عرض مسرحي مغربي عن نص لعلاء الدين كوكشمحمد منصور أواخر العام 2004 وقبل خروج الجيش السوري من لبنان، كتب المخرج علاء الدين كوكش نصاً مسرحياً بعنوان (رسالة حب) حاول من خلاله أن يتحدث عن العلاقة بين السوريين واللبنانيين، التي كثيرا ما حكمتها مشاعر الكراهية المضمرة، وحالات التنافس والاستعلاء المستترة، رغم ضرورات التواصل والتكامل عبر تجارب التاريخ وحقائق الجغرافية التي يعرفها الطرفان. المسرحية تروي قصة لقاء بين عامل سوري وملكة جمال لبنانية في جزيرة نائية ومهجورة، بعد غرق الباخرة التي كانا على متنها مع مجموعة من الركاب… وفيها تنظر ملكة الجمال إلى العامل السوري باعتباره (مخابرات) مثل كل السوريين، وتختلط المشاعر بين الحذر والخوف والكراهية والريبة، وصولا إلى الحب الذي يولد في آخر المسرحية ليؤكد أن قدر السوريين واللبنانيين الحقيقي والتاريخي هو الحب لا الكراهية… وقد نشرت المسرحية حينها في مجلة ‘الآداب’ اللبنانية عام 2005 وقدم لها كوكش بالقول:(المسرحية التي كتبت أواخر العام 2004 وقبل الخروج السوري من لبنان، تحاول أن تقدم رؤية ما للعلاقة بين السوريين واللبنانيين، وهي علاقة تأمل أن تتحرر من سطوة السياسي والمخابراتي، وأن تتجه نحو جوهرها الإنساني الأصيل.. الذي يليق بما بين أي شعبين شقيقين متجاورين بعيدا عن أية شعارات). المخرج المغربي عبد المجيد شكير، اختار هذه المسرحية لتقديمها في عرض مسرحي أعده بعنوان: ‘طعم الطين’ قدمته فرقة (أبعاد) المسرحية التي يديرها، ثم جاء ليعرض في دمشق من خلال مشاركته في مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر الذي اختتم فعالياته أخيراً.
مشكلة العلاقة بين السوريين واللبنانيين، لا تعني المتفرج المغربي الذي صنع العرض من أجله، لذلك استبدلها المخرج بمسميات رمزية، فجعل انتماء العامل إلى (بلاد الحجر) وانتماء الممثلة المشهورة (وليس ملكة الجمال كما في النص الأصلي) إلى (بلاد الرخام)… وصار المقصود بالصراع، ليس علاقات الجوار المشحونة في زمن الدول القطرية وسيادة النزعات الإقليمية، بل الصراع الطبقي، الذي يمكن أن يشكل حالة مثيرة للاهتمام في بلد كالمغرب يعاني مجتمعه من قسوة الفوارق الطبقية التي تطحن أحلام شرائح واسعة.
هذا الخيار نقل نص علاء الدين كوكش الذكي واللماح والمحبوك بعناية، من مساحة إلى أخرى، ويمكن القول إنه فقد بعض حرارته وخفة ظله، لأن القفشات والوخزات اللاذعة التي كانت تستمد دلالاتها الطريفة من تشابكات العلاقة السورية اللبنانية، لم يعد لها نفس الأثر مع الإعداد الجديد… صحيح أن مقولة المسرحية العامة التي تدعو إلى الحب والتعايش بفعل الضرورة الإنسانية وحاجة البشر لبعضهم بعضاً، بقيت هي نفسها… لكن ذلك لم يعوض تبدل مناخ النص، وانزلاقه في بعض المواضع نحو الشكل الميلودرامي في غياب الحس اللاذع.
وشخصياً… كنت أتمنى لو أن المخرج عبد المجيد شكير، بدل علاقة السوري باللبناني في النص، بعلاقة الجزائري بالمغربي… فهذه العلاقة تعيش أيضاً نفس الحالة التناحرية التي تربط كثيرا من دول الجوار العربي… وكان يمكن للعرض معالجتها بشفافية وجرأة، تجعل من المقولات والدلالات أكثر سلاسة وطرافة. استطاع المخرج عبد المجيد شكير أن يضبط إيقاع العرض بشكل جيد، وأن يقدم بعض الحلول اللماحة، وأن يظل أميناً بوعي لمقولة النص ودلالاته، ولخيار تقديمه باللغة العربية الفصحى التي كتب بها، وهذا خيار يشكر عليه بالفعل… لكن صورة العرض سواء في ديكوراته أو إكسسواراته أو حتى موسيقاه بدت متقشفة… وكانت المشكلة الأكبر بالطبع هي سوية الأداء التمثيلي لبطلته سناء دقون، التي لم تستطع أن تعكس أي ثراء للشخصية، وكان أداؤها خارجياً غارقاً في نبرة صوت عالية ذات وتيرة واحدة… فلم يتغير أداؤها حتى بعد أن يحدث التحول في علاقتها بالعامل الذي جسده مصطفى قيمي، بشكل أفضل بكثير من شريكته في العرض.
رغم ذلك يبقى عرض ‘طعم الطين’ تجربة مشكورة سواء على صعيد التواصل الإبداعي بين المشرق والمغرب الذي يعاني على الدوام من قطيعة تاريخية يشتكي منها الطرفان، وتبقى المهرجانات والبرامج التلفزيونية صلة وصلها الوحيدة اليوم… أو على صعيد البحث عن نص عربي حار ومعاصر، يتحدث عن الراهن بشفافية، ويسمي الأشياء بمسمياتها بعمق… وهو أمر مؤسف حقاً، ألا نراه مجسداً على خشبات المسارح السورية الغارقة في النوم… في الطين وليس العسل بالتأكيد! [email protected]