طنجة 25: جوائز لافتة وجدَل لا يهدأ حول اللغة والتمثيل

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي» : رغم الانتقادات التي لاحقته منذ انطلاقة دورته الـ25، خاصة على مستوى البرمجة، التي شملت أفلاما صُوّرت قبل عامين، وهيمنت اللغة الفرنسية على معظم النقاشات، وغياب الفيلم المغربي الناطق بالأمازيغية، وطريقة التعامل مع الصحافة المحلية، وأيضا بخصوص الملصق الذي وُصف بأنه «غير موفّق»، تمكّن «المهرجان الوطني للفيلم» ـ وفق عدد من النقاد ـ من جمع العائلة السينمائية المغربية، وفتح الباب على مصراعيه أمام حوار الأجيال الذي لم يكن مجرّد فكرة، بل تجسّد فعليا في ندوة جمعت أسماء تمثل مختلف الحساسيات العمرية والفكرية والفنية.
المهرجان الذي تحتضنه كل عام مدينة طنجة (شمال البلاد)، اختتم فعاليات دورته الـ25 التي امتدت من 17 إلى 25 تشرين الأول/أكتوبر، بتتويج فيلم «البحر البعيد» للمخرج سعيد حميش بن العربي بالجائزة الكبرى للأفلام الروائية الطويلة، إلى جانب جائزة الإخراج وجائزتي ثاني دور نسائي ورجالي.
كما توِّج فيلم «المرجا الزرقا» للمخرج داوود أولاد السيد بجائزتي الإنتاج والسيناريو (من إعداده إلى جانب عبد المجيد سداتي والحسين الشاني). فيما تقاسم معدان الغزواني عن «موفيطا» ونبيل عيوش عن «في حب تودا» جائزة لجنة التحكيم، وفازت نسرين الراضي بجائزة أفضل دور نسائي، وعبد النبي بنيوي بجائزة أفضل دور رجالي. كما حصد «في حب تودا» أيضا جائزتي الصوت والصورة، في حين عادت جائزة الموسيقى التصويرية لفيلم «المرجا الزرقا»، وجائزة التركيب لأنس لخماس عن «الوصايا».
وفي فئة الأفلام القصيرة، فاز فيلم «لمينة» لراندا المعروفي بالجائزة الكبرى، و»مرآة للبيع» لهشام أمال بجائزة لجنة التحكيم، و»شيخة» لأيوب اليوسفي وزهرة الراجي بجائزة السيناريو، مع تنويه خاص لفيلم «عايشة».

لقطة من فيلم في حب تودا

أما الجائزة الكبرى للأفلام الوثائقية الطويلة فحصل عليها «فخورون، معلّقون وعنيدون بعض الشيء» لمحمد أكرم الماسي، في حين نال «لن أنساك» لمحمد رضا أكزناي و»ألف يوم ويوم: الحاج إدموند» لسيمون بيتون، جائزة لجنة التحكيم مناصفة، وجائزة الإبداع لفيلم «أرحيل» لمحمد فاضل الجماني، وتنويه خاص لفيلم «أسرى الانتظار». وفي مسابقة مدارس السينما، فاز فيلم «مبروك سيدي خاي» لأشرف العافية بالجائزة الكبرى، و»الصمت الأخير» بجائزة لجنة التحكيم، مع تنويه خاص لفيلم «مع الريح». بالنسبة لجائزة النقد فقد مُنحت لفيلم «البحر البعيد» مع تنويه خاص لـ»موفيطا»، بينما فاز «أرحيل» بجائزة النقد عن فئة الوثائقيات، و»مرآة للبيع» بجائزة النقد للفيلم القصير. وذهبت جائزة دونكيشوت الكبرى للأندية السينمائية إلى فيلم «موفيطا». وكما كان الافتتاح على إيقاع العرفان بتكريم المخرج والمنتج والممثل أحمد المعنوني، شهد حفل الاختتام تكريم الفنانة فاطمة عاطف، تقديرا لمسيرتها الفنية المميزة في المسرح والتلفزيون والسينما. وبمجرد إسدال الستار على «عرس السينما المغربية»، انقسمت تقييمات النقاد، بين من رأى نجاحا ملحوظا، ومن اعتبر أن الدورة شابها قصور لا يليق بمهرجان بلغ ربع قرن من عمره. أما وسائل الإعلام فقد احتفت بالدورة الخامسة والعشرين، وأبرزت حجم الحضور الفني الواسع، مشيرة إلى أنها جمعت كل صنّاع الفن السابع في المغرب، ونجحت في خلق حوار الأجيال، وجسّدت نقطة ضوء طيلة أيام العروض والندوات.

ويرى الناقد السينمائي مصطفى الطالب، في تصريح لـ»القدس العربي»، أن «أهم ما ميّز هذه الدورة من المهرجان الوطني للفيلم هو تنظيمها تحت إدارة جديدة، بمعنى مدير جديد للمركز السينمائي المغربي طال انتظاره، إذ يُعقد عليه الأمل في تطوير الإنتاج السينمائي المغربي، ودفعه نحو صناعة وطنية قادرة على الوصول إلى العالمية من خلال قضاياها وثقافتها وقيمها». وفي تقييمه للدورة الـ25 قال الطالب: «بالإضافة إلى التنظيم والفضاء، كان برنامج الدورة حافلا بمحطات مهمة أغنت النقاش حول السينما والإبداع والإنتاج السينمائيين، سواء من خلال اللقاء السينمائي الذي جمع ثلاثة أجيال من السينمائيين المغاربة، انطلاقا من جيل الرواد إلى الجيل الحالي»، مبرزا أن الجمهور تمكن من الاستماع إلى رؤى وتجارب متنوعة.
وأشار إلى أن «الماستر كلاس» الذي قدّمه المخرج حكيم بلعباس بعفويته المعهودة كان تجربة غنية بالأفكار، دفعت الجمهور إلى النقاش وطرح الأسئلة حول علاقة المخرج بالصورة والموضوع. كما تطرّق إلى «محطة أخرى غالبا ما يحافظ عليها المهرجان الوطني، وهي مسألة الإنتاج الأجنبي، ودوره في النهوض بالقطاع السينمائي المغربي»، ملاحظًا أن «هذا الموضوع يستحق النقاش، خصوصا في سياق سعي المغرب إلى استقطاب الإنتاجات السينمائية العالمية الكبرى».
ولم يُخفِ الطالب الانتقادات الموجهة لبعض محطات المهرجان، خاصة ما يتعلق بـ»هيمنة اللغة الفرنسية، وكأن المهرجان فرنسي»، على حدّ تعبيره، معتبرا أن ذلك لا ينفي أهمية تلك النقاشات وجدّتها. وسجّل تنوع مواضيع الأفلام المغربية المشاركة، التي تناولت قضايا مثل الهجرة، وأمراض العصر كـ»الزهايمر» و»التوحّد»، إلى جانب الصحراء المغربية، والطفولة، والمرأة، وغيرها من المواضيع الاجتماعية والإنسانية، لافتا إلى أن «بعض الأفلام توفّقت فنيا وسيناريويا، في حين جانب بعضها الصواب، مما أثّر على مستوى التنافس العام».
أما بشأن التتويجات، فأوضح الناقد، أن الأفلام التي حصدت الجوائز استحقت ذلك لعمق مواضيعها وتميز مستواها الفني، لكن تلك التي توّجت بالجائزة الكبرى وجائزة التحكيم وُوجهت بانتقادات بسبب اعتمادها على الإنتاج المشترك مع دول أجنبية، ما يجعل ميزانياتها مرتفعة مقارنة بالأفلام الوطنية الخالصة»، مضيفًا أن «للإنتاج المشترك سلبياته أيضا، إذ قد يفرض المنتج الأجنبي شروطه المتعلقة باللغة، أو الصورة النمطية عن المجتمع المغربي، فيُقحم قيَما لا تنسجم مع خصوصيته». وأشار إلى أن «الأفلام ذات الإنتاج المشترك غالبا ما تقدم صورة سوداوية عن المغرب، وهي الصورة التي يكرّسها بعض مخرجي المهجر».

لقطة من فيلم المرجا الزرقا

وسجّل الطالب ملاحظة أخرى اعتبر أنه «يجب تفاديها»، وهي «مشاركة أفلام سبق عرضها في القاعات السينمائية، ما يفقد المهرجان عنصر المفاجأة ويؤثر على الحضور الجماهيري». وختم بالقول: «ربما تكون الدورة المقبلة حافلة بالمفاجآت والجديد على مستوى الإبداع السينمائي المغربي».
من جهته، اختار المخرج والناقد عبد الإله الجواهري، أن يختتم تدوينة له بـ»لكن»، بعد أن تحدث عن «لقاء الأجيال الثلاثة»، معتبرا أنه «شكّل نقاشا مفتوحا على أزمنة السينما المغربية منذ بداياتها»، وأنه «رغم الاختلافات بين الأجيال، فقد جمع اللقاء العائلة السينمائية في قاعة واحدة، وهذا في حد ذاته مكسب مهم». ومن بين الانتقادات نجد تدوينة للكاتب والمنتج الأمازيغي محمد بوزكو بعنوان: «ويستمر الإقصاء»، تطرق فيها إلى ما وصفه بـ»التغييب المستمر للمكوّن الأمازيغي عن حوارات المهرجان»، مؤكدا أن اللقاء بين الأجيال كان ناقصا بسبب غياب الصوت الأمازيغي، واللغة والثقافة اللتين تمثلان جزءا أصيلا من هوية السينما المغربية. وأضاف: «حين تجد نفسك مصنّفا خارج الحوار، تشعر بأنك فقدت صوتك ورأيك ووجودك». وتساءل بمرارة: «ما الرسالة التي يُراد إيصالها إلينا، نحن الذين نشتغل في سينما بملامح أخرى؟ صحيح أن عدد الأفلام الناطقة بالأمازيغية قليل، لكنها حاضرة بقوة من حيث الجودة والمضمون».
واختتم بوزكو تدوينته قائلا: «كم هو قاس أن تشعر بالإقصاء، وكم هو مؤلم أن تُدرج في لائحة المغيّبين، رغم أنك تكدّ وتجتهد وتقاوم لتعبّر عن وجه آخر للوطن… كفى، لقد تماديتم».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية