في أول كتاب من نوعه يوثق لتظاهرات العراق، يحاول المؤرخ والكتبي طه الربيعي أن يدخل الانتفاضات في التاريخ مع الانتفاضة العراقية الأخيرة، التي أطلق عليها انتفاضة تشرين، وجعلها وتسميتها على إنها أم الانتفاضات، حسب ما يريد الوصول إلى مبتغاه.
الربيعي في كتابه الأخير الصادر عام 2021 وإن كان قد عنونه «انتفاضة الشباب في كربلاء» كونها كانت واحدة من المدن التي شهدت الحراك والتظاهرات العديدة، مثلما شهدت عمليات اغتيال للكثير من الناشطين والفاعلين والأدباء، ولكون كربلاء حسب قوله «مدينة مقدسة، فقد جلب المحتجون معهم نسخا من القرآن الكريم، أحرقت مع المخيمات، التي هاجمتها القوات الحكومية، وهي تضرب المعتصمين بالهراوات غدرا، أثناء نومهم، ما جعل متظاهري المدينة يزدادون عزما ويهاجمون مبنى محافظة كربلاء».
الكتاب جعل له عنوانا ثانيا «تزرع انتفاضة.. تحصد وطنا» ليكون عاما وشاملا، ثم يضع في أعلى الزاوية من غلاف الكتاب الشعار الذي أطلقه المتظاهرون (نازل أخذ حقي) ليكون دليلا للغاية التي جعلته يؤلّف هذا الكتاب، الذي أنجز بطريقةٍ أدبية ثقافية أكثر منه توثيقا للأحداث.
ويذكر الربيعي في بداية مقدمته، «إن التظاهرات لا تعني فقط العاطلين عن العمل، فالموظف الذي تقول عنه الحكومة يتقاضى راتبا حكوميا ويحصل على مكافآت مالية، وإنه مستفيد ولديه هاتف حديث. على الرغم من كل هذا فهو يصطدم بعشرات العقبات المخيبة للآمال، فموضوع السكن مشكلة معقدة بالنسبة له، والصحة والمدارس، والغلاء والروتين، وغيرها الكثير من التحديات التي تلزمه بأن يعطي حد الإنهاك، ويلج إلى التظاهر لإعلان احتجاجه» ولهذا فهو لا يعقد مقارنة بين الموظف والفقير إلا بقوة الاحتجاج ويقول «الفقراء أولئك الذين لا يجدون قوت يومهم، ماذا يواجهون؟ إن مررت على أمثلة العطاء التي تمارسها بعض المؤسسات والمسماة خيرية، تلك التي تذل المواطن بعطاء مصور يتاجر به بكرامته، أو بمنح الرعايا الاجتماعية، التي لا تسد نصف إيجار بيت في أقصى مناطق الفقر، أو وعود لا مجال لتطبيقها ربما لألف سنة مقبلة». ولهذا فهو يعتقد أن التظاهر هو «الحقيقة التي ستواجه الجميع، بوصفها ترجمة لكل ذلك الغضب المخزون بالضغط العالي، فالصبر الذي بدأ منذ ما لا نعلم لدى العراقيين، لن يبقى ساكنا، وفي يوما ما وفي لحظة واحدة سيظهر الوجه الذي غيبته قرون الظلم، وحينها لن تكون هناك قيمة لكل تلك النظريات التي يسطرها علينا مئات المحللين والمفكرين والسياسيين».
البداية
الربيعي الذي أصدر من قبل أكثر من 25 كتابا يؤكد في كتابه هذا أنه استقصى البدايات الأولى للتظاهرات التي بدأت» بتحرّك عفوي هدفه تذكير الحكومة بتقصيرها لواجباتها، لكن المفارقة إنه لم تظهر أي جهة سياسية طيلة فترة التظاهر على مسرح الأحداث تدعي أنها تقود تلك الاحتجاجات، أو لها أي تأثير مباشر فيها، وكذلك لم يتنافس أحد أو يرفع المتظاهرون شعارات متنافسة مع شعارات أخرى، وإنما هم جميعاً يرفعون فقط مطالبهم الواضحة». ويطرح الربيعي أسئلة «هل التظاهرات عفويه فعلا؟ كيف انتشرت بسرعة إلى بقية المحافظات؟ ومن يوجه تلك التظاهرات؟». ويعطي الربيعي سببا ثقافيا وجوهريا، إن الطبقة الشبابية أصبحت طبقةً واعية ومثقفة، لما لتأثير الكتاب ومواقع التواصل الاجتماعي فيهم وفي زيادة وعيهم ولهذا فهو يقول «نسبة كبيره جدا هم من فئة الشباب اليافع التي تبلغ أعمارهم ما بين (18- 25) عاما، كلهم ترعرعوا وكبروا في ظلّ المعاناة من الوضع الحالي «لهذا فإن صفة الإرهابين أو البعثيين لن تكون مرافقة لهم، وإن تم اتهامهم بعد ذلك» كونهم كانوا يهتفون مع كل مواجهة «سلمية.. سلمية» ولهذا فهو يقول إنه «لم تشهد كل مدن العالم تظاهرات سلمية وتكاتفا وروحا وطنية مثلما تشهده هذه التظاهرات، سواء في كربلاء أو بقية المحافظات».
مجزرة كربلاء
بدأ الربيعي في مبحثه الأول بعنوان «مفهوم المظاهرات» وتضمنت المظاهرة في اللغة والمظاهرة في الاصطلاح، والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، وكذلك الألفاظ ذات الصلة، لذا هو يريد التأكيد على أن الكتاب لا يعني «استقصاءً عاطفيا، بل يعنى بالترتيب الثقافي الذي يعتمد على منهجية التأليف والاعتماد على مصادر علمية الموثق بها، سواء في التاريخ أو اللغة والحاضر بشهود عيان» لهذا فهو يتبع البدايات الأولى للتظاهر، محاولا استقصاء أسباب الانتفاضة المباشرة وغير المباشرة، لكي يصل في المبحث الخامس إلى أسباب «مجزرة كربلاء وموقف المرجعية الدينية منها» مؤكداً إن «القوات الأمنية واجهت هذه المظاهرات بعنفٍ شديدٍ، واستعملت صنف القناصة، واستهدف المتظاهرين بالرصاص الحي، حتى حصل في كربلاء يوم 29/10/2019 أن أظهرت المعادن الحقيقية وسُلّمت لهم مقاليد الحكم وزمام التحكم بالناس؛ وأعادت إلى الأذهان ما فعلته الحكومات السالفة من مذابح مماثلة». ويؤكد أنه اعتمد في كل ذلك أيضا على ما نشرته الوكالات والفضائيات العالمية.
ويقول الربيعي في مبحثه السادس (أحداث ومواقف) «في فجر يوم الجمعة 4/10/2019، أحرقت القوات الحكومية العراقية مخيمات نصبها معتصمو ساحة التربية، التي احتلوها، وأغلقوا مديرية التربية وكتبوا على واجهتها «مغلقة بأمر الشعب» ويمضي الربيعي بقوله عما سماه بالمجزرة إنه جرى «تكليف إحدى الجهات بتنفيذ مجزرة كربلاء مساء الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، بمساعدة ودعم من عناصر خارجية» ويعطي قرينة على ذلك إنه « تم اعتقال مئات المتظاهرين. ونقل عن ضابط في قوات سوات زعمه، إن فتوى دينية من عالم دين رفيع وردتهم بجواز قتل هؤلاء المحتجين» ثم يعطي قرينة أخرى بقوله إن هناك «تسجيلات فيديو وثّقت المجزرة بحق متظاهري كربلاء» كما وثّقت التسجيلات العنف المفرط الذي مارسته الميليشيات باستخدام الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع، التي تم توثيق أنها تخالف المعايير الدولية، وتستخدم كسلاح قاتل بسبب وزنها الثقيل واحتوائها على غازات كيميائية سامة محرمة دوليا».
أما في المبحث السابع فيقول «وثقت مشاهداتي في ساحة التربية التي تحول اسمها الى ساحة الأحرار، وما فعله سوّاق (التكتك) في تحولهم إلى سيارة إسعاف، وكذلك الشباب وهم يلونون جدران الأبنية باللوحات الثورية، وثورة القمصان البيض التي كانت تعني الطلبة، فضلا عن مشاهدات عيانية عما جرى في ثقافة كتم الصوت واغتيال الناشطين» وعن الأشياء التي رافقت التظاهرات، ومن أطلق عليهم الجوكرية يقول الربيعي «في الساعة الخامسة مساء من يوم 25/12/2019 أقدم عشرات الأشخاص من مجاميع تحمل أسلحة بيضاء بالهجوم على تجمع للمحتجين تحت جسر الضريبة وسط كربلاء، والمحتجون ردوا برمي الحجارة على المهاجمين الذين اضطروا إلى الهرب لمنطقة قريبة تسمى شارع (السناتر) وتضم محالاومراكز تجارية».
عروس كربلاء
الربيعي ضم كتابه مطلبا عن عروس كربلاء هدى خضير ويقول «في محاولة وضع تعريف دقيق لعملية الاغتيال، أن بعض عمليات الاغتيال قد تكون أسبابها ودوافعها اضطرابات نفسية للشخص القائم بمحاولة الاغتيال وليس سببا عقائديا أو سياسيا، وكان من الشائع اللجوء إليه عند الخوف من المواجهة المباشرة، أو للتخلص من المنافسين والأعداء الذين يُخشى من خطورتهم أو ثورتهم». ويبين أن عملية اغتيال هدى التي لقّبت بعروس كربلاء، كونها كانت ناشطة ومسعفة بعد ساعات قليلة من اغتيال الناشط العراقي أحمد سعدون المرشدي، برصاص مجهولين قرب منزله في حي المهندسين وسط الحلة» ويوضح إن» اغتيال الناشطة البالغة من العمر 23 عاما، بعد تعرضها لرصاص مجهولين انهالوا عليها بوابل من الرصاص بأسلحة كاتمة. عقب خروجها من ساحات التظاهرات».
كاتب عراقي