حسنين كرومالقاهرة ـ ‘القدس العربي’: أبرز أخبار وموضوعات الصحف المصرية الصادرة امس الخميس كان قرار رئيس المجلس العسكري المشير طنطاوي، بدعوة مجلس الشعب الجديد لعقد اول اجتماع له في الثالث والعشرين من الشهر القادم، وتعهد المجلس بتسليم السلطة في الموعد المحدد، وكشف زميلنا وصديقنا عادل حمودة رئيس تحرير جريدة ‘الفجر’ الاسبوعية المستقلة عما هو آت: المؤكد أن المشير لم يفكر وهو يطيح برئيسه أن يتولى الحكم من بعده، فالرجل كما نقل عن مقربين منه يريد أن يدخل التاريخ كأول ‘جنرال’ مصري يسلم السلطة لحكم مدني ديمقراطي، كان يرى أن ذلك يكفيه، وهو تصور يستحق الاحترام، بشرط أن يوصل البلاد الى بر الأمان، وأن ينجيها من حالة الفوضى التي تفرض نفسها من وقت الى آخر.
فما حدث في ما بعد جعل الرجل يعترف بأنه لم يتخيل أن تكون المهمة التي حملوها ثقيلة وحارقة إلى هذا الحد، بل إنه شعر في كثير من الأحيان بأن شخصيات باقية من نظام مبارك تلعب دورا سلبيا، وتوقف المراكب السايرة، وتتسبب في توجيه اللوم للقوات المسلحة، وحسبما عرفت من مصادر قريبة من الرجل، انه رفض ايضا ان يرشح أحد من أعضاء المجلس العسكري نفسه للرئاسة القادمة، وبعد أن تناثرت شائعات عن نية البعض تجاوز هذا الاتفاق دخل عليهم متسائلا عن رأيهم لو هو رشح نفسه، وما إن وجد من يؤيد ومن يبتسم ومن ينتظر اتجاه الريح حتى افصح عما في نفسه قائلا: ‘ألم نتفق على أن أحدا منا لا يتقدم للترشح؟.’وفهم الجميع الرسالة الواضحة.
وأشارت الصحف الى بيان المجلس الذي أكد وجود مؤامرة تحيكها أطراف داخلية وخارجية لإسقاط الدولة في الذكرى الأولى للثورة، بافتعال مصادمات مع الجيش، وتحريض صغار ضباط الجيش، وكذلك تورط أطراف خارجية معها، والبيان يشير الى حركة الاشتراكيين الثوريين التي يتزعمها كمال خليل، وهم فصيل ماركسي متطرف، استنادا الى كلام قاله احدهم في اجتماع عقد في مركز الدراسات الاشتراكية التابع للحركة، ويهمني هنا الإشارة الى ان هذه الحركة موجودة علنا من سنوات طويلة، وشاركت في كل المظاهرات أيام مبارك، ولها مقر علني، وأؤكد ان كل تحركاتها هي وغيرها، تحت السيطرة والمعرفة الكاملة من جميع أجهزة الأمن.
كما عقد وزير العدل المستشار عادل عبدالحميد مؤتمرا صحافيا مفاجئاً واعلن فيه بعض النتائج التي توصلت إليها التحقيقات في التمويل الأجنبي لجمعيات ومنظمات، وهو تكرار لما سبق ونشرته ‘الأهرام’ منذ حوالي شهر، وأبرز ما فيه ما تلقته جمعية محمد علاء مبارك بعد الثورة، وقدره ست وثمانون مليونا ومئة وخمسون الف جنيه، من دولة الإمارات ومؤسسة إماراتية ومن سلطنة عمان والبحرين، واتهام جمعية أنصار السنة بتلقي مبلغ مئتين وست وتسعين مليون جنيه من مؤسسات قطرية وكويتية، رغم ان رئيس الجمعية سبق له ونفى مؤكدا ان كل شيء يتم بمعرفة أجهزة الأمن، كما تواصل الكلام عن الطرف الثالث، وأعيد التأكيد على ان الحقائق لن تتكشف إلا بعد تولي الأحزاب الفائزة الوزارة وتولي رئيس جمهورية جديد. ونشرت الصحف عن سقوط قتيلين آخرين ليرتفع الرقم الى أربعة عشر وكلهم من الطلاب والخريجين ولا يوجد بينهم بلطجي واحد، ونشرت ‘الأخبار’ امس خبرا لزميلينا ماركو عادل ومصطفى الشوربجي، عن تعرض سيارة المؤسسة المخصصة لزميلنا وصديقنا والأديب الكبير جمال الغيطاني للاعتداء، وجاء في الخبر: وقال الكاتب جمال الغيطاني لـ’الأخبار’ انه لم يكن بالسيارة أثناء الهجوم ولكنه لا يستبعد وجود شبهة تحريض وراء الحادث وربما تكون رسالة تهديد له، وذلك في ظل تعرض الكثير من الإعلاميين والكتاب الصحافيين والسياسيين لتهديدات مماثلة، خاصة أنه سبق وأن تعرض لبعض التهديدات من قبل مجهولين. وإلى بعض مما عندنا:
خطة استراتيجية لضرب القوى الإسلاميةنشرت جريدة ‘المصريون’ – الاثنين مقالا لرئيس حزب الأصالة السلفي واللواء السابق بالشرطة عادل عفيفي، قال مستخدماً خفة ظله عن اجتماع مهم: ‘شارك في الاجتماع العديد من غلاة الكتاب والكاتبات الصحافيين والصحافيات، العلمانيين منهم والعلمانيات، وبعد المناقشة قرروا وضع خطة استراتيجية لضرب القوى الإسلامية بالهجوم على المرشحين الإسلاميين والتجريح فيهم وذلك بدعوتهم للقاءات في برامج تلفزيونية ودعوة ضيوف آخرين من العلمانيين، المعادين للإسلام والمسلمين وتوجيه أسئلة محرجة للضيف، واستدراجه الى خطأ سخيف، فاصل ونعود: موسيقى طررم طررم طررم طا، طررم طررم طررم طا.’العلمانيون وابو جهلتقدم للغناء الإعلامي الأقرم، عمادوناً ‘أخو مادونا’ وبجواره تابعه ‘قفة’ المطيباتي الذي يجلس معه دائماً في البرنامج كالعبيط:’عمادونا’ يغني على طريقة شعبولا:
ما بحبش السلفية، ولا أحب السلفيينوبحب العلمانية، وباكره الإخوانمعنا مداخلة تليفونية من سيدنا ومعلمنا أبو جهل:
قال أبو جهل: يا معشر الإعلاميات والإعلاميين، إن الإخوان والسلفيين، يريدون أن يفسدوا عليكم دين الآباء والأجداد، فيحرموا عليكم كل صور المتعة والفساد، كالخمر وتعرية الأجساد، فماذا أنتم فاعلون، يا أهل الصحافة والتلفزيون الممول من بني صهيون؟.
قالوا: ما هي مشورتك يا أبو جهل؟
قال: ابعثوا في كل من قنواتكم مذيعا وصحافيا وكاتبا أريبا، فيدس لهم الدسائس وينشر عنهم الأكاذيب، ويخوف الناس.
وابعتوا لي واحدة منكم تبات معايا الليلة دية، واعلموا أنني أحب من النساء، الكاتبة العجوز الشمطاء.
وهنا اشتبكت الأيدي وقامت معركة بين الحاضرات، تبادلن فيها الضرب بالكراسي واللكمات، لأن كل منهن تشتهي أن تكون أول الذاهبات، الى أبي جهل في تلك الليلة بالذات’. وهو يقصد بعمادونا، عمرو أديب مقدم البرامج ويقصد بأخوه زميلنا وصديقنا عماد الدين أديب.
والغريب أنه بينما يصف عمادونا بالأقرع، فان صورته المنشورة مع مقاله توضح أنه أقرع أيضاً:
المهم، هل يجوز لسلفي يرأس حزبا سلفياً ويشارك في الانتخابات، ضمن قائمة التحالف الإسلامي الذي يضم حزب النور وحزب البناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، هل يجوز أخلاقيا أن يكتب كلاما كهذا، حتى لو كان عن الكافر الفاجر أبو جهل أو حتى أبو لهب؟
معارك المجلس العسكري: اعتذار لكل نساء وفتيات مصر عن تعرية غادةوما دامت هذه هي نظرة السلفيين للمرأة، فسوف ننتقل إلى الحادثة التي تشعل النار في مصر وفي العالم كله، وأحدثت جرحاً، لا نعرف كيف ومتى، سيندمل، ودفعت المجلس العسكري إلى الاعتراف بما حدث للصيدلانية غادة، وأنه سيجري تحقيقاً مع من قاموا به، وتقديم اعتذار لكل نساء وفتيات مصر، ومع ذلك، خرج اثنان من زملائنا بمواقف لا أريد أن أصفها، أولهما زميلنا بالجمهورية فراج إسماعيل الذي قال يوم الثلاثاء في عموده، خارج السرب – بجريدة ‘المصريون’ مكذباً الواقعة: ‘دفعوا فتاة بعباية سوداء لا ترتدي تحتها إلا الملابس الداخلية لتحتك بالجنود الذين سحبوها على الأرض فانكشف جسدها، ولوحظ من خلال الفيديو أن الجندي كان يحاول تغطيتها وأن الفتاة سرعان ما تعود لتكشف جسدها كأنها تتيح الفرصة للكاميرات حيث تكفلت بعد ذلك وكالة، رويترز بتوزيع الصورة عالمياً.
لا نعرف طبعاً من هي، لكن مثل ذلك الرداء نراه على بنات الشوارع اللاتي ينتشرن في إشارات المرور لبيع علب المناديل للسيارات، وتصدرت صورة الفتاة المتعرية صحف العالم وقنواته التلفزيونية وعلى رأسها ‘نيويورك تايمز’، وقامت نخبتنا بالترويج لسحل ناشطة ثورية فاندفعت عواطفنا من دون أن نسأل: لماذا ترتدي ناشطة ثورية خلال مظاهرات ميدانية ‘عباية على اللحم؟’. معروف جدا كيف تحمي ناشطات الثورة انفسهن برداء محكم من الجينز و’البودي’ وظهر ذلك خلال مرات سابقة تعرضن فيها للضرب، مستقبل مصر يصنعه أطفال الحرائق وفتاة العباية، هل هذه هي الثورة؟’. الاعلام يسلط الضوء على الحوادث الفردية لتشويه الجماعةعباية على اللحم؟ أهذا هو الضمير؟ صورتها كانت ترتدي بنطلون جينز، وفي اليوم التالي – الأربعاء قال زميلنا بـ’الجمهورية’ ومستشار تحرير ‘المصريون’ السيد البابلي: ‘ركز الإعلام على مشاهد الفتاة التي تم سحلها في ميدان التحرير وهو عمل قمنا بإدانته جميعاً واستنكاره، إلا أن الإعلام لم يتناول قضية اعتصام بعض النساء في ميدان التحرير وقضائهن الليل بطوله داخل هذه الخيام غير المجهزة للمتطلبات والاحتياجات الإنسانية.
فنحن مع مشاركة المرأة في العمل السياسي وفي المظاهرات والاحتجاجات ولكن بشكل منظم ومتحضر يتفق والدين والأخلاق من دون أن تضطر المرأة الى البقاء مع غرباء خارج منزلها ليلا فهذا عمل لا يقره شرع ولا عادات ولا تقاليد.
ويمكن للمرأة أن تشارك في مسيرات ومظاهرات منظمة يحميها الرجال ويقومون بصيانة أعراضهن وبما يحفظ كرامتهن وكرامتنا جميعا، من دون أن نبكي بعد ذلك على سيدة تم سحلها لأنها كانت في المقدمة تشتبك مع الجنود، إن كلمة الحق أمانة، والكلمة مسؤولية نحاسب عنها أمام الله سبحانه وتعالى قبل أن تكون من أجل إرضاء البشر، والإعلام الحقيقي هو الذي ينقذ الأمة ويقود الرأي العام ولا يكون منقادا لأحد’. لم يكفه تعريتها بل داس على بطنها!
وباستثناء فراج والبابلي، فقد امتلأت الصحف الخاصة والحكومية بالإدانة لما حدث، فيوم الاثنين قال في ‘الشروق’ زميلنا والكاتب الإسلامي الكبير فهمي هويدي: ‘الصورة التي طيرتها وكالات الأنباء إلى أرجاء الكرة الأرضية وتصدرت أمس الصفحات الأولى لكبريات الصحف في العالم كانت للفتاة المصرية المحجبة التي ألقيت على الأرض وأوسعها بعض ‘الأشاوس’ ضربا بعصيهم حتى مزقوا ثيابها وكشفوا عورتها، وقد رأينا أحدهم وهو يركل بطنها العارية بحذائه في مشهد يقشعر له البدن ويزلزل كيان أي ضمير حي، لم يكن أسوأ ما فيه فقط بشاعة المنظر ووحشيته وإنما أيضا درجة الغل والقسوة التي التي تبدت في سلوك الجنود الذين ارتدوا الثياب العسكرية، الصورة المروعة تصعق من يراها وتصيبه بالذهول به سوء الظن – ان ذلك يمكن أن يحدث لمصري أو مصرية بعد عشرة أشهر من الثورة التي ما قامت إلا لكي تدافع عن كرامة المواطنين وعزتهم، دعك من أن الصورة تحولت إلى فضيحة عالمية تشعر كل مصر بالخزي والعار، ولا أعرف ما هو شعور أعضاء المجلس العسكري أو حكومة ‘الإنقاذ’ أو أعضاء المجلس الاستشاري الذين جيء بهم لكي يكونوا عونا للعسكر حتى تنتهي المرحلة الانتقالية، لكنني أزعم أن الصورة سودت وجوه الجميع ولطخت صفحتهم بحيث ما عاد ممكنا أن يطمئن المرء أو يثق فيما يصدر عن أي من هؤلاء جميعا. ‘كم يُشبه مشهدا لجنود صهاينةويوم الثلاثاء قال زميلنا الإخواني خفيف الظل سليمان قناوي في ‘الحرية والعدالة’: اعتقدت أولا أنه مشهد لجنود صهاينة يسحلون ويعرون فتاة فلسطينية في الضفة الغربية، وظللت غير مصدق أن ما جرى هو لبنت مصرية في قصر العيني، ومن ارتكب ذلك هم جنود مصريون، ومازلت مصدوما بأن الجيش الذي حمى مصر بعد هزيمة 1967 وخاض معركة رأس العش وأغرق المدمرة إيلات في وقت كان الطريق الى القاهرة مفتوحا أمام الجنود الصهاينة، هو نفسه الذي عرى متظاهرة مصرية حتى وصل الأمر الى الهتاف: ‘اللي يعري أهله وناسه، يبقى عميل من ساسه لراسه’. ضرب الأمهات الثكالى على وجوههن وإهانة الصحافيينونترك سليمان ونتحول إلى ‘أخبار’ نفس اليوم – الثلاثاء – لنكون مع زميلتنا نهاد عرفة وهي تبكي وتقول: ‘صورة لسحل فتاة مصرية مناضلة من جنود مصريين وتعريتها وضربها وهي عارية بالأقدام تتصدر الصفحات الأولى بالجرائد العالمية في القارات الخمس، هل يستطيع المجلس العسكري أن يمحوها من الذاكرة، لهذا رصيدكم نفد.
ضرب الأمهات الثكالى على وجوههن وإهانة الصحافيين وتكسير الكاميرات، هل يمكن أن يمحى من ذاكرتنا، لهذا رصيدكم نفد.
والسؤال هل تريدونها ليبيا أخرى، بجد أنا لست حزينة فقط على صورة الجندي المصري الذي أبهر العالم في كل معاركه على مر التاريخ، بل قلبي ينزف كمداً وأشعر أني أحترق، لا سامحكم الله ولا سامح كل من يحرص على المال والسلطة وحرق مصر’. لن يقبل المصريون بالوحشية في التعامل مع المتظاهرين بعد الانأما زميلتها ثناء أبو الحمد فكانت بدورها مصدومة ومذعورة مما حدث، فقالت عنه في نفس العدد: ونظل مع النساء، وزميلتنا منى ثابت بمجلة ‘آخر ساعة’ التي تصدر عن نفس المؤسسة وقولها: لن نقبل المشهد الهمجي للضرب المبرح للسيدات في الشارع، ولن نقبل تعرية جسد المتظاهرة وسحلها، ولا جذب الأم التي اعتادت تقديم الطعام للمتظاهرين من شعرها وضربها، ولن نسمح بتكرار هذه المشاهد، ولن نسامح أبدا بضرب المصريين بالأحذية والعصى، من جنود مصريين واجبهم حماية كرامتنا وأرواحنا وأجسادنا ومنشآتنا، واسألكم بماذا شحنتم نفوس وعقول هؤلاء الجنود ليمارسوا هذه الوحشية العلنية على عائلاتهم ولمن تدينون’. إخوانية تتهم من قاموا بتعريتها بأنهم ليسوا رجالاومن ‘آخر ساعة’ الى مجلة ‘المصور’ الحكومية وزميلتنا الناقدة صافي ناز كاظم وقولها: حينما شاهدت المصرية المنتهكة ممزقة الثياب، مكشوفة العورة، والجنود مجتمعون فوق قلة حيلتها ويضربها سافل منهم بحذائه وهي بلا مغيث مسحولة على الأرض خرجت مني على الفور صيحة، الكفرة، نعم هذا هو الكفر بعينه، وهذه المصرية هي مصرنا ذاتها، فما جزاء من يفعل بك كل هذا يا مصر، ليتهم كانوا جند نابليون ليتهم كانوا جنود الاحتلال الانجليزي، ليتهم كانوا أقذر أعدائنا من الصهاينة، لكنهم يا مصرنا ممن يزعمون انهم حماة البلاد وحراسها’. ثم اجهشت صافي بالبكاء، وأكملت الإخوانية الدكتورة أسماء زيادة القول، في نفس اليوم – الأربعاء – في ‘الحرية والعدالة’: ككل مصري ومصرية، انطويت على حال من الألم والحسرة والإحساس بالخزي والعار بعد رؤية ‘فتاة مصرية تضرب أبشع الضرب وأقساه، وتسحل وتعرى من اللا رجال، بل اللا بشر، ويعتصرني الهوان وصورة هذا الكائن السادي الذي يضربها بحذائه العسكري على صدرها العاري.
اللواء عادل عمارة، ويحاول المسؤول في لهجة مهددة أن يبرر قائلا: ‘لا تنظروا للصورة وحدها، ولكن اسألوا عن الظروف’، عن أي ظروف يتحدث؟! واسوأتاه واخزياه.
إنه مهما يكن توجه الفتاة وفكرها وعقلها، إنها لو كانت خائنة للوطن عدوا له، إن هذا الذي رأيناه لا مبرر له، ثمة قوانين، ثمة حكومة انتقالية ثمة مجلس عسكري يفترض انه محترم، دعك من كل هذا، ثمة إنسانية وخلق، رجولة بقايا رجولة، أي شيء.
لم يكن بأقل سوءا من هذه الصورة، صورة داعية من دعاة هذا الزمن البائس ممن تسنموا الفضائيات بخطاب إسلامي رديء، وخطاب غير أخلاقي تتبرأ منه أبسط أخلاقيات الدعاة، وحملة هذا الدين العظيم، يجلس على الفضائية في حضرة شخصين يبادلانه الابتسامة الساخرة وهو يعلق على ما جرى لابنة مصر التي سحلت وضربت، وانتهكت حرمتها، يسخرون ويبتسمون ويتندرون من تعليقات الغضب التي علق بها البعض على الحدث، لو تعرضت كافرة في أرضكم وحماكم لمثل ما تعرضت له الفتاة لجللكم العار وكساكم الخزي، وهما مجللاكم وكاسياكم، كيف وهي المسلمة المصرية الشريفة العزلاء التي لا تحمل سلاحا ولا ترفع بندقية؟! فيا بقايا الرجال، أنتم من تعرى وانكشف’. هل هؤلاء هم جند مصر وحماتها حقا؟
وسارع الإخواني الدكتور حمزة زوبع بإكمال وصفها بأن قال في نفس العدد: هل هؤلاء هم جند مصر وحماتها حقا؟ هل هؤلاء مستعدون لملاقاة عدو أو منازلة معتد؟ أم أنهم تلقوا تدريبا أمنيا لا عسكريا يسمح لهم بالرقص فوق الجثث وسحل المواطنين والتناوب على ضرب المتظاهرين في مشهد يبدو احتفاليا فالبعض يضرب والبعض يقفز والبعض يسحل؟
أين شرف الجندية المصرية التي يبدو أنها ديست تحت أقدام العسكر، وبأوامر منهم تحول الجنود الذين كنا نحترمهم الى وحوش تنهش كرامتنا وتغتال أمننا لا أن تحافظ عليه؟
انهم لم يؤهلوا للجندية، بل لقتال شعبهم، فلا فرق بينهم وبين بلطجية الأمن المركزي، لا يمكنني أن أمنح هؤلاء شرف العسكرية والجندية التي عرفتها يوما ما، والتزمت بها كجندي طبيب في القوات المسلحة في نهاية الثمانينيات.
إذن الصورة واضحة تماما، المجلس العسكري استبدل بأمن الدولة المخابرات العسكرية، واستبدل بالأمن المركزي الشرطة العسكرية، لا جديد يستحق أن نحترم بسببه هؤلاء’. العالم كله نقل وحشيتنا وبشاعتناوفي ‘التحرير’ بنفس اليوم، صاح زميلنا والكاتب أسامة غريب: الهجوم البربري لكتيبة الجنود النشامى على امرأة في الشارع وجريهم خلفها ثم إسقاطها أرضا، وركلها بالبيادات في وجهها وجسمها ثم القيام بتمزيق ثوبها وكشف لحمها وتعريته وركلها بقسوة بالغة والصعود فوق جسمها بالأحذية في صورة شاهدها العالم كله ونقلتها كبرى صحف العالم لتعلم الدنيا حجم التدني الأخلاقي للسادة الأشاوس وفشلهم في السيطرة على الهمجية أو إخفاء مشاعر الكراهية لثورة شعب مصر، ليس عريا ما شاهدناه فعلا لكنه المعرة والعار والعوار التي لطخوا بها وجه مصر حين أساءوا للجيش المصري وقدموه في صورة شائهة لا يستحقها منهم أبدا، هذه المرأة حرة فعلا وهي سيدة الحرائر على العكس من العبيد الجبناء الذين اعتدوا عليها وهم يظنون أنفسهم آمنين من العقاب، ووالله إن حذاءها لأطهر من كل رؤوسهم التي تعشش فيها العناكب والقوارض والخفافيش، وحذاؤها أرقى من عقلية الإرهابي الدموي الذي تمنى أن يضع الشباب في أفران هتلر!’. عيال صيع يستحقون الحرق بأفران الغاز بتاع هتلروهو يشير إلى تصريحات للواء عبدالمنعم كاطو المستشار في إدارة التوجيه المعنوي، والذي قال عنه في نفس العدد زميلنا وائل عبدالفتاح: الكاطو يخرج أمس منتشيا بمقولته المستعادة من زمن يستنكره العالم كله إلا هنا ومع جنرالات أصابتهم هستيريا الدفاع عن الدولة الأمنية.
الكاطو قال: دول شوية عيال صيع ويستحقوا الحرق في أفران الغاز بتاع هتلر.
بهذه البساطة تعلن أيها الكاطو قرابتك مع هتلر، هذا الإعلان والتمجيد لأفران الغاز يستحق الاعتقال الفوري في بلاد تحترم الإنسان وتعرف قيمة الحياة، لكنها لحظة تنتشر فيها رائحة الدم وشهوة السلطة.
إنها أول مواجهة في تاريخ مصر الحديث بين الشعب والسلطة العسكرية المصري يقتل في الشارع دفاعا عن حريته وميليشيات للجيش تضرب النار دفاعا عن سلطتها وهيمنتها، هذا باختصار ما يحدث، المجلس العسكري يدمر المسارات المدنية، يريد أن يكون البرلمان ثكنة ملحقة والحكومة سكرتارية، والرئيس واجهة لا أكثر، هذه حقيقة تغطى بوابل من أكاذيب.
جنرالات المعاشات في المجلس العسكريوقبل أن أتوجه لـ’الأهرام’ جذبني من يدي رئيس التحرير التنفيذي زميلنا وصديقنا إبراهيم منصور وأصر على ان أقرأ له قوله: نفس السيناريو تقوم به قوات الجيش منذ فضها اعتصامات مجلس الوزراء بالقوة المفرطة أو بالعنف المفرط ‘التعبير الذي لم يعجب السيد الجنرال عادل عمارة في مؤتمره الصحافي الهزلي لتبرئة المجلس العسكري من دم الشهداء الذين سقطوا في معركة مجلس الوزراء’، يكرره يوميا، سحلوا الفتيات والسيدات، وهو المشهد الذي أساء الى مصر كثيرا، ويبدو أن السادة جنرالات المعاشات في المجلس العسكري لا يهمهم الإساءة الى مصر الثورة.
وذلك من أجل أن يظلوا قابضين على السلطة بوضعهم الحالي أو بالتوافق مع قوى سياسية منحوا لهم شرعية ووجودا وتمويلا على حساب قوة الثورة، كما ستكشف عن استمتاعهم بالمخصصات التي كانت تحصل عليها مؤسسة الرئاسة في نظام مبارك المخلوع، فهل أحد يعلم الآن ميزانية السادة جنرالات المعاشات ومجلسهم، وأنا هنا لا أتكلم عن ميزانية الجيش والتسليح، إنما ما يحصل عليه الجنرالات الذين هم على المعاش الآن قانونيا، إذا كانوا هم يحترمون القانون، وستكشف الأيام ايضا المخصصات التي يحصل عليها وزراء المجلس العسكري الذين لم يتغير معهم شيء، فهم امتداد لوزراء حسني مبارك في كل تصرفاتهم، وهل يمكن مساءلة اللواء عادل عمارة على ما قاله من افتراءات في مؤتمره الصحافي وبثه إشاعات كاذبة عن معلومات لحرق مجلس الشعب في نفس الوقت الذي يحمي فيه الجيش جميع المداخل الى مجلس الشعب حتى بأسواره الخرسانية، يا أصحاب المبادرات، اصمتوا من فضلكم!’. العسكريون يلقون بالمسؤولية على الخارج بدل مواجهة اخطائهموإلى محطتنا الأخيرة، وهي ‘أهرام’ الأربعاء حيث قال زميلنا محمد إبراهيم الدسوقي: وبدلا من مبادرة المجلس العسكري بالاعتراف بأخطائه يلقي بالمسؤولية على عاتق طرف خفي يحيك المؤامرات الهادفة لزعزعة استقرار مصر والانقضاض على ثورتها، بدون إطلاعنا على ما لديه من دلائل وبراهين تؤكد صحة رواياته منذ اشتباكات العباسية وماسبيرو ومحمد محمود، مع أن الوقائع والشواهد الموثقة بالصوت والصورة تحدد هوية الجاني والمجني عليه في آخر حلقات مسلسل ‘الجرائم الوطنية’، في شارع مجلس الوزراء.
ما المخرج السريع إذن من ورطتنا الآنية التي وضعنا فيها المجلس العسكري وأسالت الدماء في شوارع العاصمة؟ البداية لابد أن تكون من تغيير رد الفعل النمطي للمجلس.
ولا أشك في أن عدم الخبرة السياسية للمجلس كانت حافزا استغله المغرضون أسوأ استغلال المرة تلو الأخرى لإغراقنا في فتن لا تنتهي ويدفع المجلس الأعلى ثمنها باتساع الفجوة الفاصلة بينه وبين المواطنين، وإن سلمنا بصحة حديث المؤامرة فان المجلس مسؤول عن تنفيذها، فالثعابين القابعة في طرة بلا حسيب ولا رقيب مطلقة اليد مع أن المنطق السليم يوجب تشتيتهم في سجون الوطن وليس تجميعهم تحت سقف واحد، لتسهيل مهمتهم في الكيد والشماتة’. ومن فضلكم تفهموا أن تزايد الفجوة وانسداد قنوات الاتصال والتفاهم بين المصريين والمجلس الأعلى يشكل خطرا داهما على مستقبلنا وأنه آن الأوان لإقرار المجلس بأنه اختار الساحة الخطأ لمعركته التي كان يفترض أن تتجه لقطع ذيول النظام القديم وطمأنة المواطن على حاضره ومستقبله، واعتقادي انه لا يزال أمامه فرصة أخيرة لايجاد مخرج يحافظ على وحدة وتماسك الوطن فعليه ألا يتأخر’. مسؤولية الجيوش في مستنقع السياسة ومستنقع الأمنوشاركه الغضب زميله والشاعر الكبير فاروق جويدة بالقول: كان الخطأ الجسيم أن يدخل جيش مصر في مواجهة لتفريق مظاهرة أو مواجهة مجموعة من الشباب الغاضب تسللت الى صفوفهم فلول الحزب الوطني المنحل، إن حفظ الأمن في الشارع ليس مسؤولية الجيوش في مستنقع السياسة ومستنقع الأمن في وقت واحد، كلنا يعرف أن مستنقعات السياسة تضم عادة الأسوأ في نوعيات البشر حكاما وأصحاب قرار، ومستنقعات الأمن تتعامل مع البلطجية والخارجين على القانون واللصوص، وليس من مسؤوليات الجيوش ان تهبط الى هذه المستويات في التعامل، وإذا كان هذا يحدث في دول تدرك معنى القيم فما بالك بشعوب ضربها الاستبداد وتركها للجهل والأمية والفساد الأخلاقي والسلوكي، مدارس السياسة عندنا كانت دائما تدور في فلك حاكم مستبد أيا كان نوع استبداده، ومدارس الأمن عندنا كانت دائما تسلك أحط أساليب التعامل مع البشر في البطش والطغيان ولهذا حزنت كثيرا وأنا أشاهد جندياً مصريا يدوس بحذائه جسد فتاة مصرية، وأياً كانت الأسباب فلا محل لها في أي موقف أو سياق ولابد من محاكمة حاسمة وعادلة لا تشبه محاكمة الرئيس السابق ورموز عهده، خسر الجيش الكثير من محبة المصريين، وخسرت النخبة الشارع المصري بالكامل، وخسر الثوار رصيدا كتبوه بدماء الشهداء حين تركوا البلطجية يتسللون الى صفوفهم ويحرقون المجمع العلمي أمام أعينهم ويقدمون للعالم أسوأ صورة لشعب لم يحافظ على تاريخه’.