طريق السلام المتعثّر في اليمن بين استغلال أمراء الحرب وتضارب مصالح المجتمع الدولي

خالد الحمادي
حجم الخط
0

تمر في الواحد والعشرين من الشهر الجاري الذكرى التاسعة لسيطرة المتمردين الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء، والذي أعقب ذلك تسع سنوات عجاف من الصراع المسلح في اليمن، بين الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، المدعومة من السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة، وبين المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران من جهة ثانية.
موجات متعددة من الحرب الطاحنة ودورات عديدة من المواجهات المسلحة التي شهدها اليمن منذ ذلك الحين، أكلت الأخضر واليابس وفتّت معها مقوّمات الدولة وشتّت سلطاتها وقسّمت البلاد إلى كنتونات تتقاسمها المجموعات المسلحة هنا أو هناك، بين أطراف الصراع المسلح، ووصل الحال باليمن إلى أن يصبح أشبه بمجموعات دول في إطار بلد واحد، لكل منها حدودها وعملتها ونظامها ونمط الحياة فيها.
انقسم اليمن خلال الحرب الراهنة إلى شطرين، الأول يوازي نحو 20 في المئة من مساحة الأرض مع نحو 70 في المئة من السكان تحت سيطرة المتمردين الحوثيين بما في ذلك العاصمة صنعاء والوزارات والمؤسسات العامة ومراكز صناعة القرار، فيما الشطر الآخر والذي يوازي نحو 80 في المئة من مساحة الأرض و30 في المئة من عدد السكان يقع – اسميا – تحت سيطرة الحكومة الشرعية، ولكنه في الواقع يقع أيضا تحت سيطرة مجموعات مسلحة أخرى يفترض تكون في إطار الشرعية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، والذي يعد المكوّن السياسي المسلّح المسيطر على العديد من المحافظات الجنوبية، ويحاول أن يقدّم نفسه ممثلا للجنوب، بينما لا يعترف بشرعيته أغلبية سكان المحافظات الجنوبية.
ويعيش اليمنيون جرّاء ذلك أزمة إنسانية كبيرة وغير مسبوقة، وصفتها الأمم المتحدة بالأسوأ عالميا، بعيدا عن أنظار العالم وعن عدسات الكاميرات وكأنها حرب منسية، ولا يجد اليمنيون لمعاناتهم أي اهتمام في الإعلام الدولي، كما هو الحال في بقية الدول المنكوبة بالحروب، رغم أن الوضع في اليمن أسوأ حالا من الوضع في العديد من دول الحروب، نظرا لأن الدولة انهارت ولم يبق منها سوى «بقايا سلطة» تحوّلت مع الزمن إلى «مجموعات منتفعة» تستثمر استمرار الحرب لتحقيق الثراء الفاحش، بعيدا عن الرقابة والمحاسبة، على حساب الغالبية العظمى من السكان البسطاء، سواء في الجزء الذي يسيطر عليه الحوثيون أو القسم الآخر الذي تسيطر عليه الحكومة، حيث برزت طبقة كانت معدمة قبل الحرب، لتصبح من أكثر طبقات المجتمع ثراء.
التحديات والمعوقات التي تحول دون تحقيق أي تقدم في مساعي وجهود السلام في اليمن، ليس القوة العسكرية الخارقة للمتمردين الحوثيين ولكن لعدم سماح الأطراف الخارجية للحكومة اليمنية الشرعية بامتلاك أسلحة نوعية، مثل الصواريخ الحرارية أو شراء المسيّرات وغيرها، كما وضعوا أمامها خطوطا حمراء، يجب ألا تتجاوزها في عملياتها العسكرية، وبالتالي خلقت نوعا من عدم التوازن العسكري وخللا في ميزان القوى لصالح الحوثيين، الذين ورثوا الجيش الحكومي السابق بكل مقوماته العسكرية، بالإضافة إلى الدعم الإيراني اللامحدود بالخبراء العسكريين وتطوير التصنيع الحربي وفي مقدمة ذلك الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الحديثة البعيدة المدى.

أدوات للقوى الخارجية

القوى الفاعلة وأطراف الصراع في اليمن، تحوّلوا من فاعلين محليين مؤثرين إلى مجرد «أدوات» للقوى الخارجية، سواء الحوثيين الذين رموا بكل ثقلهم لإيران، أو الحكومة الشرعية التي ربطت مصيرها بالمملكة العربية السعودية، أو المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يعد صنيعة إماراتية وأحد أدواتها السياسية والمسلحة في اليمن، وبالتالي تحوّلوا إلى ما يمكن أن يطلق عليهم «أمراء الحرب» الذين ساهموا في الإبقاء على حالة الصراع المسلح للاستمرار في الاستغلال لحالة «غياب الدولة» لتحقيق الثراء الفاحش، عبر اقتصاد الحرب، حيث طفحت روائح الفساد من قبل الجميع، الذين لم يكترثوا بما يعانيه المواطن العادي ولا يبدون اهتمامهم بمعاناة الوطن، ووصل الحال كذلك إلى تفشّي حالات فساد مهولة طفت إلى السطح في أوساط المنظمات الإغاثية والإنسانية الدولية، التي أصبحت تقتات من مآسي اليمنيين.
وفي ظل هكذا وضع، تعثّرت جهود السلام في اليمن، وما زال السبيل إلى تحقيق حل دائم للصراع مسدودا، ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات نحو حلول مستدامة على المدى المنظور، ليس بسبب استحالة الوصول إلى حلول سياسية ممكنة للأزمة في اليمن ولكن بسبب الرغبة الجامحة لدى أطراف الصراع و«أمراء الحرب» باليمن في إبقاء الوضع على ما هو عليه من حالة الاحتراب للحصول على أكبر قدر من المكاسب المادية، والذي واكب أيضا رغبة خارجية لتدمير كافة مقومات الدولة لإبقاء اليمن هشّا ضعيفا يسهل السيطرة عليه والتحكم بمصيره الحالي والمستقبلي.
مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ أوضح مؤخرا في حديث لقناة «اليمن اليوم» الأهلية، أن التحدي الحقيقي الذي يواجهه في اليمن حاليا هو عدم وجود «ضمانات» لاتخاذ الخطوات اللازمة للانتقال من الوضع الحالي من الهدنة، إلى خطوات عملية نحو تسوية سياسية شاملة وكذلك تنفيذ وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني.

فشل الجهود
الإقليمية والدولية

ظلّت «الضمانات» الشماعة التي تعلّق عليها الأمم المتحدة – والمجتمع الدولي عموما – فشلها في تحقيق أي خرق في جدار الأزمة، طوال التسع سنوات الماضية، يضاف إلى أن هذا التصريح الأممي يكشف حجم المعوّقات التي تواجه مسار العملية السياسية في اليمن التي يعكف مبعوث الأمم المتحدة، وكذا الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالشأن اليمني، على تحريك عجلتها بأي حال من الأحوال، ويميط اللثام عن مستوى الاخفاقات في تقدّم المساعي السياسية، إثر فشل كافة الجهود الإقليمية والدولية والتي ظلت تدور في «دائرة مفرغة» منذ بداية الحرب الدائرة في اليمن نهاية العام 2014 وحتى اليوم.
وإثر ذلك لم تثمر كافة جهود مبعوثي الأمم المتحدة إلى اليمن أي شيء يذكر على الصعيد العملي، منذ المبعوث الأول جمال بن عمر وحتى الحالي هانس غروندبرغ، وكل ما أنتجته جهودهم هو الأسطوانة المشروخة «حصل تقدّم في المشاورات يمكن البناء عليه» التي يرددونها عقب كل تحرّك دبلوماسي أو سياسي يقومون به، لكن في الواقع لم يلمس الناس أي تقدم ولا ما يمكن البناء عليه، وحتى التوقف الحالي للمواجهات المسلحة المباشرة لم يعد ان يكون «استراحة محارب» بطلب أمريكي، الذي استخدم نفوذه على مختلف الأطراف، ربما لمحاولة إخراج السعودية من «ورطة اليمن» ولو حتى على حساب اليمنيين وامكانية معاودة الاقتتال من جديد بينهم.
التقارب الدبلوماسي السعودي-الإيراني مؤخرا على طاولة المفاوضات ـ السرية والمعلنة – لا شك أنه سيكون على حساب القضية اليمنية، التي تدخّلت السعودية فيها عسكريا عقب سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، من أجل إنقاذ الحكومة الشرعية وإعادتها إلى سدّة الحكم، بعد دحر الحوثيين من السلطة، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث رغم عملياتها العسكرية المكثفة في إطار التحالف العسكري العربي الذي تزعمته الرياض. ويبدو ان السعودية أصبحت حاليا ترغب في الخروج من اليمن «بأي ثمن»، ولذلك تمت مفاوضات معلنة مباشرة بين الرياض والحوثيين، تم تتويجها بزيارة وفد سعودي رفيع إلى صنعاء بقيادة السفير السعودي إلى اليمن محمد بن سعيد آل جابر، في نيسان/ابريل الماضي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية