا. الطريف أن عماد الدين حسين اكتشف أن السيدات اللاتي اجتمعن بالصدفة، حيث جئن من مناطق مختلفة اتفقن من دون ترتيب على أنهن دائمات البحث بين المولات والمحلات التجارية عن الأسعار الأرخص، وكيف أنهن يعرفن المكان الذي يبيع السلعة بسعر أقل، ولو بجنيه عن المكان الآخر. وعرفت من إحدى السيدات أن هناك «جروبات واتساب» متعددة بين مجموعات من السيدات يتبادلن فيها المعلومات والأخبار عن الأماكن التي تبيع السلع بأسعار أقل أو أكثر جودة، خصوصا سلعة مثل الزيت التي تناقصت كمياتها في الأسواق في الأيام الأخيرة. زوج إحدى هؤلاء السيدات، قال إنه رفض عروضا كثيرة للسفر لإحدى الدول العربية، باعتبار أنه تقدم في السن ويريد أن يكون بجانب أسرته، لكنه الآن يفكر بجدية في السفر حتى يتمكن من تلبية احتياجات الأسرة. سيدة من الحاضرات قالت إنها فكرت في السفر أيضا هي وزوجها وأولادها، لأنها لم تعد بمرتبها ومرتب زوجها قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للأسرة في ظل الزيادات الجديدة. أحد الأصدقاء قال لي أن زوجته بدأت تضغط عليه بكل الطرق في الأيام الأخيرة من أجل أن يزيد المصروف المخصص للمعيشة الشهرية، وهو يرد عليها بأن مرتبه لم يزد، فكيف يلبي لها رغبتها، وبعد نقاش كاد يقترب من التشاجر، طلبت منه أن يتولى هو بنفسه تدبير نفقات المعيشة، لأنها وصلت إلى مرحلة لا تستطيع فيها التعامل مع الأسعار التي تتحرك بصورة تكاد تكون يومية. وحينما وضعت كل هذه الصورة أمام أحد المسؤولين قال لي إنه لا ينكر بالمرة وجود أزمة حقيقية لأسباب متعددة، خصوصا بسبب تداعيات كورونا وأوكرانيا، لكنه واثق أنه خلال أيام سيتم استكمال الإفراج عن السلع المخزونة في الموانئ بسب نقص الدولار، ووقتها سوف تنفرج الأزمة الطاحنة بشكل مؤقت، لكن علينا جميعا أن نبحث في القضية الأهم وهي كيف نصل إلى مرحلة تكون فيها صادراتنا مثل وارداتنا.

ضنك الحياة

لا حديث يعلو كما يرى الكثيرون ومن بينهم صالح الصالحي في “الأخبار” على حديث ارتفاع الأسعار، الذي يمتد ويتطور على مدار الساعة.. فلا يجتمع أحد مع قريب أو بعيد إلا وتجد الحالة الاقتصادية والظروف التي يمر بها العالم هي المسيطرة على جُل الحديث، الذي يُختم بعبارة واحدة ربنا يستر وتنتهي الحرب الروسية الأوكرانية، آملين أن تنصلح الأحوال ويعود الهدوء إلى مواقع الإنتاج، وتستقر الأوضاع الاقتصادية، وما يترتب عليها من استقرار في أسعار الطاقة والذهب.. وتنضبط أوضاع سلاسل إمداد الطعام والأدوية، وتعود كل مظاهر الحياة التي حرم منها العالم بين ليلة وضحاها إلى طبيعتها.. ووسط هذا الحديث الذي يجتاح كل الأسر المصرية لا ينكر أحد الجهود الحكومية في توفير السلع، فلا اختناقات في سلع رئيسية، رغم جشع التجار وتعمدهم زيادة ورفع الأسعار طمعا في رزق حرام من جيوب المطحونين.. ولا أحد ينكر أيضا الحالة الأمنية المستتبة في ربوع البلاد كافة، وتأمين الحدود المصرية عبر المنافذ كافة، رغم الانفلات الأمني الذي تعاني منه الدول المجاورة.. العالم في حرب تحت لواء مطامع عديدة ونحن نعاني، ولا أحد يعلم متى ستنتهي هذه المعاناة، التي لم نخلقها بأيدينا. وسط كل هذه الظروف الصعبة التي فُرضت علينا تبذل القيادة السياسية أقصى ما في وسعها وتعقد الاجتماعات اليومية لمتابعة الهم الوطنى على كل الأصعدة.. وتصدر التوجيهات والتعليمات للمسؤولين للعمل على راحة المواطن والتخفيف من وطأة المعاناة عليه.. فرغم هذه المعاناة لم يضطرب دولاب العمل الحكومي، ولم تتعثر الخطط والمشروعات.. فالأمل معقود على هذه المشروعات في دفع عجلة التنمية وتحسين مؤشرات النمو وتراجع معدلات التضخم، في ظل ظروف صعبة هددت الاستثمارات الأجنبية في العالم أجمع، وأثرت في أعداد السائحين أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.. ومما يبشر بالخير أننا ما زلنا ثابتي الأقدام على أرض مصر نواجه أزماتنا بخزائن عامرة من السلع وتقديم خدمات على مستوى جيد، وحالة أمنية تحسد عليها البلاد وسط بؤرة من الفوضى يمينا ويسارا وشمالا وجنوبا.

