طلال مداح: شدو يرق له النسيم

في سماء الموسيقى العربية، وبين نجومها اللامعة المضيئة، يتلألأ نجم هائل، هذا النجم هو طلال مداح، الفنان السعودي الراحل، الذي يحفظ مكانه عالياً في تلك السماء، ويصاحب في دنيا الخلود رواداً، كانوا يكبرونه سناً وسبقوه إلى الفن، لكنه استطاع، وإن جاء متأخراً عنهم ببضع سنوات، أن يلحق بهم، بل أن يبهر بعضهم ببراعة موهبته الفائقة، كالموسيقار محمد عبد الوهاب. ولا يمكن في أي حال من الأحوال، إلا أن يحسب طلال مداح كأحد هؤلاء الرواد، فهو ينتمي إليهم، وإلى الحياة الذهبية للفن العربي. وكما أن لكل أمة مبدعيها الذين تفتخر بهم، تستطيع السعودية أن تباهي الجميع بطلال مداح، وبمنجزه الإبداعي ومشروعه الفني، وما أضافه إلى الموسيقى العربية بشكل عام، وإلى الموسيقى السعودية على وجه الخصوص.
منذ أواخر الخمسينيات، وعلى مدى ما يزيد على أربعين سنة، ملأ طلال مداح الآفاق بغنائه العربي الأصيل، وألحانه الشرقية الخالصة، وصوته العذب الشجي الذي يرق له النسيم، وضرباته الماهرة على أوتار العود، وتقاسيمه البديعة، وما يردده من أجمل الأشعار والكلمات، سواء باللغة العربية الفصحى، أو باللهجة السعودية، وبعض اللهجات العربية الأخرى. والحق أن ريادة طلال مداح الفنية في وطنه، تستحق الكثير من التأمل والإعجاب، فقد خاض مشوار الفن الشاق، في طريق لم تكن ممهدة في ذلك الزمن، ووسط أجواء لا توفر له، كل ما يحتاج إليه من إمكانيات مطلوبة، ولا تحقق القدر الكافي من التعرض للموسيقى والفنون، والتدريب والممارسة الأكاديمية، ناهيك عن فرص الظهور والكشف عن الموهبة. لم تكن الأرض الفنية قاحلة تماماً، ولم يكن طلال مداح أول من غنى في السعودية، فهو نفسه يتحدث في حواراته التلفزيونية، عن بعض الفنانين السعوديين الذين كان يتبع خطاهم، وبدأ حياته الفنية بإعادة غناء أعمالهم. لكن ما توفر بسهولة للمطربين في بلدان أخرى، لم يكن متوفراً لطلال مداح، وكان عليه أن يشق الطريق وحده، وأن يمهدها ويعبّدها، وأن ينزع عنها أشواكها، لتكون صالحة له أولاً، ثم لمن سيأتي من بعده. واعتمد في ذلك على موهبته، التي سدّت بقوتها كل فراغ، وعوّضت كل نقص، واعتمد أيضاً على القليل المتاح، من الأسطوانات الموسيقية لمحمد عبد الوهاب، وغيره، وآلة عود وصلت إلى يديه بالصدفة، عن طريق أحد أصدقاء الطفولة، فكان طلال مداح ينفرد بالعود، الذي صار له صديقاً مخلصاً، لم يفارقه حتى آخر لحظات حياته. وخلال عهد الطفولة، أخذ يكوّن علاقته بالفن ويوطدها، ويكتشف موهبته رويداً رويداً، ويعمل على تنميتها بالممارسة وطول المران، حتى أزهرت في نفسه ثمار الإبداع. فأتقن العزف على العود، وتبلور الصوت الجميل، واكتمل الإحساس المرهف، واكتسبت الحنجرة مرونتها الساحرة، والقدرة على أداء ألوان مختلفة من الغناء. وعندئذٍ كان لا بد لهذه الموهبة من جمهور، وفضاء تطل على هذا الجمهور من خلاله، كان لا بد لهذا الفتى من مغادرة بيته وغرفته، والانطلاق خارج حدود الجدران، ليُسمع الناس صوته وموسيقاه، ويطربهم بأنغام عوده.

ومثّلت بعض بيوت مدينة الطائف، أول مسارحه وساحاته الفنية، تلك البيوت، هي أول من سعدت بفن طلال مداح، ونعمت بتردد صوته بين جنباتها. وكما كان الطريق الفني وعراً غير ممهد، كذلك كان الطريق الذي عليه أن يسلكه، من أجل الانتقال إلى هذه البيوت، وهذا ما يرويه في حواراته التلفزيونية، ويذكر معاناة السير ليلاً، وسط الظلام وتحت المطر، في مدينة الطائف الممطرة، مع فرقته الموسيقية المحدودة، التي تضم عدداً قليلاً من الآلات.

ومثّلت بعض بيوت مدينة الطائف، أول مسارحه وساحاته الفنية، تلك البيوت، هي أول من سعدت بفن طلال مداح، ونعمت بتردد صوته بين جنباتها. وكما كان الطريق الفني وعراً غير ممهد، كذلك كان الطريق الذي عليه أن يسلكه، من أجل الانتقال إلى هذه البيوت، وهذا ما يرويه في حواراته التلفزيونية، ويذكر معاناة السير ليلاً، وسط الظلام وتحت المطر، في مدينة الطائف الممطرة، مع فرقته الموسيقية المحدودة، التي تضم عدداً قليلاً من الآلات. لكنه يذكر تلك الأيام وتلك المعاناة بسعادة، ويضحك من طرافة مواقفها، ويذكّرنا هذا بما كان يرويه محمد عبد الوهاب أيضاً، عن معاناته في بداية العشرينيات من القرن الماضي، وما كان يلاقيه من صعوبة، في السفر والانتقال إلى القرى المصرية، لكي يقوم بإحياء بعض الحفلات هناك.
نشأ طلال مداح في مدينة الطائف، رغم أنه من مواليد مكة المكرمة، وتربى في بيت خالته وزوج خالته، لأنه فقد أمه وهو طفل رضيع، ولم يرها مطلقاً، فالأم لم تترك حتى صورة فوتوغرافية واحدة، يأوي إليها الطفل اليتيم، لتؤنسه قليلاً وتواسي بعضاً من آلامه. وظل طلال مداح طوال حياته، يبحث في كل يوم عن وجه أمه، يتقصى ملامحها، ويطارد طيفها الذي يخايله دائماً، ولا يستطيع الإمساك به، حتى بعد أن بلغ الستين من عمره، كان يسأل كل من كان يعرف أمه، وكل من رآها يوماً، ويطلب منهم أن يصفوها له، وأن يحدثوه عنها، كما تقول زوجته المصرية، في أحد حواراتها التلفزيونية.

التأصيل والتحديث

أقام طلال مداح مشروعه الفني، على خطين أساسيين، خط التأصيل وخط التحديث، مع الموازنة التامة الواعية بين هذين الخطين. وكان عليه أن يحسم الأمر مبكراً، عند بدء المسيرة الاحترافية، وأن يقرر ماذا سيقدم للجمهور، وأي صورة سيرسمها لنفسه كمطرب سعودي، وأي انطباع سيخلقه عن موسيقى بلاده، لدى بقية العرب، هل يتخفف قليلاً من هويته الموسيقية، ليصير مطرباً عربياً، يغني بلهجة وسيطة بين اللهجات المختلفة. ويؤلف ألحاناً مائعة لا يمكن تحديد لونها، أم يتشبث بتلك الهوية، إلى الحد الذي يجعل منه مطرباً محلياً فقط، وإن سمعه الآخرون، فسيسمعونه كنوع من التراث الثقافي السعودي. كل هذه الأسئلة المتشعبة، كانت مطروحة أمام طلال مداح، ولم تكن المهمة سهلة على الإطلاق، أن يصل إلى مكانه المستحق بين الكبار، وهو الشاب القادم بموسيقى، لم يكن من المعتاد سماعها كثيراً في تلك الحقبة الزمنية، وربما لم تكن معروفة في بعض البلدان العربية. قرر طلال مداح كما يخبرنا الزمن والمنجز الإبداعي، أن يكون مطرباً وملحناً سعودياً خالصاً، وأن يقدم غناء بلاده وموسيقاها، في شكل أصيل يرتبط بجذوره القديمة، وأن يطور هذا الشكل ويحدّثه، من ناحية الأداء وبعض التقنيات، بالإضافة إلى الروح الجديدة وحيوية الشاب العصري، الذي يحمل تاريخه، ويتطلع إلى مستقبله. من خلال طلال مداح ومراحله الفنية المختلفة، منذ البداية وحتى النهاية، نستطيع أن نتعرف على جانب كبير، من موسيقى السعودية وإيقاعاتها، وأساليب الغناء في ربوعها، وأشكال المواويل والدانات، وطرق المد والتنغيم والقفلات، والافتتاح الشعري للغناء الذي يعرف باسم المجّس، والمقامات الموسيقية المستخدمة في السعودية، كالحجاز والحراب، وغيرهما من المقامات العربية، التي اعتمد عليها طلال مداح في ألحانه، بانفتاح كبير أضاف إلى موسيقاه المزيد من التنوع. يستطيع المرء أن يتعرف على كل هذا، عن طريق الاستماع إلى طلال مداح، لكن ليس هذا كل ما قدمه، فما سبق ذكره ليس سوى بعض الملامح، والقواعد الأساسية، للغناء والموسيقى في السعودية، وهي بطبيعة الحال راسخة في وجدانه وجيناته الفنية، لذا كانت حاضرة وبارزة بوضوح في أعماله، لكنه لم يقدمها بأسلوب النقل المتحفي، أو الاحتفال الفولكلوري بالتقاليد، أو أنه قام بإضافة بضع لمسات محدودة، لكي يقال إنه جدد التراث.

فما صنعه طلال مداح، هو أنه كان يبدع الجديد، ويقدم فنه الخاص الذي تجود به موهبته العظيمة، لكنه كان يبدع من خلال هويته السعودية، وينصت جيداً إلى وجدانه، وبيئته، وإيقاع قلبه الذي تنتظم دقاته، على وقع كل ما هو سعودي. لذا يعد مشروعه الفني، مشروعاً تأصيلياً وتحديثياً بحق، وقد تكون أغنية «تصدق ولا أحلف لك» من الأمثلة الدالة على ذلك، وهي من أجمل وأشهر أغنياته كما هو معروف، وتعد من الألحان العصرية دائمة التجدد، بميلوديتها الجذابة. في هذه الأغنية، يقدم طلال مداح لوناً من الفنون الحجازية، هو فن الدانات، فيردد بين مقاطع الأغنية كلمة دانة أو يا دانة، ويكررها بتنويعات مختلفة شيقة، والدانات تشبه الليالي «يا ليل» إلى حد ما، وأحياناً يتم المزج بين الليالي والدانات. هذا اللون الحجازي العريق، يظل حديثاً في أغنية طلال مداح، التي عندما نسمعها اليوم، نظن أنها قد صدرت للتو.
السعودية هي قلب الجزيرة العربية، وطلال مداح هو ذلك الفنان، الذي نجد عنده الموسيقى السعودية، كأجمل ما يكون، وكما نشأت من منابعها الأصلية، ومن أين نبعت الموسيقى في جزيرة العرب؟ نبعت من الشعر، وأوزانه وإيقاعاته وقوافيه، ونبعت من الحداء، وهو الغناء الذي كان يجري على ألسنة حداة الإبل، لتسير وتتوقف على وقع هذا الحداء. ونبعت أيضاً من المكان ذاته، وما يخلقه من خيال، ينتج عن الاتصال بالصحراء الممتدة والسماء، والليل والنجوم القريبة، ويرتبط الخيال بقصص الغرام العربية، وخصوصية العاشق العربي. لم يخرج فن طلال مداح عن هذه السمات الثقافية الأصيلة، فالشعر الفصيح عنصر مهم دائم الوجود عنده، والغناء توقيعي في جوهره، والخيال سر من أسرار جمال الطرب، والروح العاشقة المرهفة التي تعبر عن أرق معاني الحب. وفي رحلته اصطحب طلال مداح العود، والعود آلة العرب الأولى، تنطق أوتاره الحساسة بما في نفوسهم، وتصف عواطفهم وأشجانهم، ولعود طلال مداح خصوصيته وجماله المتفرد، ولا شك في أنه يعد من الأسماء الكبرى في هذا الميدان، وأنه ينتمي إلى صفوة المطربين الذين أمسكوا بالعود.

يحفل ريبريتوار طلال مداح بالشعر الفصيح، وبصوته العذب نستمع إلى قصائد كبار الشعراء، مثل امرؤ القيس، وعمر بن أبي ربيعة، وابن النحوي، والشريف الرضي، وبشارة الخوري، وأمير الشعراء أحمد شوقي، سواء لحن بنفسه هذه القصائد، أو كانت من ألحان غيره، والمعروف أن طلال مداح كان موسيقاراً يؤلف الألحان، لكنه كان مرناً ومنفتحاً على موسيقى الآخرين، ولا يتردد في أن يغني ألحانهم، كما لحن لبعض المطربين أيضاً.

وكما يطرب المستمعين بصوته العذب، يطربهم أيضاً بعزفه على العود، حيث يشعر المرء أحياناً، بأن العود يغني بصوت طلال مداح وحسه الرقيق، كما يشعر أيضاً بأن علاقة هذا الفنان بالعود، علاقة روحية وطيدة وقديمة، يصعب اكتشاف كنهها وسبر أغوارها. كان طلال مداح يذهل الجميع بتقاسيمه العبقرية على العود، التي تشبه البناء الهندسي المعقد، والزخارف الدقيقة المتشابكة. وعلى رأس هؤلاء الذين أدهشهم بعزفه وتقاسيمه، الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي ما أن استمع إليه قال له: «يا زرياب أنت.. يا ابن زرياب.. شيء غريب.. شيء غريب.. هو ده العربي القديم». حدث هذا في إحدى الجلسات المسجلة، التي جمعت بين طلال مداح ومحمد عبد الوهاب، ومنذ ذلك الوقت، صار «زرياب» لقباً من ألقاب طلال مداح المتعددة، لكنه يبقى اللقب الجميل، الذي أطلقه عليه الموسيقار محمد عبد الوهاب. ولنا أن نتخيل، أنه قبل هذا اللقاء ببضع سنوات، كان طلال مداح يستمع إلى محمد عبد الوهاب، من خلال الأسطوانات الموسيقية فقط، ثم إذا به يلتقيه ويجالسه، ويدهشه بموهبته إلى هذا الحد، وقد تكررت اللقاءات التي جمعت بينهما. وكثيراً ما يذكرنا صوت طلال مداح، برقته ورهافته، بصوت محمد عبد الوهاب، رغم الاختلاف بينهما طبعاً، وكذلك ريادته الفنية، وحمله لواء الموسيقى في السعودية، وما حققه من الدفع بها إلى الأمام، فكان هو أول من يسجل الأسطوانات الموسيقية في السعودية، بالإضافة إلى تحديث الموسيقى نفسها، وجعلها مواكبة لزمنها، وقادرة على المنافسة العربية بقوة، وكما ترك محمد عبد الوهاب فناً عظيماً تعيش عليه الأجيال، ترك طلال مداح، وإن لم يمنحه القدر العمر الطويل والسنوات الممتدة، ثروة فنية عظيمة، ينعم بها جميع العرب، وإرثاً ثقافياً وحضارياً تفخر به بلاده. ومثل محمد عبد الوهاب، خاض طلال مداح تجربة تأليف الموسيقى البحتة، حيث يكون التعبير بالنغم وحده، دون مرافقة الكلمات والغناء والصوت البشري، ومن مقطوعاته الموسيقية، مقطوعة بعنوان «ليالي البرازيل».
منذ الستينيات، وجد طلال مداح في القاهرة، وشارك في حفلاتها، وعرفه الجمهور المصري واستمع إليه، وأحب الكثير من أعماله المشهورة، كأغنية «مقادير» على سبيل المثال، وغيرها من الأغنيات. وغنى طلال مداح باللهجة المصرية، وهي أغنيات قليلة، ولحن له محمد الموجي وبليغ حمدي، وغنى لمصر أيضاً أغنية بعنوان «يا غالية يا مصر» كما شارك في احتفال من احتفالات نصر أكتوبر المجيد. لم يكن طلال مداح غريباً على مصر، أو على أي بلد عربي آخر، بل كان دائماً ذلك الفنان القريب المحبوب، الذي يخلق الشعور بالقبول والألفة، ويجدد مشاعر المودة والترابط، وكان يسعى إلى ذلك ويصنعه بحب. وقد غنى بالكثير من اللهجات العربية، وللكثير من البلدان أيضاً، كالمملكة المغربية التي غنى لها «مشتاق إلى المغرب».

من نغمة إلى نغمة، ومن كلمة إلى كلمة، قضى طلال مداح العمر، وعوده بين يديه يوقع عليه ألحانه، ويبثه إلهاماته وإبداعاته، وفي كل نغمة سحر، وفي كل كلمة خيال.

في حضرة الشعر

يحفل ريبريتوار طلال مداح بالشعر الفصيح، وبصوته العذب نستمع إلى قصائد كبار الشعراء، مثل امرؤ القيس، وعمر بن أبي ربيعة، وابن النحوي، والشريف الرضي، وبشارة الخوري، وأمير الشعراء أحمد شوقي، سواء لحن بنفسه هذه القصائد، أو كانت من ألحان غيره، والمعروف أن طلال مداح كان موسيقاراً يؤلف الألحان، لكنه كان مرناً ومنفتحاً على موسيقى الآخرين، ولا يتردد في أن يغني ألحانهم، كما لحن لبعض المطربين أيضاً. كان طلال مداح يستهل الغناء عادة بالشعر الفصيح، وربما انفرد هو بهذا الأمر، أو أن هذا الأمر ارتبط به أكثر من سواه، فالافتتاح الشعري للغناء، يعد بلا شك من أهم السمات المميزة لفنه، وهذا يُدخل المتلقي إلى جو خاص من السماع، والقصيدة في هذه الحالة، تغنى بمصاحبة التقاسيم على العود، وتتحول إلى ما يشبه المجّس أو الموال، وبعد الانتهاء من أدائها، يبدأ الغناء باللهجة السعودية، على وقع جميع الآلات الموسيقية، المشتركة في عزف اللحن. لكن غناء القصائد لم يقتصر على الافتتاح الشعري وحسب، فهناك القصائد المغناة، أي أن القصيدة هي الأغنية، وليست مجرد استهلال، كقصيدة «تعلق قلبي طفلة عربية» لامرئ القيس، وقصيدة «المنفرجة» لابن النحوي، وهي من القصائد الجميلة، التي يغنيها طلال مداح بأسلوب رائع، وهناك من يعشقها أيضا، بصوت المطرب المغربي الكبير عبد الهادي بلخياط. كان الشعر يجري على لسان طلال مداح سهلاً، لا يجد صعوبة في غنائه، ويمضي منسجماً مع الصوت واللفظ، والإحساس والتكوين العربي الخالص. ومن الشعر الجاهلي، إلى شعر ما بعد الإسلام، إلى أشعار العصور الحديثة، أخذ طلال مداح يتنقل بسلاسة، ويقدم هذا الغناء العربي الرفيع إلى الجمهور، فيهذب النفوس ويرقق العواطف، ويذيق الناس أسمى معاني الشعر، ويسمعهم أعذب الأنغام وأجمل الطرب. وكان صوته يضيف إلى الشعر مزيداً من الروعة والجمال، كما كان يتفنن في غنائه بتجديد دائم، يقربه إلى السامع وإن كان من أصعب الشعر، لم يكن طلال مداح شاعراً، لكنه عربي ارتوت نفسه بالشعر، والشعر كائن في وجدانه منذ القدم، وكان لديه إحساس الشاعر العربي القديم، الذي يصل بخياله إلى عنان السماء، يلامس النجوم، ويهرول وراء الأقمار، ويحلق في مداراتها. ويعيش الحب كأعمق ما يكون، من خلال هذا الخيال، ومن خلال الكلمة، وإن كان هذا الحب مجرد طيف بعيد. وكان لطلال مداح أسلوبه الخاص في غناء الشعر وتلحينه، وإضافاته العامية في القفلات كالليالي والدانات، وتكون المفردات التي يتغنى بها، غير بعيدة عن بيئته العربية السعودية، كالمفردات الواردة في قصائد مثل «يا ظبية البان» «بلغوها إذا أتيتم حماها» «قف بالطوف» وغيرها من المفردات والقصائد، واختياراته التي تدل على ثقافته الشعرية الواسعة.
من نغمة إلى نغمة، ومن كلمة إلى كلمة، قضى طلال مداح العمر، وعوده بين يديه يوقع عليه ألحانه، ويبثه إلهاماته وإبداعاته، وفي كل نغمة سحر، وفي كل كلمة خيال. يغني فيلمس بصوته شغاف القلوب، ولا شك في أن الرقة والوداعة، كانتا السمتين الغالبتين عليه، في الغناء وعند الحديث أيضاً، فيعطي دائماً ذلك الإحساس بالأنس والصفاء. لا يكشف صوت طلال مداح أبداً عن سر جماله العميق، ما يجعل المستمع منجذباً مشدوداً على الدوام، إلى هذا الصوت، لا للاستمتاع فحسب، لكن اتباعاً لتلك الرغبة الدائمة، والشوق المستمر لاكتشاف ذلك السر والإحاطة بجوانبه، والصوت نفسه يبدو كأنه يتوق إلى شيء ما، حبيب بعيد أو ذكرى خافتة، يحاول الوصول إليها، وربما يكون هذا من أثر الشغف بالغناء، فعندما يغني طلال مداح، نشعر أنه يقوم بأحب فعل إلى قلبه ويحقق أعز أمانيه، فتضيء نفسه وتسمو عواطفه، ويجود على سامعيه بما منحه الله من هبة ربانية.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية