د. جمـال حضري
مهما تنوعت أقنعة الطغاة فإنها تنطوي على سحنة واحدة ذات تقاطيع متطابقة. ومهما تنوعت أساليب القمع والترهيب والتنكيل فهي عنوان لأفق واحد تحده النظرة المصلحية الضيقة ونزعة الجبروت المتجذرة. ومهما بدت ألسنة الإعلام الكاذبة مختلفة اللغات ومتنوعة اللهجات فهي تنهل من قاموس واحد ويحكمها منطق واحد: قاموس من التضليلات ومنطق للتلاعب بالوعي وقلب الحقائق. ومهما بدا أنصارهم محبين لهم ومخلصين، أو باطشين بمخالفيهم ومنكلين، أو متباكين على فتنة موهومة وأوطان مقسومة، فإن نفوسهم الخربة من فعلة السوء ومسلك الإجرام هي هي، تخف إلى المغانم وتنوء بالمغارم وسرعان ما تنهار أمام صولة المحقين ودمغة الثائرين. فلا عجب إذن أن تبدو لكل ذي بصيرة المصائر المتشابهة والمآلات الواحدة لقصص الطغاة وهم يتهاوون أمام جحافل الثائرين، وها هي السنين المديدة للأنظمة العتيدة تختصرها لقطات انهيار متسارعة، وحلقات سقوط متلاحقة، تنتهي بها مساراتهم أسوء النهايات ويسجل بها تاريخ الشعوب العربية أسعد اللحظات وأنصع البدايات: لقطة الاستكبار: ‘من أنتم؟..’ قالها المعتوه، في لحظة كان يظنها لن تأتي وقد أحكم إغلاق كل سبل الوعي الممكنة. فقد تفنن في التجهيل والتفقير، وعمد إلى تهميش كل كفاءة وتوريط كل ذي قامة، وصغّر كل طاقة وأوهى كل علاقة، وفرق كل وحدة وهو يتشدق بخطابات الوحدة، فلم يعد ممكنا اجتماع ثلة إلا تحت راية عبوديته وصهيل تمجيده. وفي اللحظة الحاسمة بين موت الأمم وانبعاثها، خرجت جموع الثائرين كأن لم تعرف الخوف يوما، بل كأن ظلام الموت علّمها الحياة. فاستنكر عليها الطاغية نهضتها بغير إذنه، وخروجها بغير أمره، وصداحها بغير إسمه. لقد تغيرت الحال.. ولكن الجبروت يعمي، وصمت الشعوب يغري، وهيهات إذا استفاق المستضعفون أن يوقفهم إرهاب المستكبرين. لقطة الاستنفار: ‘أنا معي الملايين..’: هذه هي الحقيقة إذن، ما دامت الشعوب قد خرجت عن الطوق، فلتضرب بكل وسيلة حتى ترتدع، هاهي الحقيقة الكامنة داخل كل طاغية، استعداد متجذر لمواجهة الشعب كل الشعب، فإن لم يكن ببعضه على بعضه، فليكن بغيره عليه، وليكن هذا الغير عدوا سابقا أو حليفا متاجرا بإجرامه. هي الحقيقة الواضحة إذن، فتأييد الشعوب وإسنادها ليس صمام الأمان الذي يحمي العروش الدموية، ومؤسسات العدل وهيآت الحكم الرشيد ليست السبيل التي ينتهجها الطغاة لتكريس وجودهم، بل هو الاستعباد المحكم والإذلال المهين فإن تململ الضحايا، فلا مجال لاسترضائهم ولا مكان لسماع أوجاعهم، بل يستنفر لهم القتلة من كل جنس ويستعدى عليهم المجرمون المحترفون، لأن الطغاة لم يألفوا ولن يألفوا من الشعوب إلا الخضوع والعبودية. لقطة الانهيار: ‘سنقاتل حتى الموت أو.. ننتحر..’: هذا هو المآل أمام ثورة الشعوب، لن تقف لنهضتها صنوف الترهيب، ولم يعد المجال يتسع لأجيال تمردت على واقع ساحق وجلاد لا يرى فيها غير هوام تدب لتقتات من سَقَطِ فجوره وبذخه. لم يبق لمن واجه شعبه بالنكير، ولمن أراد استئصال روح الكرامة من قلبه، ولمن أراد انتزاع حب الحياة منه إلا الهزيمة. ألم يقل الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدرألم يسمع كل طاغية هذا البيت العجيب؟ هل يقف لأقدار الشعوب شيء؟ لقد زرع الطغاة بظلمهم في كل قلب أمنـــية الخلاص، لقد عبّدوا بكل قطرة دم سفكوها ظلما طريقا لا تقـــبل الإدبار نحو الحرية. فهل يملك الطاغية وقد انتبهت الشعوب لرقدتـــها وأفاقت من رهبتها إلا أن ينهزم ويولي؟ لو كان في الطغاة ذرة شـــرف لأعادوا لمحكوميهم الكلمة ورضوا بالوقوف بين أيديهم ليحاسبوا إن شرا فشر وإن خيرا فخير، ولكنهم لم يتجاوزا يوما حدود ذواتهم، ولم يشعروا يوما بقوة من يحكمون، فتراهم اليوم فلولا مهزومة أو تكاد مهما علا عويل أبواقهم، فنبرة المهزوم لا تخطئها آذان المتسضعفين. لقطة الفرار: ‘.. سنقاوم..’: ذابت الأوهام وتفرق المرتزقون بشرفهم، ولم تبق إلا الحقيقة الساطعة تكشف مصير كل طاغية لم يسمع نداء شعبه، لم تغن مخازن السلاح والمال المكدس بعيدا عن أعين مستحقيه. لم يبق للطاغية إلا الفرار.. الفرار من قبضة المظلوم المستضعف. ألم تكن أيها الطاغية ملء السمع وملء الكرسي؟ ألم تكن الرعية ملك اليمين والمال ملء الشمال، والخدم والحشم ملء البلاط، والموالون والطبّالون عند كل باب رهن الإشارة والطلب؟ هي إذن سنة الطغيان ومسيرة الجبروت، طريق واحدة هذه خاتمتها، هيام في البوادي واختفاء في الجحور. تفرق الجميع من حوله، وانفضت أعراس طالما أقيمت موائدها للئام، يسمع المجوّعون جعجعتها، ويشمون نعيمها المسروق ولا يدعى لها إلا الأغراب يغرفون من خيراتهم. لقطة الاعتبار: ‘.. ما زلت هنا..’: ما أعظم الموعظة، ليصغ كل طاغية إلى هذه الموعظة البليغة، ‘أنا هنا.. مازلت هنا..’، كلمة ليوهن الشعب المنتصر أو ينتقص من فرحة الشباب المتحرر، لا يريد للناس أن تنعم بزواله، فيصر على تذكيرهم بوجوده، يريدون نسيان أيامه وذكره وآلامه، ويريد أن يسمعهم صوته وخذلانه. ما أسوء الحال وما أعظم الرزية وما أبأس النهاية أهذه هي خاتمة الكرسي؟ أهذه مذلته وهوانه؟ أهذا مآل المفتون بصمت الشعب؟ ألم يسمع الطغاة في كل ركن هذا النداء المحزون الهارب في الفيافي؟ لقد أبلغ في وعظهم وأخلص في تبصيرهم بمصيرهم.
إن العاقبة للشعوب، فاختصروا أيها الطغاة قصصكم، واختزلوا رواياتكم المكررة في كل صقع، إنها حلقات متشابهة، مكرورة ومعادة، فلم لا تعتبرون فتحملوا أوزاركم وتاريخكم، وذكركم وترحلوا؟ لم يعد الزمن يحتمل جهالتكم، ولم تعد الأجيال الحاضرة تصبر على انسداد أملها وقتل طموحها، لم يعد مجال للصلح بين الموت والحياة فارحلوا قبل ‘أن تهيموا في الصحراء. ‘ كاتب جزائري