طعم التفاحة

حجم الخط
0

طعم التفاحة

عزت القمحاوي طعم التفاحةمن بين الحقوق التي نالها الانسان مبكراً لحسن الحظ، حق القراءة في المهد؛ فباستثناء غير المرغوب فيهم من ثمرات التشرد ومجهولي النسب الذين يلقي بهم قطعاً زرقاء من اللحم الغض مع الحبل السري ودماء المخاض، يبدأ كل المواليد القراءة في المهد حريراً كان أو خوصاً. كل أم هي شهرزاد مولودها، تهدهده بهديل يتردد صداه في حيواتنا فيما بعد؛ كل حسب وفائه لذاكرة أحلامه؛ بل ان الدراسات الحديثة تؤكد أن أجنة الأمهات الشغوفات بأمومتهن يستمتعن بأغنيات وحكايات ما قبل الولادة.وأظن أن كل أثر للحضارة في سلوكنا، فيما بعد، يعزي الي هذه القراءة المبكرة، التي ان لم تصلح أساساً لقراءات تالية، فقد قامت علي الأقل بدورها في تهذيب الكائن. لاشيء يعوض حنان هذه القراءات الأولي، ولا حتي النشأة في دير التي تلقاها اللقيط غرونوي بطل العطر. وقد نال حظه من حليب أمهات بديلات كن يحسدنه علي شهيته وهو يجبد من أثدائهن في نهم. ولم يكن غير هديل الأم ما افتقده غرنوي وجعله يواصل خنق العذاري بلا رحمة ويتلقي حكم الاعدام من غير أدني وجل!علي أن فترة القراءة الالزامية للأم في المهد تنتهي بعد ذلك بالنسبة لغالبية البشر. تواصل الأمهات القراءة في أسرة الأطفال بشروط ثقافية وطبقية معينة، بينما تقلع معظم الأمهات بسبب اعاقات الأمية والجري علي الرزق عن هذه العادة تاركات أطفالهن لمصائرهن. ولا أحد يعرف أيهم أكثر حظاً: الطفل الذي تتواصل وصاية الأم عليه فتلازمه القراءة بوصفها عادة سلوكية ومتعة مشروعة، أم ذلك الذي ينفطم قسراً، وبدلاً من استمرار هوي القراءة في السرير يعود الي اكتشافها بنفسه فتصير ولهاً سرياً بديلاً عن السرير أو عن الحياة ذاتها؟مازلت أذكر هدهدات أمي، التي انصرفت سريعاً الي المولود التالي، كما أذكر الكتاب الأول الذي سعيت اليه بديلاً للمتعة الحسية. كانت قصة يوسف وزليخة أول كتاب وقع في يدي خارج مناهج المدرسة المسورة جيداً بما لايدع مجالاً لنفاذ المتعة. ويبدو أن الكتاب كان ضمن سلسلة تتوخي تقديم العبر من القصص القرآني للفتيان. لا أذكر المؤلف ولا عنوان القصة، ليس لضعف الذاكرة الضعيفة فعلاً، بل لأن النسخة التي قرأتها كانت ناقصة الغلاف والصفحات الأولي، لكنني أتذكر تماماً رائحة الورق التي صرت أعول عليها كثيراً في قراءاتي التالية. وأصبح تتبع آثار القاريء السابق بعض متعي؛ لأري ان كان توقف أمام المشاهد والكلمات التي استوقفتني، وأراجع موقفي من جمل هممت بالعبور السريع عليها، بينما أقام الآخر حولها سياجاً من الخطوط الحمراء المنذرة. وأحياناً ما أقف علي محاولات للتأليف، محاكاة كانت أو معارضة في الهوامش. ولذلك أستغرب الحرص علي افتضاض الكتاب لدي عديد من القراء، مثل ألبرتو مانغويل الذي يفخر بكونه قارئاً ساخن الدم لايقر بحق الليلة الأولي لقاريء غيره أياً من كان. هذا الحرص علي عذرية الكتاب لايخص مانغويل وحده، انما يشاركه فيه ملايين القراء ـ لا أعرف موقف القارئات ـ وهو ما يجعل من القراءة فعلاً ذكورياً محضاً، فعل افتراء، بينما لاينتبه الرجال المساكين من أمثال مانغويل الي الكتاب بوصفه رحماً، فما البال ان كان القاريء السابق أنثي ومحبوبة؟! يصبح الكتاب في هذه الحالة رحماً مضاعفاً. والعكس صحيح أيضاً؛ اذ تستطيع الأنثي العاشقة أن تشم رائحة ذكرها في كتاب قرأه. ألبرتو مانغويل الذي بني شهرته علي كونه قارئاً علي ذوق قاريء آخر، لايعرف أن قارئاً عربياً واصل قراءة كتابه هو بالذات متحملاً الكثير من لحظات الملل والاطالة لأنه كان يتتبع أثر الأصابع علي صفحات الكتاب بأكثر مما يتتبع تاريخ القراءة الذي اجتهد لتقديمه. أعود الي كتابي الايروتيكي الأول، قصة يوسف وزليخة الذي لم ألتق فيه بأي من وجوه القداسة والورع التعليمي الذي يقف خلف القصة. ومثل الحب الأول ـ القابل للتكرار في مرات نادرة ـ لم ألتق بذات النوع من القراءة التي تقوم بديلاً كاملاً لفعل الحب سوي مرتين: في قصة الحمال والثلاث بنات في ألف ليلة وعشيق الليدي شاترلي. ربما لأن القصص الثلاث تشترك في تقديم اناث يقدن الذكر الي أقاليم المتعة، بينما تتفوق قصة يوسف وزليخة بحجم ما تركته من غموض. ومن حسن حظ البشرية أن وجدت من يبدع قصصاً بهذه العذوبة، ويمكنها أن تؤنس المتوحدين والمتوحدات ممن يفتقدون الفرصة في شريك وكبار السن ممن يفتقدون القدرة علي المشاركة. وما كان لهذه القصص أن تعيش لولا ما تنطوي عليه من نقصان تدعو القاريء الي اكماله. وهذا هو وجه التشابه الأعمق بين القراءة وفعل الحب: المشاركة. النقصان والخوف من النفاد أصل كل شبق، والتعاون طريق كل متعة. وبورخيس الذي لا أملُّ العودة اليه ينقل عن القس بيركلي قوله: ان طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها ـ فالتفاحة بذاتها لاطعم لها ـ وليس في فم من يأكلها، وانما هو في التواصل بين الاثنين . وعلينا أن نتقبل هذا المثال عن طعم الثمرة المحرمة؛ فهو أقصي قدر من الاختراق يستطيعه قس، وينقله عنه بحماس كاتب غير موفق مع النساء كما تقول سيرته التعيسة. وسيان اذا تعلق الأمر بتفاحة أو بامرأة؛ فالنتيجة بالنهاية صحيحة، اذ لاقيمة لنص مهمل في كتاب مغلق، ولاقيمة لنص مكتمل يجيب علي كل أسئلته ولايترك شيئاً للقاريء. ذلك النوع من الكتب يشبه محار أذن البحر يلقح نفسه بنفسه من دون حاجة الي آخر. وسيحسب لبورخيس أنه كان أول من أعاد الاعتبار الي فعل القراءة، لثلاثة أسباب. أولا بسلوكه في الكتابة (حيث لم يفعل في حياته سوي اعادة تدوير قراءاته في أحاجي يسميها قصصاً وأشعاراً) وثانياً في تنظيره لـ صنعة الشعر المحاضرات التي قدم فيها أفضل مديح للقاريء. وثالثاً في تخريجه قراءً نابهين قرأوا له، وقد كان بورخيس في شطر كبير من حياته المديدة قارئاً عبر الآخرين بعدما كل بصره، وهذه سمة ثانية ـ بعد طول العمر ـ شاركه فيها نجيب محفوظ. وهذا يعيدنا مرة أخري الي مانغويل، وقد كانت صحبة بورخيس أهم أمجاده الأدبية، وعرف من خلالها أهمية فعل وفاعل القراءة. وقد رد له القراء الجميل بالاهتمام بكتابه تاريخ القراءة الذي نبه الي أهمية القاريء الشريك بعد طول انحياز من النقد الي جانب الكاتب. ويبدو أن مانغويل لم يكتب بعد كل أسرار تجربته المركبة مع بورخيس، بوصفهما قارئين لنص واحد، كبوهيميين يتشاركان في امرأة واحدة. وربما يكون كتب، لكن مترجمينا ـ النوع الأنبل من القراء ـ لم يأخذوا بيدي الي نصه بعد، لكنه علي أية حال يشير الي ذلك باقتضاب في كتابيه المترجمين الي العربية: تاريخ القراءة ترجمة سامي شمعون، و في غابة المرآة ترجمة سلمان حرفوش. في الأول يقول القراءة علي الرجل المكفوف المسن كانت تجربة غريبة بالنسبة اليّ، لأنه كان، كمستمع، سيد النص.. بورخيس كان يختار الكتاب، وبورخيس كان يمنحني الدعم اللازم، أو كان يطلب الاسترسال في القراءة، وبورخيس كان يقاطعني للادلاء بتعليق، وبورخيس كان يترك الكلمات تتوجه صوبه، أما أنا فكنت غير منظور . بورخيس الكاتب في الكتاب الثاني لمانغويل هو أحد أدلائه الذين أخذوا بيده الي الضفة الأخري للنهر، و منهم من يسحق سحقاً مثل بورخيس، وآخرون أكثر دفئاً مثل كورتاثر أو سانثيا أوزيك . بورخيس القاريء يعرفه مانغويل من واقع ملازمته لنحو عشرين عاماً، وعلينا أن نأخذ بشهادته بشأنه. لكن بورخيس الكاتب من حقنا جميعاً نحن القراء، ولا اظن أن ما نغويل يمكن أن يجد الكثيرين يشاطرونه رؤيته لبورخيس الساحق، فهو أقل الكتاب حرصاً علي فرض وصايته، ودائماً ما يترك قارئه في حديقة الطرق المتشعبة ليقرر مصيره بنفسه ويختار في كل مرة بكامل حريته الانعطافة التي تضمن له ألا يصل أبداً، أي ألا تنتهي متعته!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية