طقوس وعادات: مدينة جيني المالية تُلبس مسجدها كسوة من الطين

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»: في مدينة جيني المالية العتيقة، لا تقاس الفصول فقط بتقويم الشمس أو مواسم المطر، بل بموعد حدث ينتظره الجميع: اليوم الذي تستيقظ فيه المدينة بأكملها على رائحة الطين الممزوج بالماء، وصوت الدلاء وهي تتنقل بين الأيدي، وضحكات الأطفال التي تتسابق مع الأناشيد.
هنا، حيث يمتزج التراث بالعرق، والعمارة بالإيمان، يتحول المسجد الأعظم من صرح ساكن إلى قلب نابض، تكسوه الأيادي الطيبة بجلد جديد من الطين، في طقس سنوي يجمع الماضي والحاضر في مشهد واحد مدهش.
ومنذ أن منحت اليونسكو سنة 1988 مسجد جيني المالي الكبير بطاقة الدخول إلى قائمة التراث العالمي، بدا وكأن هذا الصرح الطيني قرر أن يعيش حياة مزدوجة: في النهار تحفة معمارية أسطورية، وفي موسم معيّن بطل عرض سنوي اسمه «مهرجان التجليد الطيني». نعم، جلد حقيقي… لكن من الطين!
فمع كل نهاية موسم جفاف، وقبل أن ترسل السماء أول قطرات الخريف، تبدأ المدينة استعداداتها لطقس جماعي لا يشبه أي شيء آخر.
فجأة، تجد الشيوخ يتحدثون عن خططهم في توزيع «الطلاء»، والنساء يراجعن وصفات «خلطة طين البانكو» وكأنهن يحضرن طبقًا لمنافسة طبخ عالمية، والأطفال يعدّون أنفسهم لماراثون جري بين الأزقة لا تمنحه أي لجنة أولمبية ميداليات، لكن يربحون فيه صرخات التشجيع والضحك.
أما المادة السحرية هنا في ديني فهي البانكو: مزيج من الطين والماء والألياف النباتية، أشبه بوشاح واقٍ يحمي المسجد من الرياح والأمطار.
لكن الشمس الأفريقية لا ترحم، والعواصف الغاضبة تترك آثارها، فيصبح لزامًا على المسجد أن يغيّر «ملابسه» كل عام.
وما إن يعلن «يوم الطلاء»، حتى تتحول جيني إلى ورشة عمل عملاقة، تتداخل فيها أصوات الأناشيد مع وقع الأقدام، وتعلو ضحكات التحديات الودّية بين أحياء المدينة: من سيكسو الجدار أولًا؟ ومن سيضع أجمل طبقة طينية؟
وتبدأ التحضيرات قبل الحفل بأيام: الطين يُستخرج من نهر باني، ثم يُعجن ويُترك ليستوي في أحواض ضخمة كأنه يستعد بدوره للعرض الكبير.
ومع الفجر، يبدأ المشهد: رجال يركضون بالدلاء على أكتافهم، نساء يخلطن العجين الطيني بمهارة طباخين محترفين، أطفال يلهثون بين الأزقة حاملين كتل الطين كما لو كانت كنوزًا، وعمال يتسلقون الجدران مستخدمين نتوءات أعمدة النخيل الخارجة من سقف المسجد وكأنهم في سباق تسلق جبلي. وليس هذا العرض السنوي بدعة جديدة، بل عادة قديمة بدأت منذ إعادة بناء المسجد عام 1907، وتوارثها الحرفيون المعروفون بـ«الباري تون»، أساتذة الطين الذين لا يكتفون بالعمل، بل يلقّنون الصغار أسرار المهنة، وقصص الأجداد، ويعلمونهم كيف أن كل لمسة طين هي لمسة حب لروح المدينة. ورغم أن المسجد مدرج منذ عام 2016 على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، بسبب تغير المناخ والتوترات الأمنية، فإن أهل جيني يصرّون على إقامة طقسهم السنوي: فبالنسبة لهم، حماية المسجد ليست فقط إنقاذ جدران من الطين، بل صون قلب نابض بتاريخهم، وضمان أن تبقى مدينتهم عامًا بعد عام، مهما كانت الظروف، تختص وحدها بأنها من تضع أجمل «تجليد طيني» على بيت من بيوت الله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية