طريق العصيان المدني الوعر بعد الانقلاب البوليسي الأخير: من أجل ألا يضيع الخيار الديمقراطي من مصر
محمد عبد الحكم ديابطريق العصيان المدني الوعر بعد الانقلاب البوليسي الأخير: من أجل ألا يضيع الخيار الديمقراطي من مصرالعبارات المألوفة في وصف الأوضاع السياسية والعامة في مصر، تعجز عن تقديم وصف حقيقي لما يجري هناك.. فالمفردات المعتادة، من قبيل أن البلاد علي مفترق طرق، أو أنها تواجه مأزقا شديدا.. كل هذا وما شابهه لا يعطي الوصف الدقيق، وقد نستطيع البحث عن الوصف الدقيق من خلال متابعة المصريين بعد أن حزموا أمرهم، وبدأوا طريقا وعرا وطويلا صوب التغيير السياسي والاجتماعي الشامل، وهم الآن يعدون القاطرة التي تقلهم للوصول إلي محطتهم المنشودة. وترتب علي ذلك اختفاء أسئلة من قبيل ما هو البديل؟ وأين الشخص الذي يصلح؟حتي يخيل للمراقب والمتابع أن الاندفاع نحو التغيير قد يلقي بالمواطنين إلي التهلكة، وهو في نظرنا غير صحيح. فإذا ما وصلت بلد إلي الحالة التي تمر بها مصر. يجمع فيها الشعب علي رفض النظام الذي يحكمه، دون مواجهة هذا الموقف والبحث عن حل، فمعني ذلك أنها في سبيلها للانتحار. وسبق أن عرضنا للانحسار الشديد في القاعدة الاجتماعية التي يرتكز عليها حكم مصر، وظهر من هذا العرض أنه لم يتبق إلا عصبة محدودة للغاية، مكونة من رجال أعمال ومحتكرين، وذوي مصالح، ترتبط بـ عائلة مبارك ، ارتباطا مباشرا وعضويا، بشكل أفقد الحكم شرعيته السياسية والدستورية والأخلاقية، ولم يتبق إلا شرعية بوليسية ، إذا جاز التعبير، وهي تجلب من المفاسد أكثر مما تحقق من المنافع.وتتلازم زيادة معدلات الرفض مع زيادة إجراءات الترويع، وأغلقت الأبواب أمام حلول تخفف من الاحتقان الاجتماعي، وتحد من التوتر السياسي، وتقلل من قساوة المواجهة، وحكم يري هذا الوضع ومع ذلك يحمل كل هذا الإصرار علي الاستمرار، ففي ذلك تحد كبير للرأي العام، حتي ضاقت فرص إنقاذ ما يمكن إنقاذه. والمشهد العام تتوزع فيه فيه الصور.. أفراد عائلة حاكمة محاصرون داخل حصون وقصور ومستوطنات، معروفة بالمنتجعات، وفي صورة أخري تجدهم في حالة اشتباك دائم مع المجتمع والدولة، وعلاقة مقطوعة مع المواطن، ولا تجد أحدا منهم يعرف عن المواطن أو مشاكله وأوضاعه شيئا، والصورة الجامعة هي لأصحاب المصالح الضيقة، ممن سيطروا علي السلطة، واستولوا علي الثروة، وملكوا النفوذ، وهذا جعل حدود الحلول والمشروعات هي حدود المصلحة العائلية، واقتصرت علي شراء الوقت، بحثا عن الحماية وعدم الوقوع تحت طائلة المحاسبة والمساءلة، وتشعر وأنت تتابع هذه الحالة الفريدة أن المواطن يواجه سلطة بلا عقل ولا قلب ولا خيال ولا كرامة ولا خلق، فوضعت المجتمع والدولة أمام اللاخيار، إلا ذلك الخيار الذي تفرضه العائلة ، وهو لا يخلو من سخف، ويعبر عن تخلف عقلي واضح.. خيار يقول بالقبول بحكم عائلة مبارك أو مواجهة خطر الإسلاميين، وتحديدا خطر الإخوان المسلمين، وهذا في حقيقته ليس خيارا، فالخطر الإخواني المفترض، يؤخذ مبررا لفرض الوصاية علي المجتمع والدولة، بدعوي الحماية من خطر التطرف والإرهاب، وهذا عبرت عنه المذبحة الدستورية الأخيرة. وقصرت الخيار علي حسني مبارك، وولده من بعده، وقد يعدل هذا الخيار، إذا ما حدث لجمال مبارك مكروه، لينتقل إلي سوزان مبارك، فتصبح بديل الأب والإبن. فالابن الأكبر، علاء، يفضل المشروعات التجارية، وترك السياسة لبقية أفراد العائلة ، وسوزان مبارك، التي وصلت إلي سن السادسة والستين، تحيط ابنها، الرئيس ، بحماية تتجاوز الحماية المقررة لحسني مبارك نفسه، خوفا عليه من هذا المكروه.