طريق ستيفن هوكينج… الكون في ضوء النماذج

حجم الخط
1

يقدم ستيفن هوكينج عالم الفيزياء الشهير (8 يناير/كانون الثاني 1942 – 14 مارس/آذار 2018) في كتاباته المتعددة، صورة عميقة عن الكون وموقعنا فيه، في شكل مبسط، يصيب بالرهبة والتأمل، وهذا التناول كان من العوامل الأساسية التي أهلته لأن يتربع عقول الناس وقلوبهم، بمختلف فئاتهم حول العالم.
نلاحظ في ذلك السياق، تتبعه تطور النماذج التفسيرية للكون على مدار التاريخ، من الأساطير كبنية تفسيرية إلى القوانين التي تحكمه، وأنه خُلق وفقا لمخطط يمكننا فك شيفراته وقراءته ذات يوم.
يرى صاحب كتاب «الثقوب السوداء» أن نظرية الفيزياء هي مجرد نموذج رياضي نستخدمه لتوصيف نتائج الملاحظات. فعالمنا الفيزيائي تحكم سلوكه قوانين، فعلى مستوى حركة الأجسام يمكننا تحديد موقعها الدقيق في كل لحظة من الزمن، وهو المستوى الأكبر الذي تصفه قوانين نيوتين وآينشتاين، وعلى المستوى الذري وتحت الذرى، الذي كان بحاجة إلى إطار مختلف، فكانت فيزياء الكم بمفاهيمها التي تصطدم مع مفاهيمنا العامة المبنية على التجارب اليومية، مثل مفهوم فاينمان (1918-1988) بأن ليس لدى النظام تاريخ واحد فقط، ولكن لديه كل تاريخ ممكن، وهذا المعنى الواسع هو ما يفسر تجربة «قطة شرودنجر»، فثمة قطة وضعت في صندوق محكم الغلق، وهناك بندقية مسددة إليها، وسوف تنطلق البندقية لو حدث اضمحلال في نواة مشعة، واحتمال أن يحدث ذلك هو خمسون في المئة. بعد فتح الصندوق يمكننا التأكد من أن القطة ميتة أو حية، ولكن الإشكالية قبل فتح الصندوق، فلم يقبل البعض فكرة أن تكون القطة نصف ميتة ونصف حية، مثل عدم قبول أن تكون المرأة نصف حامل، وذلك لأنهم يستخدمون مفهوما كلاسيكيا للواقع، حيث يكون للشيء تاريخ واحد فحسب، في حين أن كل النقطة المهمة في ميكانيكا الكم، كما يؤكد هوكينج هي أن لها نظرة مختلفة للواقع، وحسب هذه النظرة فإن الشيء لا يكون له تاريخ واحد وحسب، بل له كل التواريخ الممكنة، وفي مثال شرودنجر فإن القطة تكون ميتة وحية، وفى ميكانيكا يمكن لكلا الاحتمالين أن يكونا معا، في تواريخ متجاورة يعزز أحداهما الآخر.
ولأن الناس يعيشون في الكون، ويتفاعلون مع الأشياء الأخرى في داخله، فتحكم سلوكياتهم أيضا قوانين إذا جاز التعبير، وبالتالي فإنه يخضع لما يسمي بنظرية التأثيرات، وهي «إطار تم وضعه لعمل نموذج لبعض الظواهر التي تتم مشاهدتها بدون وصف تفصيلي لكل العمليات التي تقوم عليها». ويرى هوكينج بما أننا لا نستطيع حل المعادلات التي تحدد سلوك الإنسان، فإننا نستخدم نظرية تأثيرات تقول: بأن الناس لديهم إرادة حرة ودراسة إرادتنا، والتصرفات الناجمة عنها. هي ما يسمي بعلم النفس والاقتصاد، مع افتراض أن الناس تقوم بتقييم البدائل، عن طرق أفعالهم الممكنة، ويختارون الأفضل. وتلك النظرية ناجحة في التنبؤ بسلوك الإنسان على المدى المتوسط فقط، لأن قرارات الناس ليست عقلانية أو منطقية غالبا، أو إنها تقوم على نقص في تحليل تبعات اختيارهم، ولهذا يكون العالم في هذه الفوضى.
ويُكمل هوكينج ذلك الإطار المفاهيمي، في تشبيه يقترب من مفهوم الحقل الدلالي في اللغة، فيقول في كتابه «التصميم العظيم» عن «النظرية أم» بأنها ربما تمثل نقطة النهاية، للنظريات النهائية للكون. كخريطة كاملة لقراءته وفهمه من جزئياته إلى كلياته، وهي ليست نظرية بالمعنى المعتاد، بل عائلة كاملة من النظريات المختلفة، كل منها يعد وصفا جيدا للملاحظات في إطار بعض الحالات الفيزيائية فقط. كما خريطة الأرض فكل جزء منها يصف منطقة معينة، ولكنها تبقى في مجملها نموذجا مجردا عن الأرض تحتوي العناصر الأساسية لها، ولكنها ليست الأرض ذاتها.
ويكمن وراء ذلك المخطط العام لفهم الكون الذي قدمه هوكينج، المقاربة التي أطلق عليها «الواقعية المعتمدة على النموذج» (model-dependent realism) ، وتقوم على فكرة «أن ادمغتنا تترجم الإشارات الواردة من أعضائنا الحسية بعمل نموذج للعالم الخارجي، وعندما ينجح هذا النموذج في تفسير الأحداث، نميل لأن نعزو إليه، وإلى العناصر والمفاهيم المكونة له، نوعية الواقع أو الحقيقة المطلقة، ولكن قد تكون هناك طرق مختلفة، يمكن من خلالها للمرء أن يضع نموذجا للوضعية الفيزيائية نفسها، ويوظف فيها مفاهيم وعناصر أساسية مختلفة وبالتالي «لا وجود لمفهوم صورة أو نظرية» مستقلة عن الواقع، فمفاد فكرة «الواقعية المعتمدة على النموذج» أن النظرية الفيزيائية، أو الصورة المتكونة عن العالم ما هي إلا نموذج (ذو طبيعة رياضية عموما) مع مجموعة الأحكام التي تصل مواد هذا النموذج بالرصد، الأمر الذي يوفر لنا إطارا لتفسير العلم الحديث.
وتمتد تلك النماذج من العلم إلى الحياة اليومية أيضا، فيبني الإنسان النماذج الذهنية عن الأشجار والبيوت والناس والكهرباء والأشياء الأخرى، من خلال المعالجة الحسية، وتلك النماذج الذهنية هي الواقع الوحيد الذي نعرفه، وبالتالي إدراكنا، ومن ثم ملاحظاتنا، التي توطد هذه النماذج أو تغيرها، ولا يوجد اختبار للواقع مستقل عن النموذج، ويلي ذلك أن النموذج المشيد جيدا يخلق واقعاً خاصاً بذاته.

ما قدمه هوكينج عن الواقعية القائمة على النموذج، هو مدخل عملي يلائم طريقة رؤية الإنسان للعالم وتشكلها، فالنموذج يصف الواقع الفيزيائي، والواقع الفيزيائي يهب النموذج القرب من الحقيقة، بواسطة الملاحظة والتنبؤ، فهو يقدم النموذج في يد، وتحت يده الأخرى الواقع والتجربة والملاحظة.

والمثال الشهير للصور المختلفة عن الواقع وتطور النماذج، هو النموذج الذي قدمه بطليموس (85- 165)، لوصف حركة الأجسام السماوية، وأن الأرض مركز الكون، وأنها لا تتحرك وتدور حولها الكواكب والنجوم، وتم اعتماد هذا النموذج من قبل الكنيسة الكاثوليكية، وصار مذهبا رسميا لأربعة عشر قرنا، حتى جاء كوبرنيكوس الذي وصف العالم باستقرار الشمس في مركزه، وأن الكواكب تدور حولها، ويتساءل هوكينج «أيهما هو الحقيقي نظام بطليموس، أم نظام كوبرنيكوس؟» ويجيب «أنه ليس من غير الشائع القول بأن كوبرنيكوس قد أثبت خطأ بطليموس، إلا إن ذلك غير حقيقي، فيمكن للمرء استخدام أي من الصورتين كنموذج للكون، وبالنسبة لملاحظاتنا عن السماوات، فيمكن تفسيرها بإرجاعها إلى استقرار الأرض أو الشمس. ويرُجع ميزة نظام كوبرنيكوس ببساطة، لأن معادلات الحركة فيه كانت أبسط بكثير في الإطار المرجعي، الذي تكون فيه الشمس مستقرة». وكما يؤكد فيلسوف العلوم كارل بوبر أن النظرية الجيدة هي التي تتميز بتقديم عدد من التنبؤات، التي من الممكن من حيث المبدأ دحضها أو إثبات عدم خطئها بالملاحظة. وهي تأكيد لمعيار قابلية التكذيب، وهو ما يشبه فكرة أن تولد النظرية بخاصية التدمير الذاتي، وهذا ما يجعل منطقيا ما قدمه هوكينج ضمن شروط النموذج الجيد، بأن يحتوي على القليل من العناصر الاعتباطية والقابلة للتعديل، وإمكانية دحضه، أو تأييده من قبل التنبؤات والملاحظات.
ومن جهة أخرى فإن الواقعية المعتمدة على النموذج، تذيب الجدل والنقاش الدائرين بين مدارس التفكير الواقعية واللاواقعية، فيري هوكينج أن الواقعية تقوم على أن هناك عالما خارجيا حقيقيا، تكون خصائصه محددة ومستقلة عن الملاحظ الذي يدركها. وفي هذه الرؤية فإن نظرياتنا، هي عبارة عن محاولات لوصف تلك الأشياء وخصائصها، وتعتبر الواقعية «وجهة نظر» مغرية، إلا أن ما نعرفه عن الفيزياء المعاصرة، يجعل من الصعب على المرء الدفاع عنها. فعلى سبيل المثال، وفقا لمبادئ ميكانيكا الكم، التي تعتبر وصفا دقيقا للطبيعة، فإن الجسم ليس له موضع محدد ولا سرعة محددة حتى يتم قياس هاتين الكميتين بواسطة ملاحظ. فالأشياء الفردية ليس لها وجود مستقل، ولكنها فقط تتواجد ضمن مجموع أكبر. وهي نسخة حديثة من أننا جميعا يمكن أن نكون محض خيالات في حلم شخص آخر.
أما اللاواقعية فتحيط بها مقولة جورج بيركلي (1685- 1753) «لا يوجد أي شيء سوى العقل وأفكاره» وعندما علم صديقه مؤلف القواميس الإنكليزي الدكتور صامويل جونسون (1790- 1784) بمقولته، يقال إن جونسون سار باتجاه صخرة كبيرة ثم ركلها معلناً «أنا أدحضها هكذا» وبالتالي فهو لم يدحض فعلياً فكرة بيركلي، لأن الألم أيضا مجرد فكرة في الذهن. لكن فعلته أوضحت نظرة الفيلسوف ديفيد هيوم (1711- 1776) « على الرغم من عدم وجود أسباب عقلانية تدعونا للاعتقاد في الواقع الموضوعي، إلا أننا أيضا لا نمتلك خياراً سوى التصرف على أنه حقيقة».
ومن هنا فإنه وفقا للواقعية المعتمدة على النموذج لا جدوى من السؤال عما إذا كان النموذج حقيقيا أم لا؟ إن كان يتلاءم مع الملاحظة. والمشكلة الأخرى التي تحلها الواقعية المعتمدة على النموذج، أو على الأقل تجنبها، وهي معنى الوجود. فكيف لي أن أعرف أن المنضدة ما زالت موجودة إذا خرجت من الغرفة، ولم أعد أستطيع رؤيتها؟ تلك الإشكالية التي طرحها برتراند راسل في كتابه مشكلات الفلسفة. وماذا يعني القول إن الأشياء التي لا نستطيع رؤيتها كالإلكترونيات والكواركات – التي يقال إنها تُكون البروتون والنيوترون موجودة؟ يمكن للمرء أن يمتلك نموذجاً للمنضدة، تختفي فيه المنضدة عندما أغادر الغرفة، وتعاود الظهور في الموضع نفسه، عندما أعود، وهكذا، فالنموذج الذي تبقى فيه المنضدة ولا تختفي هو أكثر بساطة، ويتوافق مع الملاحظة. وهذا كل ما يحتاجه المرء كما يؤكد هوكينج.
ونخلص إلى القول بأن ما قدمه هوكينج عن الواقعية القائمة على النموذج، هو مدخل عملي يلائم طريقة رؤية الإنسان للعالم وتشكلها، فالنموذج يصف الواقع الفيزيائي، والواقع الفيزيائي يهب النموذج القرب من الحقيقة، بواسطة الملاحظة والتنبؤ، فهو يقدم النموذج في يد، وتحت يده الأخرى الواقع والتجربة والملاحظة. فلا واقع بدون نظرية ولا نظرية بدون واقع، وكلما اقتربنا من الواقع الفيزيائي، تجردت المفاهيم القائم عليها النموذج في شبكة من العلاقات الرياضية المعقدة، التي تصف ذلك الواقع. وتكمن أهمية ذلك المنهج في سعته وامتلاكه مزيجا وسطا بين الواقعية واللاواقعية والتنوع، فهناك نماذج، وهناك رؤى، وليس رؤية واحدة، وفلسفات، وليس فلسفة واحدة، ونماذج وليس نموذجا واحدا، وأزمنة وليس زمنا واحدا. وبالتالي فإن هذا الثراء من التعدد للرؤى عن العالم، سيؤدي إلى مزيد من التفاهم، وتعدد وجهات النظر، وإمكانية التواصل بلغات يفهمها الجميع، تقوم على أثر في الواقع، تمتد وتتسع، ولكنها تبقي قابلة لاستقبال آراء أخرى، تقربنا من الحقيقة، وإن كانت تنصب على الكيفيات، فربما تكون الإجابة على سؤال «كيف؟» هو الطريق للوصول للسؤال المعقد «لماذا؟» وتشظيه الدائم في عقل الإنسان وروحه.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية