لم يزر احد من طلاب الجامعات المصرية فرعا من فروع الداخلية المنتشرة في كل زاوية، مستجدين تصريحا لمظاهرة. لم يصدروا بيانات نارية أو تصريحات صحافبة او يشاركوا في نقاشات فلسفية، بل خرجوا من قاعات محاضراتهم ومختبراتهم وورشهم الهندسية ومعاملهم ومستشفياتهم التعليمية الى باحات الجامعات، ثم اخترقوا أسوار الجامعات الى ساحات البلاد. اعلنوها على الملأ، لا لتقييد الحريات، لا لتكميم الأفواه، لا للحجر على الكلمة، لا لسجن الافكار، لا لمصادرة حرية التعبير. الاعلام المصري يقول انه خرجت بعض المظاهرات في بعض الجامعات، اما الشريط الاخباري في اسفل الشاشة فيعدد هذه الجامعات:’القاهرة، عين شمس، الازهر، الاسكندرية، اسيوط، الزقازيق، طنطا، حلوان، المنصورة، بور سعيد، السويس، دمياط، اسوان.. ثم يعددون الكليات فاذا بها كل الكليات، حتى الكذب والخداع لا يتقنونه. المظاهرات الطلابية تعم جامعات مصر من أقصاها الى أقصاها. الاعلام المصري الحاضن للعسكر والمنافح عنهم يصّورها على أنها مسيرات محدودة يشارك فيها بعض الطلاب (الاخوان)، فاذا كانت كذلك فلماذا يجتمع رئيس الوزراء مع المجلس الاعلى للجامعات، ويضيعون وقتهم لاتخاذ التدابير اللازمة بحق بعض الطلبة الذين يعيقون مسار العملية الدراسية، متوعدين اياهم بأقسى العقوبات، التي قد تصل الى حد الفصل من الجامعة. ما غاب عن بال المجلس الاعلى ورئيس الوزراء ان من خرج ليتظاهر، مدركا انه قد يسجن، أو يستشهد على يد شرطي أو جندي أو حتى بلطجي، الذين يسمون الان الاهالي الشرفاء! يوجه له رصاصة في القلب او العنق او الرأس لا يعبأ بالفصل، فهذه هي أخف الخسائر وليس اقساها، فالموت أقسى، أليس كذلك’معاليكم وسيادتكم؟ شهداء الجامعات، شهيد كلية الهندسة في جامعة القاهرة محمد رضا، وشهيد كلية الصيدلة في جامعة الاسكندرية اسامة السيد، الذي كان صائما عند استشهاده، وشهيد كلية الطب في جامعة الازهر عبد الغني محمد حمودة، الذي كان على وشك التخرج وغيرهم… قضوا في سبيل الحرية، وزملاؤهم في طول مصر وعرضها امناء على دمائهم وعلى ما استشهدوا لأجله، ولذا هم يتظاهرون غير عابئين بتصريح، ولا بالمجلس الاعلى للجامعات، ولا بالحكومة العسكرية وقوانينها وتهديداتها، التي لن تنال من عزائمهم التي تحاكي السماء. اذا كان فنانو مصر ومطربوها يتبارون بالتغني في العسكر، واذا كان شعراء مصر ينظمون أحلى قصائد الغزل للسيسي وحاشيته، واذا كان شيوخ مصر’والازهر، وقساوستها افتوا للعسكر بتحليل سفك الدم المصري، واذا كان صحافيو مصر ومفكروها وكتابها سطروا المقالات البليغة بشرعنة الانقلاب وحاولوا بكل ما اوتوا من فصاحة وبلاغة ان ينفوا صفة الانقلاب عنه، اذا كان كل هؤلاء فعلوا ذلك حتى خلنا اننا لن نرى خيرا آتيا من مصر بعدها ابدا، عندها خرج الينا طلاب مصر، ليصرخوا ويوقظونا من الغيبوبة، مصر ما زالت حرة أبية، وأنهم وجه مصر الحقيقي الذي عهدناه، لا يعرف الضيم ولا ينام على الذل او المهانة. هؤلاء حقا هم الورد اللي فتح في جناين مصر، مع ان صاحب المقوله الراحل احمد فؤاد نجم المؤيد لثورة الخامس والعشرين من يناير ارتد وأيد العسكر والانقلابيين، فقط لانه يكره الاخوان، كما يقول. طلاب مصر ليسوا وحدهم، فالمعيدون والمدرسون معـــــهم، في المعتقلات’ والمظـــاهرات، ويشاركونهم تعليق الدراسة والاضــــرا ب حتى تتحقق مطالبهم بعودة الحريات ومحاكمة قتــلة الطلـــبة. المتظاهرون ليسوا اخوانا فقط بل طلاب من مختلف المشارب السياسية او حتى غير المسيسين، ان وجدوا هذه الايام. الطلاب قرأوا قانون التظاهر، أو بالأصح قانون منع المظاهرات، وعرفوا فيه السبل التدريجية لفض مظاهراتهم التي تبدأ بالغاز المسيل للدموع ثم الماء ثم الهراوات (البلاستيكية)، أرأيتم كم هي رحيمة قوات الشرطة بالشعب، ثم الخرطوش ثم استعمال القوة اذا لزم الامر، من دون ان يحدد القانون نوع القوة او حجمها، كدفاع عن النفس او المال العام من قبل قوات الامن، وهم مستعدون ليواجهوا بأكفهم وصدورهم العارية كل اساليب العسكر التدريجية، التي عادة ما ان تنتهي (وأحيانا تبدأ) بالرصاص الحي اما من الامن او الجيش او الاهالي الشرفاء، يقصدون البلطجية، الاحكام القاسية جدا والمبالغ فيها بحق طلاب الازهر وبنات الاسكندرية لم تثن من عزم طلاب كل جامعات مصر للتظاهر، مدركين ان النظام العسكري قد يعتقلهم،’ان نجوا من القتل ويحاكمهم ويحكم عليهم باحكام قاسية جدا، ولكن للحرية ثمن، وهم مستعدون لدفع هذا الثمن الغالي جدا. على ان هذه الاحكام لا تدل ابدا على صرامة النظام، بل على هشاشته وانه بدأ يفقد أعصابه في مواجهة الطلبة. هكذا كان يفعل الاستعمار والاحتلال في مختلف البلاد، فهل خبت الثورات بسبب هذا القمع او منع هذا البلاد ان تستقل؟ مظاهرات الطلبة في الجامعات المصرية ليست ظاهرة عابرة ولا انتفاضة لا تلبث ان تنطفئ، ولكنها ثورة حقيقية. كان من حسن حظ الانقلابيين، او ربما بتخطيط ماكر منهم، انهم انقلبوا على الشرعية في الثالث من يوليو، حيث الجامعات في اجازتها السنوية، اما وقد فتحت ابوابها فلم تهدأ المظاهرات منذ اليوم الاول. المدارس ايضا تظاهرت ثم فترت، ربما لانعدام القيادة والتنظيم، ونعتقد ان المدارس الثانوية، وستلحقها الاعدادية والابتدائية، ستلحق بالثورة قريبا، عندها سيكون العسكر في موقف حرج لا يحسدون عليه. قبل فترة ظهرت حركة طلابية اسمها ‘سبعة الصبح’، يخيل لي لو ولدت’ حركات اخرى في شتى بقاع مصر مثل عشرة الصبح والتانية الظهر’ واربعة العصر وسبعة بالليل وعشرة بالليل.. مثلا فقد لا يجد العسكر وقتا للراحة او للخلود للنوم قريري العين، وقديما قال احدهم عن عمر، عدلت فامنت فنمت، ونقول الان للعسكر ظلمت’فخفت فأرقت.’ ‘يا مصر.. تصبحين على ..