طفولة الهاتف المحمول

حجم الخط
0

قبل أشهر كنتُ في رحلة ترفيهية مع مجموعة من الأسر الفلسطينية هنا في دبي، وأثناء الرحلة أخرجت هاتفي المحمول الذكي وأجريت اتصالا هاتفيا، وما أن أنهيت الاتصال، حتى صرخ معظم الأطفال الذين كانوا معنا في الرحلة في وجوه آبائهم: نريد مثل هذا يا بابا، مثل هذا يا بابا، فاستهجنت سؤالهم، واستغربت طلبهم، فسألت أحد آبائهم الممددين على الأرائك عن مقصدهم بقولهم: مثل هذا يا بابا، فأخبرني بأنه وعد أطفاله بشراء أجهزة هاتف محمول لهم بعد انتهاء السنة الدراسية، كمكافأة لهم على نجاحهم، فضحكتُ وقلت له إذا اسمح لي بأن أقول لك بأنك بفعلتك هذه، سترسل أطفالك للهاوية، ولن تراهم بعدها، وحتى لن تسمعهم يطرحون عليك سلاما أو كلاما، بسبب انشغالهم بهذا الجهاز الخطير، والذي صنع أصلا للكبار ولم يصنع للصغار، فلم يكترث لما أقول، لا قليلا ولا كثيرا .بعد ستة أشهر من هذه القصة زرته في بيته، فسلمت عليه وجلست، فرأيت أطفاله جالسين صامتين في الغرفة معنا، وطوال تلك الجلسة التي استمرت لأكثر من ساعتين، لم أسمع لهم صوتا مطلقا، ولم أسمع واحدا منهم يتحدث مع أخيه أو مع أمه وأبيه، ولم أشاهد أحدهم حتى تفاعل مع أي قصة قيلت في تلك الجلسة، حتى التلفاز لم يرفعوا رؤوسهم ليشاهدوا لقطة واحدة من برامجه، هدوء ما بعده هدوء، ولا شيء سوى الهدوء، وكأن على رؤوسهم الطير، فلا تسمع لهم حسا ولا ركزا، كلهم كانوا يحدقون بأجهزتهم ، يتراسلون مع أصحابهم القابعين في أطراف الدنيا الفسيحة باستخدام برنامج الماسنجر، وطوال تلك الجلسة، فقط كنت أشاهد أصابعهم الصغيرة تتحرك على الجهاز بخفة وليونة، وضوء الشاشة ينعكس من عيونهم، وأرى بين الفينة والأخرى ابتسامة طويلة عريضة ترتسم على أفواههم، مع كل رنة يسمعونها معلنة قدوم رسالة من هذا الصديق أو ذاك، فنظرت لوالدهم، فعرف ما في وجهي من العجب، فبادرني بقوله وأخبرني بأنهم على هذه الحالة منذ أكثر من شهر، يمضون يومهم يحملقون بأجهزتهم ليل نهار، حتى أن بعضهم بات ينسى طعامه وشرابه، وبعضهم أصبح ينام وهذا الجهاز اللعين بين يديه، فذكرته بكلامي قبل أشهر، وقلت له آلآن يا عزيزي وقد عصيتَ من قبل نصيحتي وكنتَ من الغافلين، فالآن لن ينفعك سوى الحسرة والندامة يا صاحب الفخامة، وإذا أردت نصيحتي، فقم واشتر لنفسك ولأمهم جهازا وتراسل معهم، علك تحظى منهم بجملة: تصبح على خير يا بابا، أو لنقل: تصبح على خير يا فالح .م. معاذ فراج ذالأردن qmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية