الوزراء والجنرالات الذين شهدوا فصول الصيف المتوترة في الأعوام 2009 – 2013، سير الأمور في الصيف الحالي بدأ يذكرهم بالأشياء المنسية، وليس بشكل إيجابي. في تلك الأيام البعيدة من حكومات نتنياهو الثانية والثالثة بنيت بصورة متواصلة الدراما في كل سنة في الربيع حول إمكانية مهاجمة إسرائيل لمنشآت إيران النووية. خلال أشهر الصيف كان التوتر يزداد وفي الخريف بعد مرور ما سماه الخبراء في الخارج فرصة عملياتية لسلاح الجو كان الخطر يتلاشى وكأنه لم يكن. في السنة القادمة وفي الربيع القادم كنا نبدأ الأغنية من البداية إلى درجة أن الأمريكيين سئموا من ذلك. الاتفاقيات التي توصلوا إليها مع الإيرانيين، الاتفاق الانتقالي في 2013 والاتفاق النووي في 2005 سدت الطريق على خطة الهجوم الإسرائيلية.
بعد ذلك أصبح واضحاً تماماً ما حدث هناك. الخوف من هجوم إسرائيلي غير منسق على إيران حث إدارة اوباما إلى استخدام ضغط العقوبات المتشددة الذي جعل اقتصاد إيران يركع. وفي نهاية المطاف مهد الطريق لتوقيع الاتفاق الكامل. رجال الاستخبارات الإسرائيلية لاحظوا في الاتفاق رغم عيوبه فرصة كبيرة لإبعاد التهديد النووي مدة عقد على الأقل. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كان له موقف آخر وقد استغل فوز ترامب في الانتخابات من أجل الدفع نحو انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في أيار السنة الماضية.
ما نشاهده أمامنا في الخليج الفارسي في الأشهر الأخيرة هو استمرار مباشر لنفس القصة. إدارة ترامب بتشجيع من إسرائيل (تقريباً أكثر هدوءاً مؤخراً) تستأنف، بل تزيد شدة العقوبات. تم دفع إيران إلى الزاوية، والآن في ظل الأزمة يمكنها أن تعود وتتسبب بانهيار الاقتصاد، وهي تحاول من جديد ابتلاع أوراق اللعب. هذه هي خلفية الهجمات الأخيرة على ناقلات ومواقع النفط في الخليج، التي نسبتها الاستخبارات الإسرائيلية والغربية بدرجة كبيرة من الثقة لحرس الثورة الإيراني.
إيران تقوم بخطوات دفاعية. فجر أمس أسقطت طائرة أمريكية بدون طيار، ثمنها 130 مليون دولار، التي حسب زعمها جمعت معلومات استخبارية فوق أراضيها (الأمريكيون يقولون إن الطائرة لم تخترق مجال إيران الجوي). في الوقت نفسه، إيران تحذر من أنها ستخرق قريباً الاتفاق النووي باقترابها من شفا التراكم المسموح لتخصيب اليورانيوم بمستوى منخفض. أمس حذر الرئيس الروسي فلادمير بوتين من تداعيات تاريخية إذا قامت واشنطن بالرد بالقوة على إيران. نتائج التصعيد، قال بوتين، غير متوقعة.
الفرق بين الصيف الحالي لمواسم صيف بداية العقد هو أن الأمور هذه المرة غير مرتبطة بإسرائيل. الولايات المتحدة بواسطة الانسحاب من الاتفاق وطرح خطة الـ 12 نقطة لوزير الخارجية مايك بومبيو ضد إيران وتفعيل العقوبات أيضاً على شركات من دول ثالثة تقوم بالاتجار معها، خلقت واقعاً أقليمياً جديداً. وثمة شك في أن ترامب نفسه يريد حرباً مع إيران. في بداية الأسبوع وصف الهجمات على ناقلات النفط بـ «هامشية». وأمس، كالعادة، قدم عدة ردود متناقضة ومشوشة على حادثة إسقاط الطائرة بدون طيار. ديناميكية التصعيد غير مرتبطة بالضرورة برغبة الطرفين. وهناك جهات في الإدارة وعلى رأسها مستشار الأمن القومي الحالي جون بولتون، دعت في السابق إلى تغيير النظام في إيران بالقوة.
على هذه الخلفية برز ضعف البنتاغون. وزير الدفاع جيمس ماتيس قدم استقالته في كانون الأول الماضي بسبب خلافات مع الرئيس، التي كانت ذروتها معارضة نية ترامب (التي لم تنفذ بالكامل بعد) إخراج جميع القوات الأمريكية من سوريا. في هذا الأسبوع اضطر القائم بأعماله إلى الاستقالة بسبب الكشف عن قضية قديمة حول العنف في العائلة. هؤلاء ليسوا الجنرالات الذين يملون الخط في واشنطن. المشكلة هي أنه ليس واضحاً من الذي يملي هذا الخط وهل يعرف ما الذي يريد أن يحققه. البيت الأبيض وافق مؤخراً على الإعلان في هذا الأسبوع عن إرسال ألف جندي كتعزيز إلى الشرق الأوسط. بومبيو حذر من أن الخسائر الأمريكية سيكون لها رد شديد ضد إيران. لذلك قام برسم سيناريو معين ومحدود مقارنة مع تهديدات الإدارة في السابق.
إشارات من إيران: إذا منعونا من التمتع بثمرة نفطنا فلا ثمار لغيرنا
حتى الآن تم توجيه هجمات إيران ضد صناعة النفط في الخليج. في المستوى السياسي في إسرائيل يدركون أن إمكانية مبادرة طهران إلى الاستفزاز على أحد الحدود في الشمال بهدف جر إسرائيل إلى الأزمة وإجبار الأمريكيين على العمل. ليس هذا اتجاه التطورات المؤكد، بل إمكانية تعتبر واقعية تحتاج إلى يقظة إسرائيل. احتكاك بين إسرائيل وإيران في الشمال ليس أمراً جديداً. فهو يجري بشكل غير مباشر منذ سنوات من خلال حزب الله. وفي السنوات الأخيرة زادت حدته في أعقاب قصف إسرائيل لقواعد إيرانية ومليشيات شيعية في سوريا.
حسب تحليلات الاستخبارات، فإن إيران لا تسعى إلى حرب مع الولايات المتحدة، وهي تعلم خسارتها فيها، ولكن استمرار الوضع الراهن هو أمر غير محتمل بالنسبة لها. الهجمات التي لم يتم تحمل المسؤولية عنها (بالعكس، طهران نفت العلاقة بها) هدفت إلى إيجاد مخرج من الوضع الراهن. قلق إيران الحالي يتعلق بالنفط. تشديد العقوبات أنهى جزءاً كبيراً من تجارة النفط الإيرانية. الأمريكيون أيضاً قاموا بعمليات أخرى شوشت على إيران نقل النفط كجزء من التجارة المتبادلة، مثلاً للمتمردين الحوثيين الذين تشغلهم في اليمن.
حذرت طهران في السابق من أنه يمكنها ضرب خطوط سفن النفط. سلسلة الهجمات في الخليج هدفت إلى إعطاء إشارات بأنه إذا لم تستطع إيران أن تتمتع بثمار النفط فإن الدول الكبيرة المنتجة للنفط في المنطقة (التي في معظمها هي حليفة لواشنطن) لن تستطيع فعل ذلك. وفي الوقت نفسه يمكنها التأثير على ارتفاع أسعار النفط بسبب عدم اليقين وبسبب الحاجة إلى رسوم تأمين أعلى. في هذه الأثناء الارتفاع معتدل نسبياً.
المهاجمة الأخيرة لناقلات النفط قبل أسبوع أوقفها الأمريكيون جزئياً. طاقم قارب لحرس الثورة تم توثيقه وهو يخرج من إحدى الناقلات لغماً لم ينفجر، الأمر الذي يبدو كمحاولة لاخفاء البينات. جرت الحادثة بالضبط عندما كان رئيس حكومة اليابان يزور إيران في محاولة لتهدئة النفوس في الخليج. يبدو أن مهمته قد فشلت في هذه الأثناء.
مجلة «فورين بوليسي» حذرت هذا الأسبوع من أن هذه ليست المرة الأولى التي يرد فيها الإيرانيون بتصعيد متعمد بهدف إبعاد الضغط الخارجي الذين يعتبرونه أمراً غير محتمل بالنسبة لهم. هذا ما حدث أيضاً في حرب الناقلات مع الأمريكيين في الخليج في نهاية الثمانينيات وعندما اختارت إيران مساعدة المليشيات الشيعية التي حاربت ضد الاحتلال الأمريكي في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين في 2003. على خلفية الضغط الاقتصادي تستخدم إيران ب ضغطاً مضاداً على أمل تخفيف الحصار الاقتصادي عليها – وربما من أجل أن تحظى بموقف أفضلية معينة عندما سيتم استئناف المحادثات. الأحداث المتتابعة ترمز إلى درجة الضرر الذي يمكن لإيران أن تحدثه وأن تكشف حساسية أمريكا حول صناعة النفط وتضع علامات استفهام على استعداد ترامب لمواصلة الخط المتشدد تجاهها.
مناورة في التضليل
المناورة العسكرية التي جرت هذا الأسبوع في الشمال هي إحدى المناورات الكبيرة التي تم إجراؤها في السنوات الأخيرة. رئيس الأركان افيف كوخافي قضى معظم وقته فيها. وجميع جنرالات هيئة الأركان العامة قاموا بزيارة الوحدات المتدربة. رئيس الحكومة نتنياهو مكث هناك بضع ساعات أول أمس. ومع ذلك، باستثناء فيلم قصير نشر عن زيارة نتنياهو، فإن التغطية الإعلامية للمناورة خلال الأسبوع كانت ضئيلة. والتفاصيل التي أعطاها الجيش عنها بشكل رسمي أعطيت بالقطارة.
هذه الأمور جرت بصورة متعمدة. في السنوات الأخيرة اعتاد الجيش على تغطية واسعة للمناورات كرسالة مزدوجة نحو الداخل والخارج. الجيش أراد أن يبث للجمهور في إسرائيل بأنه تم تعلم الدروس من حرب لبنان الثانية ومن المواجهات في غزة وأن الوحدات عادت إلى التدرب كما هو مطلوب. التنظيمات في الدول المجاورة أرسل لها رسالة ردع. النية في هذه المرة هي السماح بالحد الأدنى من تسريب المعلومات للعدو. لذلك، لم تقدم تفاصيل حول أي وحدات قامت بالتدريب وكم هو عدد جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم وما هي خطة التمرين.
ما يمكن قوله هو أنه شارك فيها عدد كبير من القوات النظامية ومن الاحتياط، وأن هذه المناورة تم دمجها مع المناورة السنوية لسلاح الجو التي أجريت هذا الأسبوع. الخطة التي تدربت عليها القوات رسمت وفق التحدي الرئيس الذي سيقف أمامه الجيش الإسرائيلي في السنوات القريبة القادمة، المواجهة مع ما سماه كوخافي «جيوش إرهابية»، منظمات مثل حزب الله وحماس، التي تملك قدرة عسكرية في جزء منها تنافس القدرة التي لدى دول في المنطقة. في المناورة الحالية تم استثمار مبالغ كبيرة في محاولة للتدرب على سيناريوهات قتالية حتى أدق التفاصيل.
هل تبتلع إيران أوراق اللعب على قاعدة «الغريق لا يخشى البلل»؟
تولد لدى نتنياهو، حسب تصريحاته في نهاية الزيارة، الثقة مما شاهده في الوحدات. ولكن هذه التصريحات صرحها كل رؤساء الحكومات وكل وزراء الدفاع بعد كل زيارة لتمرين عسكري. هناك سؤالان يقفان على الأجندة في نهاية مناورة كهذه. الأول هو هل القدرات التي تم إظهارها بصورة مركزة بحيث كل موارد الجيش موظفة في ذلك، تعكس مستوى جميع الفرق والألوية. الإجابة على هذا السؤال هي بالسلب. هناك فجوات كثيرة في الوحدات. وفي هذه الأثناء يظهر أن خطط رئيس الأركان لا تناسب الموارد التي تستعد وزارة المالية والحكومة تخصيصها لها.
الثاني هو إذا كان المستوى السياسي سيشعر بأنه يثق بنفسه من أجل تفعيل القوات البرية في الجيش لهجوم كبير وفي عمق أراضي العدو عندما ستندلع الحرب. الإجابة عن هذا السؤال تتعلق بشدة سيناريو الحرب. ربما أنه في الظروف التي تواجه فيها الجبهة الداخلية في إسرائيل إطلاق الصواريخ ودماراً لم تعرفه في السابق لن يكون للحكومة خيار سوى السماح للجيش بالعمل – حتى لو كان الأمر مقروناً بالمخاطرة بخسائر كبيرة.
تأخير التنفيذ
مؤتمر البحرين ليس هو ما اعتقدتم. لن يخرج كثير من السعادة من حفل الزواج هذا، الذي ترفض فيه العروس الفلسطينية القدوم، والعريس الإسرائيلي بصعوبة يصل والضيوف يريدون الحفاظ على حضور ضئيل قدر الإمكان. مثلما تظهر الأمور الآن قبل أسبوع على انعقاد المؤتمر الذي بادرت إليه إدارة ترامب، فهو يستضيف في الأساس رجال أعمال، وعدداً الشخصيات الرفيعة التي ستشارك فيه سيكون ضئيلاً.
معركة الصد التي استخدمتها السلطة الفلسطينية ضد المؤتمر حققت نجاحاً جزئياً، رغم أن الأردن ومصر خضعت لضغط الولايات المتحدة والسعودية، وأعلنت بأنها ستشارك. في هذه الأثناء تعد المقاطعة الفلسطينية الرسمية مقاطعة تامة. لا توجد أي أنباء عن رجال أعمال من المناطق تجرأوا على مخالفة موقف السلطة وأعلنوا عن المشاركة.
الفلسطينيون وبحق، يرفضون الدخول إلى هذه العملية التي يدور الحديث فيها فقط عن مقابل اقتصادي. في الوقت الذي تم فيه تأجيل النقاش في الأمور السياسية الموجودة في المبادرة الأمريكية إلى موعد غير محدد. لأن رجال طاقم المفاوضات الأمريكي يأتون من عالم العقارات في نيويورك، ربما يجب العودة إلى مثال من التاريخ البعيد لمنهاتن: لا يمكن ضمان أي تقدم سياسي في المنطقة إذا كان كل ما يبيعونه في البحرين هو القلائد للسكان الأصليين. الرياح خرجت بدرجة ما عن أشرعة الإدارة الأمريكية في أعقاب إعلان نتنياهو عن إجراء انتخابات جديدة في شهر أيلول. إذا كان يوجد احتمال للدفع قدماً بالجانب السياسي في صفقة القرن فقد تم إدخاله إلى التجميد العميق حتى اتضاح الوضع السياسي في إسرائيل قبل نهاية السنة. في الوقت نفسه يظهر شك معين بأن الأمريكيين استغلوا الأزمة الإسرائيلية لأغراضهم. تأجيل الجدول الزمني يمكنهم من مواصلة إخفاء تفاصيل الخطة، التي من كل ما تسرب منها حتى الآن، تبدو غير ناضجة. ولأن سنة 2020 هي سنة انتخابات رئاسية في أمريكا فربما لن ترى صفقة القرن النور. مثل مهزلة مستوطنة «رمات ترامب» التي كما يبدو تم تدشينها هذا الأسبوع في هضبة الجولان في احتفال رسمي لم يكن ليخجل مسرحية لافرايم كيشون، أيضاً هنا وجدت فجوة كبيرة بين الحلم والواقع.
على جدول الأعمال بقيت الوعود الاقتصادية لمستقبل أفضل للفلسطينيين وجيرانهم، وكذلك مع هذه من الأفضل التعامل بحذر. في بداية ولايته كرئيس أثار ترامب ضجة كبيرة بزيارته للسعودية التي تم فيها إطلاق وعود لصفقات سلاح بمئات مليارات الدولارات. وحتى الآن تحقق جزء صغير منها. الفلسطينيون شهدوا مؤتمرات للدول المانحة، التي لم يكن فيها أي علاقة بين الأرقام التي تم إطلاقها في الهواء وتلك الأموال التي وصلت في النهاية إلى الأرض. دنيس روس، من كبار أعضاء طاقم السلام في إدارة كلينتون وإدارة اوباما، حاول هذا الأسبوع العثور على ضوء في نهاية النفط. روس الذي هو عضو في معهد واشنطن لأبحاث الشرق الأوسط كتب بأن الهدف الأساسي لمؤتمر البحرين يجب أن يكون تشجيع الاستقرار في الضفة والقطاع على خلفية تقليص الرواتب في السلطة والمواجهات على الجدار في قطاع غزة. الخطط الاقتصادية التي سيتم طرحها في البحرين يمكن أن تساعد في ذلك، قال روس، شريطة أن يطرح حق الفلسطينيين بدولة ما. روس محق، لكن المشكلة هي أن الإدارة الأمريكية في هذه الأثناء حذرة من ذلك وكأن الأمر يتعلق بطابو فظيع، في حين أن رجال ترامب يطلقون إشارات عن دعمها لضم مناطق ج في الضفة إلى إسرائيل.
السلطة قامت بالتخطيط لإحراج المشاركين في المؤتمر من خلال مظاهرات واضطرابات في المناطق في زمن عقده. الجيش الإسرائيلي عزز قليلاً القوات في الضفة على خلفية احتمال حدوث أعمال عنف. في القطاع، في المقابل، برز هذا الأسبوع هدوء معين عند وصول إرسإلية الأموال الشهرية من قطر. في الأسابيع القادمة سيتم إطلاق عدة مشاريع مهمة في مجال الكهرباء والمياه والمجاري في القطاع.
ولكن أعمال العنف المتواصلة تدل على أن الوضع بعيد عن أن يكون مستقراً. حماس تتهم إسرائيل مرات كثيرة بخرق التفاهمات السابقة. إما أنه وجدت هنا فجوة في التوقعات بين الطرفين وإما أن التفاهمات التي توصل إليها الوسطاء المصريون ببساطة لم يتم استكمالها حتى النهاية. وعلى أي حال، يبدو أن القطاع من شأنه أن يستمر في الغليان طوال الوقت، حيث يمكن للتصعيد في الخليج أن يدفع إيران إلى محاولة حث الجهاد الإسلامي على تصعيد الوضع في القطاع أيضاً.
عاموس هرئيل
هآرتس 21/6/2019