طقوس العيــد

حجم الخط
0

أحمد السطاتي

من بين وظائف العيد وظيفته الاجتماعية ووظيفته النفسية، كلتاهما توطد أواصر التواصل وتذيب جمود العلائق وتكسر رتابة الحياة؟ فرحة العيد لا توزن ولا تقاس بغيرها من الأفراح الأخري، فرحة لا تخص شخصا بمفرده أو جماعة بعينها، بل تخص كل الناس في المجتمع الواحد، ولا أدل علي ذلك من تبادل القبلات والتهاني بين الغرباء والأقرباء، فالفرحة، كما نعلم، تزداد عمقا كلما اتسعت وانخرط فيها أكبر عدد من الناس، حيث تغدو كل نفس مرآة تعكس ما تتلقاه من إشعاع الفرح أضعافا مضاعفة؟

قد يقال إن أكثر الناس ترقبا للعيد واحتفاء بطلعته هم الأطفال، بيد أن واقع الحال يثبت أننا نغدو جميعا أطفالا بحلول العيد، فمن منا لا تستيقظ في نفسه ذكريات العيد زمن طفولته، ذكريات اللباس الجديد والشراب اللذيذ والطعام الشهي والتحرر من أعباء الدرس ومعاناة الكتاتيب والتمتع بمصروف العيد وهداياه وبكل ما كان محظورا قبله من لهو ولعب ونشاط غير جدي، بل إن ذكريات الطفولة الجميلة المستعادة، ونحن كبار، تبدو لنا أجمل وأحلي مما كانت عليه، فالبعد الزمني عنها مع فائض الحنين والشوق ومتاعب الحاضر يسمو بذكرياتنا ويعيد خلقها خلقا جديدا؟

طقوس الأعياد وتقاليدها تشكل تراثا شعبيا غنيا يستحق التدوين والعناية حيث يمتزج الديني بالاجتماعي امتزاجا وثيقا يصعب معه فك الارتباط بينهما، وتكاد هذه الطقوس تبدو متشابهة الي حد كبير في مختلف أنحاء المغرب؟

من الأعياد التي تستأثر بالاهتمام وتشد الانتباه عيد الاضحي المبارك، حيث الأضحية تشغل كل الناس باقتنائها وتدبير لوازمها لاسيما البيوت الفقيرة التي لا نعتبرها جزءا من العيد وحسب، بل هي العيد ذاته، إذ يسأل الناس بعضهم، هل اشتريت العيد، ويقصدون بذلك أضحية العيد، ويحلو لهم الحديث عن أنواعها وأسواقها وأسعارها، ومهما تبرموا من الغلاء لابد أن يتحملوا كل تضحية ممكنة، وأشد ما يكون التباهي بحجم الاضحية وقرونها وكثافة صوفها ونصاعته وحتي ثغائها الذي يدل علي جودتها وسلامتها؟ ومن العادات الجاري بها العمل أن يحتفي بالاضحية ليلة ذبحها، حيث تخضب بعض أطرافها بالحناء وكأنها عروس تزف يوم العيد فداء وقربانا تأسيا بسنة سيدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وما أن تذبح وتسلخ ويشرع الذابح في فتح بطنها بأناة مع توجس في انتظار بشارة السنة، وما أن يندلق الرداء الأبيض الصقيل والمكتنز شحما حتي تنطلق زغاريد الفرح، ثم تنشر الأردية علي أكتاف الأطفال يطوفون بها في الشارع ليتأكد القاصي والداني من جودة الأضحية وسمنتها؟

بعد عملية الذبح يبدأ الاحتفاء بطقوس الأكل طبق برنامج محدد، ففي اليوم الأول تشوي الكبد وتلف بشحم الرداء مع كؤوس الشاي وعطر الأبخرة التي تكاد تشكل سحابه في الفضاءات المتقاربة، وفي الليل يستل الكتف الأيمن يؤكل مع وجبة كسكس في العشاء ويحتفظ بعظم الكتف لقراء الحظ واستجلاء المستجدات في الأيام المقبلة، وفي اليوم الموالي يتم الافطار بسفافيد من اللحم المشوي، والغداء عبارة عن كسكس يطهي بلحم الرأس، وفي اليوم الثالث يقدد اللحم علي هيئة أشرطة تتبل وتيبس وتظل صالحة للتناول بين الحين والآخر ويحتفظ بذيل الأضحية بعد تتبيله يتم تناوله في وجبة الغداء يوم عاشوراء؟

هذه الطقوس تميز خصوصيات العيش المشترك وتعكس وحدة المشاعر، لايجب في نظرنا، أن تنسي وتهمل وتهمش تحت أية ذريعة كأن يقال إنها ضرب من التخلف والانحطاط، ما دامت لاتتعارض مع قيم الحضارة ولا تعطل حقا من حقوق الانسان، إنها تدل علي الخصوصيات البريئة التي تميز شعبا من آخر في المأكل والملبس وأساليب الاحتفاء والاحتفال، شتان بينها وبين خصوصيات التخلف مثل التي يتشبث بها بعض غلاة الرجعية كحرمان المرأة في حينها من المشاركة في تدبير الشأن العام واعتبارها مجرد متعة ومتاع؟

نقول نعم للخصوصيات والطقوس البريئة التي لا تعطل التقدم، ولا للخصوصيات والطقوس التي تعطل التقدم والتطور، وتبقي ما كان علي ما كان؟

ہ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية