طنين على هامش الثقافة!

حجم الخط
0

خيري منصور

لأن بعض المهن ذات الصلة بالتوثيق سواء كان بيبلوغرافيا او حتى انطولوجيا بهدف التعريف فقط يحل فيها الجهد والدقّة والدأب مكان الرهبة، فإن أي خلل تقع فيه يحرمها من امتيازها الوحيد، هذا بالرغم من أن اصدار الانطولوجيا او المختارات سواء كانت لكاتب او شاعر واحد او لمجموعة تشترط وعيا نقديا للمفاضلة الفنية بين نص وآخر ما دام كل اختيار يقتضي بالضرورة حذفا او تركا. وفي عالمنا العربي الذي ضاعت فيه الحدود بين الحوابل والنوابل وربما الحوامل ايضا، فإن الأرشفة او الانطولوجيات باتت مشاعا للهواة، الذين تجتذبهم مهنة الكتابة حتى لو كانت مجرد هوامش على كتابات الاخرين، ولدينا مثالان على الأقل من هذه الآونة الحرجة التي لم تعد فيها الثقافة محروسة بأية تقاليد او حتى كوابح ذاتية.

المثال الاول هو مختارات لنصوص كنت فيها عراقيا واردنيا وفلسطينيا ومصريا حسب مكان الصدور او زمانه، ولم انزعج من هذا، وربما يزعجني العكس لا على حساب انانية شخصية بحيث تمنيت ان اكون سوريا ولبنانيا ومغربيا الى آخر القائمة، لأن الابداع والثقافة بعامة لا صلة لهما بسايكس ـ بيكو ومحاصيلها السياسية رغم ان هناك عربا حرصوا على التجزئة كي يتدنى المعيار القومي فيكون لهم حصة في هذه القرية او تلك الحارة.

والمثال الثاني كتابات عربية عن محمود درويش بعد رحيله، لم أجد فيها حرفا واحدا لي رغم ان ما كتبته عن محمود درويش بعد رحيله كان من خلال منابر يتعذّر على اجهل الناس تجاهل واحد منها هي ‘القدس العربي’ ومجلة وجهات نظر المصرية ومجلة الهلال المصرية ومجلة اخبار الادب المصرية وجريدة الدستور الاردنية وجريدة الخليج الاماراتية اضافة الى الكتاب الذي اصدرته دار رياض الريس في ذكرى محمود درويش وكتاب آخر صدر في عمان، فهل يكتفي الهواة بما هو في متناول ايديهم محليا؟ ولا يكلفون أنفسهم في البحث عن المادة التي تخص عملهم، وأليس من حقنا ان نغضب ولو قليلا عندما نرى الفرنسي والسويدي والألماني والروسي والأمريكي يطرقون كل الابواب كي تكون مختاراتهم دقيقة وموثقة وبالتالي لا يسيئون الى احد منّا؟ وهنا أذكر حادثة قد تبدو طريفة لكنها ذات دلالات كارثية، فقد كتبت قبل سنوات مقالة عن الراحل د. جمال حمدان العالم الجيوبوليتيكي المصري الشهير وصاحب عبقرية المكان وشخصية مصر اضافة الى موسوعته عن استراتيجية الاستعمار والتحرير بعد رحيله في ظروف غامضة بشقته في القاهرة حيث كان يعيش بمفرده مقالة بعنوان ‘من قتل جمال حمدان؟’ وفوجئت في اليوم التالي بعدد من المشتغلين في الصحافة والثقافة يستنكرون عليّ ما كتبت ظنّا منهم انني اقصد الصديق القاص والكاتب المبدع جمال ابو حمدان اطال الله في عمره، ولم يخطر ببالي للحظة انهم لم يسمعوا باسم د. جمال حمدان من قبل!* * * * * * *لا اعرف كم من الصراحة او الشجاعة يحتاج المرء كي يستحضر عشرات الأمثلة من هذا الطراز، لكنه الخجل ذو الجذور الريفية والتربوية، يجعل اصابعنا ترتعش عندما تهم بكتابة اسم ينوء بأوهامه، والتي ان جُرّد منها قد ينتحر او يموت بالسكتة العقلية او النرجسية. ونحن نعلم كم من الجهد يبذل اكاديميون ومبدعون من العرب الذين يعيشون في الغرب كي يدققوا في السّير الذاتية لمن يختارون لهم نصوصا للترجمة، واذكر منهم الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي في مشروع بروتا، والشاعر عبد اللطيف اللعبي الذي ترجم لنا نصوصا الى الفرنسية ود. صالح العويني في السّويد وآخرين يستحقون العرفان للدقة التي امتازت بها مشاريعهم.

وفي هذا الواقع العربي الذي تم فيه اعدام سياسي وجسدي لملايين البشر واوشكت الارض ان تمتلىء بالقبور الجماعية انتقلت عدوى هذا الاعدام الى الثقافة لأنها ليست من كوكب آخر، وتحمل الفيروس الابادي ذاته، فمن لا يعجبه حذاء كاتب قد يحذفه بجرة قدم لا بجرة قلم، ومن لا تروق له حكاية من زميل يسارع الى حذفه انتقاما.. وقد حدث هذا بالفعل مرارا ومحمود درويش نفسه لم ينج من هذا الاعدام، لكنه كان يقول ساخرا: لقد فات الاوان.. وبالانجليزية: It`s too late وفي احدى المرات قال لي ساخرا: تصور ان هناك شاعرا من بلادنا يقول ان ازرار السترة الصفراء من ذهب؟ وأضاف: لقد كتب عني ذلك، وقد أرسل له برقية تهنئة على هذا الاكتشاف الأخرق وأبلغه بأن ثمن هذه الأزرار قد لا يزيد عن دولار واحد!!! لكن الفوبيات التي افرزها الحرمان واستوطنت الذاكرة تجعل كل ما يلمع ذهبا، وكل ما يكتب أدبا او شعرا وكل ما يروى بطريقة النميمة البدائية رواية!!! ان ما تبقى من خجل آدمي هو ما يحرمنا حتى الان على الأقل من تسمية النماذح فنلوذ بالتجريد ونكتفي برصد الظواهر!!* * * * *أرجّح ان الغلوّ في هذا الانتهاك للثقافة والعبث بمتونها له مصدر آخر غير الجهل وان كان حليفا له، هو مساحة الاهمال التي ينعم بها الهواة، فلا الدول ولا الشعوب تلتفت الى ما يمارسونه من بناء تماثيل من الثلج، او اضافة فاصولياء من الطين كما كان آرثر ميلر يقول.

هذا بالطبع اضافة الى انقراض خاصية بشرية طالما حصّنت الانسان هي الحياء، فمن لا يستحي كما يقال شعبيا يفعل ما يشاء، وهذا المثل يرادف بدقة عبارة ديستويفسكي الشهيرة وهي ان لم تكن السماء مسكونة فكل شيء مباح ومُتاح. * * * * * *بدلا من ان يسعى الهواة الى مزيد من التأهيل نحو الاحتراف، عثروا على صيغة أخرى، هي تشكيل ما يشبه الجماعات السرية، وقد ساعدهم على ذلك اختراع عجيب حوّل الكتابة الى عادة سرية، والحياة اليومية برمّتها الى شيء افتراضي. لكن الى متى سيدوم ذلك؟ وهل نحن بالفعل نعيش حقبة ما بعد التاريخ وما بعد الثقافة وما بعد الأخلاق وما بعد الخجل ايضا.

الأرجح ان ذلك كله مجرد ثغاء وما تم ابتذاله من المعرفة بدءا من الفلسفة حتى الانواع الادبية، هو في الحقيقة اشبه بذبابة الخيل التي كتب عنها تشيكوف، فهي تزعج الحصان وتحوم وتطن على ذيلة وسلاحها الاستراتيجي الوحيد انها اصغر من ان يراها وبالتالي اصغر من ان يسحقها!!! اخيرا، بل أولا، اردد ما قاله الباقي محمود: ما لنا ولطنين البعوض!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية