بعد أكثر من عامين على انتشار فيروس كورونا وسلالاته المتعددة لا تزال الدول تكافح وتبحث في الكيفية التي يمكنها القضاء عليه، وقفه أو التعايش معه. وترك كوفيد-19 أثره على كل مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبات التطعيم ضد اللقاح أو رفضه سلاحا يشل حركة التجارة والحياة العامة كما شاهدنا خلال الأسابيع الماضية في أوتاوا ويندسور، حيث أغلق سائقو الشاحنات جسرا حيويا مع الولايات المتحدة وأدى لوقف أو إغلاق شركات صناعة السيارات عملياتها بسبب توقف سلسلة الإمدادات. ونسخ متظاهرون في استراليا وفرنسا وإسرائيل احتجاجات سائقي الشاحنات الكنديين. وخسر لاعب التنس الصربي نوفاك جوكوفوفيتش مشاركته في بطولة استراليا المفتوحة للتنس لرفضه التطعيم.
ولا يزال كوفيد-19 ومتمحور دلتا وأوميكرون الأسرع انتشارا يصيب أعدادا في هونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية وهي دول أعلنت نهاية الحرب على الوباء. ورغم الإنجازات العلمية التي شهدها العامان الماضيان في مجال تصنيع اللقاحات حيث تنافست الدول وتعاونت من أجل إنتاج لقاحات متعددة للحد من الوباء، وهي إنجازات لم يشهدها التاريخ الطبي من قبل، فلدينا الآن لقاحات أمريكية وبريطانية وروسية وصينية، إلا أن الوباء لم يختف في ظل التباين في القدرات وتفضيل الدول مواطنيها على بقية مناطق العالم، في وقت استخدمت فيه الدول اللقاحات كوسيلة للتأثير كما في حالة الصين وروسيا التي سوقت للقاحها «سبوتنيك» في أفريقيا إضافة إلى صناعة السلاح كما أشارت دراسة نشرتها مجلة «فورين افيرز» (17/2/2022). ولهذا كانت خطوة إيجابية عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية عن منح تكنولوجيا «ام أر أن إي» لست دول أفريقية وهي مصر وتونس وكينيا والسنغال وجنوب أفريقيا ونيجيريا لزيادة نسبة الجرعات المنتجة وتوفيره للدول الأفريقية التي لا تزال نسب التطعيم ضد كوفيد-19 متدنية. وهو ما أدى بمجلة «إيكونوميست» (19/2/2022) للتعليق على أن صناعة اللقاحات في أفريقيا تعتمد على تنمية القطاع الخاص، وبدون أن يحدث انحراف في التركيز فالقارة ستظل في نهاية الطابور. وأشارت إلى أن تلقي 4.9 مليار نسمة حول العالم تطيعما واحدا على الأقل، بأنه نتاج مزيج من العبقرية والقطاع الخاص والمغامرة والتحركات الحكومية الفعالة. ويظل هناك 3 مليارات نسمة ينتظرون اللقاحات. وسجلت أفريقيا الأسوأ في المنافسة على توفير اللقاحات، فنسبة تقديمها لم تتجاوز 3.6 في المئة من مجمل اللقاحات التي تم تقديمها عالميا، وهذا راجع إلى التردد وفي جزء منه إلى عدم قدرتها الحصول على الإمدادات وتوزيعها. وحاولت حكومات القارة الهروب من الطابور وانتقدت شركات الأدوية العالمية من خلال داعميها في العالم الغني وطالبت بتعميم حقوق الملكية لكي تتمكن من إنتاج اللقاحات محليا. وترى المجلة أن هذه فكرة سيئة، بسبب استثتمارات الشركات في اللقاحات، والتي زادت نسبتها من 5.7 جرعة قبل الوباء إلى 15.4 مليار جرعة في الوقت الحالي، ذلك أن الإستثمار أصبح مربحا، وربما وصل إلى 19 مليار جرعة. وزادت نسبة رأس المال المستثمر في مجال اللقاحات عن 2019 بنسبة 29 في المئة. وهي زيادة مرحب بها، والمشكلة هي أن الإنتاج يظل محليا وجهويا، وفي الأزمنة العادية يباع اللقاح في الأسواق، لكنه في زمن الوباء يصبح عرضة لتأثير العقود وسلاسل التوريد. ويمثل سكان القارة الـ 1.3 مليار نسمة نسبة 17 في المئة من سكان العالم وبقدرات إنتاج للقاح لا تتعدى 1 في المئة. وهناك إشارات عن التحسن، فبيونتك الرائدة في لقاحات «أم أر أن إي» تخطط لنظام تصنيع معياري في أفريقيا وكذا موديرنا المنافسة لها. ويريد الاتحاد الأفريقي خلق خمس مناطق إنتاج في العقد المقبل، وتخطط السنغال لبناء منشأة لإنتاج لقاح ضد كوفيد بقيمة 200 مليون دولار مع معهد باستور. ولن تقدم هذه المشاريع قدرات إنتاجية في المدى القريب. فمشروع بيونتك لن يقدم سوى 60 مليون جرعة في العام. والاقتصاديات الصاعدة ليس مكتوبا عليها البقاء في موقع الضعف، فالصين والهند لديهما قدرة مجتمعة على إنتاج 3 مليارات جرعة سنويا. ويمكن لأفريقيا التقدم لو اجتذبت المال الخاص. وكل هذا يرتبط بقبول الدول الأفريقية التعامل مع شركات الأدوية واحترام حقوق الملكية وتشريع تنظيمات والتعهد بشراء كميات من الإنتاج لمدة معينة، خاصة أن الطلب على اللقاحات قد يقل في مرحلة ما.
كفاح مستمر وسياسات متعجلة
وكافحت دول العالم لمواجهة دورات انتشار الفيروس عبر الإغلاقات الطويلة أو القصيرة المدى ومن خلال التأكيد على قيود التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات وفرض التطعيم على كل المواطنين، وفي كل مرة تتخذ فيها الحكومات قراراتها فإنها لا تنسى أثرها على الاقتصاد ومعدلات التضخم الناجمة عن توقف سلاسل التوريد. وتعتبر بريطانيا من الدول التي عانت بسبب سياسات الحكومة المتأخرة لمواجهة الفيروس. وهي تحضر اليوم لإلغاء كل القيود التي فرضتها على المواطنين بما في ذلك الحجر الصحي حالة الإصابة. فمع تراجع حالات الإصابة بأوميكرون، سارعت الحكومة لرفع شعار «التعايش مع كوفيد» وهو ما يعني رفع كل القيود القانونية على المواطنين. وأعلن رئيس الوزراء بوريس جونسون عن إنهاء كل القيود بحلول 24 شباط/فبراير أي قبل شهر من الموعد الذي حدده وبدون تقديم تفاصيل. وهناك في المجال الطبي من يرى الخطوة متعجلة. فحسب تقييم أجري في كانون الثاني/يناير وجد أن إلغاء ما أطلق عليها بـ «خطة ب» قد يؤدي إلى عودة الوباء وخاصة «مع تراجع السلوكيات الحذرة بما في ذلك الفحص نتيجة مفهوم انخفاض المخاطر» ومنذ ذلك الوقت لم تتغير أرقام الإصابات. ولكن هذه الأرقام لم تعد مخيفة كما في السابق، ذلك أن التطعيم والمناعة من العدوى تعني أن زيادة في الحالات لن تترجم إلى عشرات الآلاف من الوفيات. ومع ذلك لم تستبعد مجموعة الإستشارة الطبية للطوارئ «سيج» في مرحلة ما زيادة حالات دخول المستشفيات مما سيترك أثره على الخدمة الصحية الوطنية. وكما أشارت صحيفة «الغارديان»(9/2/2022) فيجب أن تكون سياسات الحكومة متوازنة ولا تقوم على فكرة تقليل عدد الوفيات وكما يجب أن تكون قائمة على الأدلة وألا تنسى الجماعات التي تعتبر عرضة للمخاطر. وكان إعلان الحكومة الأخير مثارا للتشوش، بسبب الإنطباع حول عدم حاجة المصاب للعزل. وهو ما دعاها لاحقا لتوضيح موقفها وأنها لا تريد من المصاب بكوفيد الذهاب للعمل مثلما لا تنصح المصاب بالإنفلونزا الذهاب إلى مكتبه. ولأن بعض الإصابات قد لا تكون مصحوبة بأعراض أو انها خفيفة فالسؤال هو عن موقف أرباب العمل، هل سيسمحون لمن هو مصاب بأعراض خفيفة البقاء في البيت وإلى متى؟ وكيف سيتم تطبيق القواعد الجديدة على العاملين في الصحة الوطنية، الذبن كانوا حتى فترة قصيرة يواجهون الطرد من أعمالهم إن لم يتطعموا ضد كوفيد-19. وهناك أسئلة تتعلق بما سيحدث للجماعات الأكثر عرضة والتي لا تستجيب بفعالية للقاحات، وهو ما دعا الجماعات المدافعة لاتهام الحكومة بأنها احتفلت بالعودة إلى الحرية بدون تقديم خطة مفصلة لحماية مرضى الكلى واللوكيميا وغيرهم. وهناك إمكانية لظهور سلالات جديدة للفيروس في المستقبل مما يستدعي الحذر والحيطة. ولا يخفى أن حكومة جونسون لديها أسبابها المتعلقة بالاقتصاد والتضخم الذي شهد ارتفاعا بالإضافة لمشاكل الحزب الحاكم وخرق مقر الحكومة للقوانين التي فرضها على المواطنين وتحقيقات الشرطة، فالأخبار السعيدة ربما حرفت نظر الناس عن هذه المشاكل.
فشل التكهنات
وسياسات بريطانيا ليست منفصلة عن السياسات في العالم بشأن مكافحة الفيروس، فالصين التي تبنت سياسة صفرية وحاولت إبعاد شبحه في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بيجين كان عليها فرض قيود مشددة في المدن الأخرى وداخل قاعات التنافس وبحضور عدد من المشجعين. وهو ما يذكر بدورة طوكيو التي كانت خالية تماما من المشجعين بسبب القيود، وهي الألعاب التي كان الكثير من اليابانيين يرون إلغاءها رغم ما أنفقه البلد من مليارات للتحضير لها. وإذا أردنا متابعة ما نشر وقيل خلال الأعوام الماضية عن قرب نهاية الفيروس فسنجد الكثير من التكهنات المثيرة للسخرية، مثل محاولات البحث عن علاج للفيروس. ولكن العلم انتصر في النهاية ولكنه لم يقض على الخرافة ونظريات المؤامرة التي عششت في ثنايا منصات التواصل الاجتماعي. وهذا لا يلغي أن الفيروس ضحك على من حاول التكهن بنهايته، فهي لن تأتي بسهولة كما كتب العالم مايكل بانغ بيترسن من جامعة أرهوس الدنماركية في «نيويورك تايمز»(4/2/2022). وأشار أنه يمكن للواحد تخيل أن نهاية حالة الطوارئ قد تدعو للفرح إلا أن وضع الوباء لا يزال غامضا وغير متماسك كما كان عند بدايته. وقال إن نسبة الدنماركيين الذي تلقوا اللقاحات وصلت 81 في المئة ولم تؤد زيادة الإصابات إلى أمراض خطيرة خلال موجة أوميكرون ولهذا قرر المسؤولون إلغاء كل القيود. ولم يكن هذا تصرفا ضروريا لان الواحد يمكنه التساؤل عن سبب التخلي عن الحمايات في وقت لم تنخفض فيه حالات الإصابة بالدنمارك. وكباحث ومستشار للحكومة الدنماركية في الوباء فقد أكد دائما على أهمية المقايضة بين الوفيات، الاقتصاد والرفاه العام والحقوق الدستورية. وأظهرت الدراسات التي قام بها فريق الباحث غالبية الدنماركيين يدعمون إلغاء القيود. ففي بداية الأزمة كان قلقهم الرئيسي هو عن عدم قدرة المستشفيات استيعاب الحالات، وقد ذهب هذا الخطر فهم لا يمانعون من الخروج من حالة الطوارئ. وهو وضع مشابه في ست دول أوروبية والولايات المتحدة. وبالنسبة للدنماركيين فهم لا يمانعون من العودة إلى حالة الطوارئ لو زادت الحالات، لكن ليس هذا هو حال بقية الدول التي لا يثق فيها السكان بحكوماتهم وغير متأكدين من هدف القيود. وكشف البحث الذي قام به فريقه عن أزمة ثقة في عدد من المجتمعات بمن فيها الدنمارك، وأن هناك حالة من الإجهاد والثمن الذي دفعه الأفراد وفقدان تواصل. وحتى وقت قريب، فقد الناس الثقة بالحكومة لأنها اتخذت إجراءات مشددة، لكن أوميكرون قضى على ما تبقى من ثقة حتى بين من دعموا سياسات الحكومة. وعليه فرفع القيود وسط زيادة في الحالات يعني خيانة بعد عامين من محاولة تسطيح المنحنى. ولم تعد عوامل الرد على الوباء قائمة وهي التواصل والثقة والحس بالتهديد المشترك. وقد يؤدي هذا لنزاعات اجتماعية بحيث لا يستطيع القادة تحريك الدفة والخروج من الأزمة. وناقش الناس ولعامين أهمية الكمامات وجوازات التطعيم بدرجة لم تعد رأيا بل هويات. وعندما تصبح الآراء مواقف فهي تحرف الفهم وتجعل من الصعوبة تغييره. ويتميز الجميع بالتحيز، ففي أمريكا يبالغ الجمهوريون بتقدير مخاطر التطعيم أما الديمقراطيون فيبالغون بتقدير مخاطر المرض. وبدون حس مشترك بالمخاطر وتحمل القيود فمن الصعوبة ردم الخلافات وبناء إجماع حول الطريقة التي يمكن من خلالها إنهاء الأزمة. وفي مرحلة ما ستصبح عملية النظر لكوفيد بمثابة فحص روشاك، حيث يرى كل واحد الأمور بطريقة مختلفة، فمن يخشى زيادة الحالات يرى حالات مرتفعة في كل مرة تزيد فيها الإصابات مما سيزيد من موقفهم حول استمرار ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي. أما الأشخاص الأقل عرضة للإصابة فسيركزون على المخاطر الأقل ويعارضون القيود. وهذه الخلافات في الرؤية ستخلق تشوشا في غياب القيادة القوية لإدارة دفة الأزمة.
عام الطاعون
وبالمحصلة فكما حدث في أوروبا العصور الوسطى، فمرحلة ما بعد الوباء جلبت معها تغيرا مهما في طبيعة العمل ونظرة الناس للأجور وتعبهم من العمل وشعورهم بالعبثية بعد نجاتهم من وباء قاتل مثل «الطاعون» كما قال أم تي أندرسون مؤلف «إطعام» بمقال في صحيفة «نيويورك تايمز» (16/2/2022). وأشار لما كتبه المؤرخ العربي إبن خلدون عن وباء الطاعون الأسود (1347- 1351) ننقل هنا ما قاله المؤرخ: ”نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة، من الطاعون الجارف، الذي تحيف الأمم، وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها جاء للدول على حين هرمها، وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وقل من حدها وأوهن من سلطانها وتوادعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتفض عمران الأرض انتفاض البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن وكأني بالمشرق الذي نزل به، مثل ما نزل بالمغرب، ولكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون، في العالم بالخمول والانقباض، فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها. وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله، تحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفه وعالم». وتأثرت أوروبا بشكل كبير، فقد كتب المؤرخ الإيطالي جيوفاني فيلاني في 1348 أن «الوباء استمر حتى..»بدون أن يحدد التاريخ وأن «أراض كثيرة ومدنا أصبحت مهجورة». ومثلما قاد الوباء في العصور الوسطى إلى ثورات وانتفاضات وغضب فربما تخيلنا سيناريو مماثلا بعد وباء كورونا الذي أصبح حادثة كونية كما وصف إبن خلدون الوباء في عصره بالحدث العالمي. فماذا سيفعل عالمنا اليوم لمواجهة تبعات وباء كوفيد-19؟