ومن الصعب ضبط إيقاع التطورات علي هوي وتطلعات المشروع العائلي، وإذا ما علمنا أن المشروعات العائلية ذات طبيعة بدائية، وتقوم علي الأنانية والفردية فإن هذا يكشف طبيعة مصدرها وبدائيته ومستواه. وهذا المشروع المسيطر علي المشهد السياسي ضروري للتغطية علي الفساد المستشري، مما جعله يقصر دوره علي تلبية الحاجات الخاصة والمحدودة، وكلها علي حساب عموم المواطنين، وبذلك افتقد القاعدة الاجتماعية السياسية، التي بدونها لا يستقر نظام ولا ينصلح حال حكم. وهذا المشروع يستخدم فزاعة الإخوان لابتزاز الغرب، وترويض مثقفين قلقين من تزمت سلفي ساد، تجاه الآداب والفنون والثقافة والفكر. و عائلة مبارك تتصور أنها قادرة علي كسب الجولة لصالحها، أو ينتهي الأمر بعقد صفقة مع الإخوان يحصلون بموجبها علي حصة من عائد الاستبداد والفساد والتبعية، اعتمادا علي قناعة لديها بأن الإخوان يرغبون في الحكم، وهم علي استعداد لتقديم التنازلات اللازمة من أجل ذلك. وإذا كان الأمر كذلك فإنه يعني أن العقل الموجه للإخوان لا يتعلم من تجاربه. ومع أن الثمرة قد نضجت، ودخلت مصر مرحلة القطاف، فمن الملاحظ أن نهج التردد وغياب المبادرة لن يجعل الثمرة تسقط في حجر مكتب الإرشاد. والانطباع الذي يخرج به المراقب المتابع لمسيرة الإخوان هو أن الإخوان يسعون للوصول للحكم منفردين، فيسهل علي الأمن ضربهم، في نفس الوقت الذي يتعطل فيه قيام الجبهة الوطنية، التي تفتح الطريق أمام الحل.وعلي الإسلاميين أن ينظروا حولهم، وعلي سبيل المثال، لو نظر الإخوان المسلمون حولهم لوجدوا أن فرصتهم التاريخية مواتية للعب دور محوري ورئيسي في صياغة شكل الحكم القادم والمشاركة فيه، وإذا لم يقتنصوها فلا يلومن إلا أنفسهم، وقد لا تتاح لهم مرة أخري، فوزنهم التنظيمي هو الأكبر بين القوي السياسية، وشبكات الخدمات واستثمارات رجال أعمالهم وشركاتهم، هي الأكثر انتشارا، وأغلب القوي السياسية تساند وتقر بحقهم المشروع في العمل السياسي والمشاركة في الحكم.. شيء لم يتح من قبل، وعدم استثمار ذلك سياسيا يشكك في قدرة مركز التوجيه المسؤول في الجماعة، وإذا كان هذا الاستنتاج صحيحا، وأرجو ألا يكون كذلك، فإنهم يمارسون الخطيئة التي تقترفتها عائلة مبارك .. خطيئة عدم الاعتراف بالقوي المجتمعية، التي تتنوع وتتعدد بتعدد المصالح والأيديولوجيات والأفكار، وأنصبة المواطنين من الثروة الوطنية، بجانب الفروق الفردية والجماعية التي تصب في هذا التنوع وذاك التعدد، ومرة أخري إذا كان ذلك صحيحا فإنهم لا يختلفون عن أصحاب الفسطاطين .. فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر.. انسجاما مع طرح جورج دبليو بوش، الذي قال إما معنا أو مع الإرهاب ، وإذا كانت الجماعة ما زالت تراهن علي وحدانية التصرف، فإنها ستدفع ثمنا من العزلة والصدام مع القوي الأخري. وإحجامها عن النزول إلي الشارع، في عصر أصبح الشارع فيه هو ميدان الفعل وساحة التغيير، يقلل من وزنها والرهان عليها. وقد يكون للمال ومصالح رجال الأعمال من أعضاء الجماعة أثر علي ما أصابها بالتكلس، ويساعد علي ذلك تهميش الفقراء ومحدودي الدخل من أعضائها، بعد أن حصرت مشروعاتها في نطاق العمل الخيري ، وهو شيء لا غبار عليه، لكنه ليس كافيا لجماعة ترفع راية الإصلاح، عليها أن تتحمل المسؤولية في مجال تصحيح المسار الاقتصادي وإعادة توزيع الثروة ليعود التوازن إلي المجتمع فيعمه السلام الاجتماعي المفتقد، بعد أن تم تجريده من ثروته، التي منحت لنفر من السياسيين والاحتكاريين ولصوص المال وأباطرة غسيل الأموال. وقد يكون ذلك هو الذي أضعف تأثيرها بين العمال والفلاحين، وأعني هنا التأثير السياسي وليس الديني، في المساجد والزوايا ولقاءات الأسر الأسبوعية وقراءة الأوراد والأدعية، وأعطي لليسار والقوي القومية الفرصة للاحتكاك والتواصل مع هذه القوي المضطهدة. وحتي الطلاب، رغم استقطاب الجماعة لهم إلا أن كثيرا منهم ابتعد عن النشاط الوطني، وانشغلوا بالتفتيش في الأفكار والنوايا وما بين الصدور، فتحديهم لأفكار نوال السعداوي، فاق موقفهم من الغزو الأمريكي للعراق، ويبدو أن ذلك يرجع إلي تعاون زملائهم هناك مع الاحتلال، ويشاركون فيما يعرف بالعملية السياسية التي تشرف عليها سلطات الغزو، ومن الصعب أن نجد تفسيرا مقنعا لهذه الازدواجية!! يضاف إلي ذلك أن الإخوان مثلهم مثل عائلة مبارك يتجاهلون ما يعرف في مصر بمؤسسات القوة، وأهمها الجيش، كلاهما أسقطه من الحساب، وكان إبعاده أحد أهم حوافز المذبحة الدستورية التي جرت في السادس والعشرين من الشهر الماضي، ولم تكن سوي انقلاب بوليسي لقطع الطريق علي أي بادرة تعاطف من جانب القوات المسلحة مع مطالب المواطنين، وقد يستغرب البعض من إمكانية وقوع انقلاب بوليسي ، فالعادة أن الانقلابات تقوم بها الجيوش، ومن المألوف أن يسمع الناس ويعيشوا الانقلابات العسكرية، لكنهم لم يألفوا إنقلابا بوليسيا ، لكن متابعة بسيطة لما يجري علي الساحتين الفلسطينية والعراقية، يفسر هذه الظاهرة الجديدة. فقد تم حصر الحكم في السلطة الأمنية، أي البوليسية، وهو ما يبين اتجاه الريح الهابة علي المنطقة، فالعدو المفترض ليس ذلك المتربص خارج الحدود. عدو السلطتين العراقية والفلسطينية في الداخل، ويجب ترك شأن الدفاع الوطني لقوات الاحتلال، ويصير من مهمة الجيوش الأجنبية، بقواعدها المنتشرة في الوطن العربي وحوله. و المذبحة الدستورية كفلت لسلطة الأمن والشرطة موقع أم السلطات ، فالمعركة القادمة، في مصر، داخلية وضد المواطن، وفي مواجهة الحراك الوطني المتصاعد.وفي الوقت الذي يتهيأ فيه الأمن للصدام مع المواطنين، وفي ظرف تشيع فيه ثقافة الاحتجاج علي أكثر من صعيد، وبين أكثر من قوة سياسية واجتماعية، وخدمة لهذا التوجه تفتعل معارك فرعية.. تبدد الجهود، وبدأ البعض يختلف علي جلد الدب قبل اصطياده، ومع ذلك فإن احتمال الفوضي ضعيف، ولن تنال تأييد حسني مبارك، إلا أن مشكلتها أنها تحولت إلي أيديولوجية سياسية لقوي يحركها ابنه وأخري يتحرك لحسابها، وتخدم من يعدم الأنصار والمؤيدين.. يري فيها أنها تهيئ له الفرص وتمنحه الفسحة اللازمة لاصطياد اليائسين والمرتزقة والمخربين والبلطجية والعملاء، وتنظيمهم وتمويلهم لتنفيذ مخطط أصحاب نظرية الفوضي الخلاقة ، والنفاذ إلي خلايا المجتمع والدولة، وهؤلاء يتم الاعتماد عليهم ليجعلوا من الفوضي مبررا للتدخل الخارجي، وهو هدف مطلوب علي المديين المتوسط والبعيد، لتفكيك الدولة وإعادة تركيبها من جديد، علي أسس طائفية ومذهبية ومناطقية، وهذا الاحتمال وإن بدا ضعيفا الآن، بسبب الحراك الوطني، الذي أفرز للشارع جهاز توجيه وطني قادر، وعقل سياسي مبدع، لم يكن موجودا من قبل، تمثل في جماعات التغيير الجديدة، ورموز ومفكرين وقادة من كافة الفئات والأعمار. بدءا من كفاية إلي غيرها من حركات الاحتجاج المنتشرة في طول البلاد وعرضها، ولعبت كلها أدوارا في نشر ثقافة الاحتجاج، وتعميم مطلب التغيير. هذا الاحتمال غير مستبعد، في حالة عدم تمكن المصريين من التغلب علي آثار ونتائج المذبحة الدستورية الأخيرة.9