لحظات عصيبة

مع استمرار الأزمة الاقتصادية وتوابعها على والأوضاع الاجتماعية الصعبة، خاصة في الدول المأزومة، دعا حسن القباني في “المشهد” الأسر المصرية والعربية، إلى رفع شعار “عام التكاتف الأسري” في البيوت والعائلات، وتطبيق أركان ثلاثة تقوم على التسامح والتعاون والتكافل. يرى خبراء كثيرون أن هذا العام سيكون صعبا على العالم كله، بدوله المتقدمة وبلدانه النامية والمأزومة، ما يحتم التكاتف لإنجاح مرور سفينة الأسرة والعائلة من أمواج الاقتصاد المتلاطمة وعواصف الغلاء المتوحش، ورياح الأخلاق الذميمة المترتبة على تدهور الذمم وتدشين حملات مشبوهة هنا وهناك. أي تكاتف لا يقوم على تسامح وتغافر واستغفار، لن ينجح، لذلك فنقطة البداية هو تصفير الأزمات الداخلية في البيوت، وإيجاد مناخ من التسامح والتغافر والاستغفار الأسري، كي تبدأ الأسر صفحة بيضاء بقلوب متسامحة وضمائر متغافرة وأيد متشابكة، نحو هدف عبور هذا العام بالتحديد، بسلام وستر. إن البيوت في هذه المرحلة تحتاج كذلك إلى التعاون، وتضافر الجهود، وهذا التعاون، يحتاج إلى توظيف العقول والطاقات في كل جزئية من جزئيات البيت، وتفعيل سبل الشراكة الإيجابية في تفاصيل الحياة، خاصة مع المراهقين والشباب. ولعل العائلات في حاجة ماسة كذلك إلى مد روح التضامن الداخلية من البيوت إلى العائلة الأكبر ومنها للمجتمع، عبر إطلاق أفكار التكافل للمحتاجين والمعوزين في فروع العائلة ثم المجتمع، ما استطاع كل بيت إلى ذلك سبيلا، والله يحب المحسنين. إن التكاتف في هذا العام بين الأسر والعائلات في ربوع مصر وكل مصر عربي، هو رمانة الميزان لاجتياز تلك المرحلة الصعبة.

ملائكة العذاب

الشكوى لم تكن فقط من الارتفاع الجنونى للزيوت أو اللحوم والأسماك والدواجن والبيض والدقيق، أو اختفاء الأرز وهو الحديث الدائر بين الناس كافة، في كل الأوساط، ولكن شكوى إعلامية كبيرة بعيدة عن جنة السلطة تحفظ على اسمها هشام الهلوتي في “الوفد”، كانت عن قيمة الكشف عند الطبيب المعالج التي بلغت 1300 جنيه وهو بحسب وصفها أجر مبالغ فيه جدا وغير مبرر على الإطلاق لدرجة أنها وجهت له عتابا مباشرا، وسألته عن سبب ذلك؟ فأجابها بأنه اضطر لرفع قيمة الكشف للحد من عدد المرضى المترددين على عيادته، وبذكائها المعتاد كمحاورة قديمة ردت عليه.. يعني الفقير ليس له مكان عندك طبعا، الطبيب الذي رفع أجره خمسمئة جنيه مرة واحدة، أضاف أيضا خمسمئة مماثلة عند الاستشارة وطبعا اللى مش عاجبه الباب يفوت جمل. هذا الطبيب نموذج لعدد غير قليل من الأطباء الذين تناسوا أن الطب هو مهنة إنسانية في المقام الأول وليست مصدرا للترف والثراء، وللأسف الشديد أن أعلى الأسعار مرتبطة بأخطر الأمراض، خاصة الأورام والقلب، فهناك بعض أطباء أورام تصل قيمة الكشف لديهم إلى أربعة آلاف جنيه، وهناك أطباء قلب تتراوح قيمة الكشف لديهم ما بين خمسمئة إلى ألف جنيه. يحدث هذا في ظل غياب الدور الرقابي لوزارة الصحة ونقابة الأطباء على العيادات الخاصة، وهما الجهتان المناط بهما مراقبة هذه الحالة من جشع بعض الأطباء واستغلال أوجاعهم في تحقيق ثروات طائلة. ونذكر هنا أنه كانت هناك محاولات برلمانية منذ حوالي ست سنوات لضبط أسعار الكشف في العيادات الخاصة، والسيطرة على حالة الانفلات أيام وزير الصحة الأسبق أحمد عماد، وكانت هناك لائحة أسعار استرشادية تراوحت بين 600 جنيه للكشف عند الأستاذ الجامعي، و400 جنيه للكشف عند الطبيب الحاصل على الدكتوراه و200 جنيه للكشف عند الأخصائي و100 جنيه للكشف عند الطبيب الممارس، مع منح المريض فاتورة أو إيصالا بقيمة المبالغ التي سددها، ولكن هذه اللائحة ذهبت أدراج الرياح. ولذلك أنا لا أطالب بفتح هذا الملف مرة أخرى في البرلمان لأن علاقة الطبيب بالمريض علاقة إنسانية في المقام الأول، بل أناشد السادة الأطباء مراعاة الظروف الاجتماعية وموجات الغلاء التي قهرت المواطنين.. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
الفلسطيني لا ينكسر

ما تقوم به إسرائيل الآن من مضايقات للسلطة الفلسطينية يندرج وفق ما يرى عبد المحسن سلامة في “الأهرام” تحت بند “تصرفات صبيانية” يمكن أن تؤدي إلى اشتعال الأراضي الفلسطينية، والمنطقة كلها. الإرهابي إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي، أعطى تعليماته بسحب بطاقة التحركات للوزراء، والمسؤولين في السلطة الفلسطينية، وأبرزهم رياض المالكي وزير الخارجية. تخيلوا وزير خارجية رهن الإقامة الجبرية داخل مكتبه، ولا يستطيع أن يتحرك خارج أراضي السلطة الفلسطينية، ليس هذا فقط، بل إن الإرهابى بن غفير أعطى تعليماته لشرطة الاحتلال بنزع الأعلام الفلسطينية من الأماكن العامة، في خطوة استفزازية، وتصعيدية، وأعلن ذلك في تدوينة على حسابه الشخصي «وجهت الشرطة لفرض حظر رفع أي علم فلسطيني». محمد أشتية رئيس الوزراء الفلسطيني، اتهم حكومة نتنياهو بالعمل على تقويض السلطة الفلسطينية ماليا، ومؤسساتيا، نتيجة توجه السلطة الفلسطينية إلى المؤسسات الدولية، خاصة التحرك الأخير أمام محكمة العدل الدولية، لبيان عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي. أعتقد أن تصرفات حكومة نتنياهو لا تتعلق بردود الفعل على التحركات الفلسطينية فقط، لكنها تتعلق بالرؤية الاستراتيجية لجناح اليمين الإرهابي المتطرف الذي يسيطر على الحكومة الإسرائيلية الآن، والرافض للاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وحل الدولتين. الأكثر من ذلك أنهم يريدون طرد الفلسطينيين من أراضيهم، والسيطرة على كامل الأراضي الفلسطينية، بل ربما يكون الأمر أكثر من ذلك، يتعلق برؤيتهم حول «إسرائيل الكبرى». أعتقد أن الأمر يحتاج إلى تحرك عربي جاد من خلال جامعة الدول العربية، ومجلس الأمن، والأمم المتحدة لإنقاذ المنطقة قبل فوات الأوان.

حياة مخملية

كعادته يهوى الدكتور محمود خليل في “الوطن استلهام العبر من التاريخ: اعتاد الجراكسة على الاختلاط بالتتار، خصوصا في منطقة القرم (تتنازع روسيا وأوكرانيا عليها الآن)، وكان بعض «التتر» قد اعتنق الإسلام، وتأثر بهم بعض الجراكسة فدخلوا في دين التوحيد، وتركوا عبادة «شجرة قودوش»، ودخل البعض الآخر في الإسلام بعد انتقالهم إلى مصر وهم أطفال، تم اختطافهم وبيعهم لسلاطينها الأيوبيين، مثلما حدث مع نظراء لهم تم اختطافهم ونقلهم إلى بغداد أو الشام. لعب المماليك الجراكسة أدوارا مهمة في مواجهة الصليبيين أيام صلاح الدين الأيوبي، وتمدد نفوذهم داخل الدولة – كما يشير «شاروبيم»- أيام الملك الصالح ابن الملك الكامل، فأكثر من شرائهم ووضع المال بين أيديهم، وانعكس ذلك بشكل واضح على مأكلهم وملبسهم ومسكنهم ومركبهم، حتى أصبحوا سادة على أهل البلاد الأصليين من عوام المصريين. تحول الجراكسة إلى مراكز قوة على مستوى طبقة الحكم، وعلى مستوى المجتمع، فهابهم الجميع، بسبب انغراسهم في كل مكان بالدولة، ومع ضعف الحكام السابقين لهم، وارتفاع منسوب اعتمادهم عليهم، استطاعوا إحداث نقلة كبرى في تاريخهم داخل مصر، وتمكنوا من الانقضاض على السلطة، حين ظهر بينهم الجركسي العتيد «برقوق اليلبغاوي العمري»، الذي تفوق على جميع سابقيه ومنافسيه على الحكم، وطلب من الخليفة المتوكل البيعة، فبايعه، ومن بعده بايعه الأمراء والقضاة والعلماء سلطانا على مصر. من المحطة البرقوقية بدأت رحلة الجراكسة في مصر ليسهموا بدور محسوس في تشكيل وجه الحياة فيها على العديد من المستويات، لعل أشهرها المستوى العسكري، حيث تميزوا بقدراتهم القتالية العالية، فخاضوا العديد من المعارك التي خرجوا منها منتصرين، لكن عابهم، أنهم كانوا ينقلبون ضد بعضهم بعضا بمجرد غياب العدو، ويبقى أن ثمة مجالات أخرى عديدة تأثرت فيها ثقافة المصريين بما أبدعه الجراكسة وما أوجدوه في حياة هذا الشعب. ففي مجال الفن على سبيل المثال يحكي راسم رشدي صاحب كتاب «مصر والجراكسة»، أنهم أول من أدخل آلات الأكورديون والكمان والمزمار، وكان لديهم ولع خاص بالموسيقى والاستماع، كجزء من ولعهم برخاء العيش. وفي ما يتعلق بالعيشة المخملية فقد كانت جزءا لا يتجزأ من الفكر الجركسي. فقد مال الجراكسة إلى «الزخرف» في بيوتهم ومساجدهم، وبدوا شديدي الحرص على اختيار الأثواب القطيفة «المخملية»، فارتدوا أفضلها، بل كانت خيولهم تنعم بأفضل كسوة أيضا، كجزء من ولعهم بالتميز في الملبس والمركب. ولست أدرى هل ثمة علاقة ما بين «المخملية» و«الخمول» في الحالة الجركسية؟ فميخائيل شاروبيم يذكر في كتابه «الكافي في تاريخ مصر» أن الجراكسة كانوا أهل كسل وبطالة في حالة السلم، وهي حالة لم تكن تتناسب بالمطلق مع ما أظهروه من نشاط في المعارك القتالية، ففي الوقت الذي أبدوا فيه أعلى درجات الشراسة مع منافسيهم، فقد مالوا وقت السلم إلى بناء القصور، وتأثيثها بأغلى المفروشات، والتهام أطايب الطعام، واحتساء أغلى أنواع الشراب، وأجود أنواع الدخان، والولع بالموسيقى والغناء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية