في بداية شِبْه تقديمه لكتابه «طه حسين بين أشياعه ومخالفيه» الصادر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة، يتساءل الكاتب والناقد العراقي مهدي شاكر العبيدي: لماذا نسي المثقفون، أو كادوا ينسون مئات الأدباء والرواد، وبقوا يلهجون بذكرى طه حسين؟ وفيه يرى أيضا أن هناك خاصية يستأثر بها طه حسين ويتفرد دون الكثيرين من مجايليه ومشاكليه الداعين مثله للحضارة والتقدم، ومجاراته في التأسي للمحرومين والمُضامين ووجوب رفع الحيف والمظلمة عنهم، هذه الخاصية وصفها يحيى حقي بأنها تتجلى في موهبة القدرة على الجذب، لاسيما في أسلوبه وطريقته في نضد العبارة، أي أنه يشوق القارئ ويسحره بطراوة لغته وعذوبة بيانه قبل أن يستهويه أداؤه المكتنز بفحواه ومضمونه.
هنا يستغرب الكاتب مما يستهدف به الحساد والمغرضون هذا الكاتب الضرير، منحين عليه، من آن لآن، حيّا وميتا، بالافتئات والأراجيف من نحو فرية التغريب والزوغان عما يأمر به الدين، ويلزم الفرد الإنساني بالتقيد به واقتفائه في معاملاته، كما يرى هنا أن بلية هذا الشرق، والعربي منه بوجه خاص، هي في العناد الذي يركب الرؤوس والنفوس من سائر الآدميين العائشين فيه، وما يجر إليه ويورط فيه من قصور في النظر وتزمت في الرأي وتحجر في العقول.
مكتبة كاملة
أما عن مخالفي طه حسين والمعترضين عليه فيقول الكاتب، منذ أن توفي طه حسين عام 1973، والاستدلال بآرائه وتخريجاته المتنوعة ذات الصلة والمساس بالأدب والفكر والفن والسياسة والديانات، لم ينقطع، أو ينتفِ من كتابات الكتاب ورسائل الباحثين وأحاديث المتحدثين في الإذاعات، وأقوال المتحاورين في الندوات والمجالس الأدبية، مؤكدا أن أدبيات طه حسين تكاد تؤلف بمجموعها مكتبة كاملة مستوفية لجوانب معرفية شتى، مما يحتاج الأديب الناشئ أن يلم به لتزدهر ملكته وتستوي سليقته ويصير إلى دراية وخبرة بأشكال التعبير وأنماطه، فقد كتب في النقد والرواية والتاريخ والفلسفة.
هنا يذكر العبيدي كذلك أنه قد مضى أكثر من خمسين عاما على المناظرة المشهورة التي دعت إليها كلية المقاصد الأهلية في بيروت، بين المرحومين طه حسين ورئيف خوري في موضوع «لمن يكتب الأديب؟» وحضرها جمع غفير من المهتمين بالشؤون الأدبية، وتولت الإذاعة اللبنانية نقلها عبر الأثير فسمعها الناس في كل مكان وتعرفوا على ما استند إليه كل منهما من قرائن وأدلة، وساقه من بينات ومسوغات لإثبات صواب رأيه وسلامة منطقه، سواء أكان الأمر تغليبا لدعوى أن يلزم الأديب جانب الكافة، كما رأى خوري، أم كان ترجيحا من لدن طه حسين، لأن يولي الخاصة من جمهور القراء فرط اهتمامه وعنايته وقصر جهده عليهم.
من هذه المناظرة خرج الكاتب يقول، إن فيها ترويضا للجيل الجديد الجيد من سدنة الفكر وحملة الرأي، على اقتحام ميدان الجدال والنقاش حول شتى المسائل، بروح المحبة والتسامح وحسن الإصغاء للرأي الآخر، وانتواء احترامه وتقبله، وإن تعارض هو وأفكارنا وتباعد عن مشاربنا ومنهجنا في التفكير، لا على غرار ما نشهده في المحافل والملتقيات الأدبية من استمساك بعضهم بعنادهم وإصرارهم، وربما توعدهم بالانتقام مستقبلا ممن يخالفهم الرأي.
الكاتب السياسي
هنا يتساءل العبيدي أيصبح تطويع أسلوب طه حسين بما عهد عنه وفيه من إيقاعية وطلاوة ومعاودة صياغة المعنى الواحد مرة ثانية لمعالجة الشؤون السياسية، خاصة إذا نزع الكاتب إلى توجيه نقده حيال الأوضاع الاجتماعية المألوفة، وتعريف الجمهور بمواقف الساسة منها، أو يعدوها إلى التحذير من التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد، أو لفت نظره إلى ما يلزمه من مطالبة حكامه به من العدالة والإنصاف في تدبير معايشه أولا؟ مجيبا أن كل الأغراض والمرامي التي يعنى بها الكاتب السياسي نلفيها في المقالات التي كتبها عميد الأدب العربي طه حسين ونشرها في أعداد جريدة «كوكب الشرق» عام 1933، مشيرا إلى أن الأسلوب الأدبي الصرف إذا طوعه كاتبه للغرض السياسي، وكانت نفسه تزخر بالصدق والحماسة والإخلاص، خلُص إلى منجز ثقافي وفكري يُضاف إلى موروث الأمة من أدبياتها الموروثة من لدن الأعلام الهداة من أبنائها المشفقين عليها من الخسف والإذلال والوهن.
هنا أيضا يكتب المؤلف قائلا، إن العميد ألزم الدولة بمكافحة الجهل عن طريق نشر التعليم كي يصير الناس إلى معرفة حقوقهم، وأن يجترئوا على محاسبة الحكومة لإجحافها بحرماتهم وأقواتهم، لأن غاية الغايات من الديمقراطية أن توفر للجمهور ثلاثة أشياء هي الحرية، القوت، والأمن، كما دعا إلى ذلك السياسي الفرنسي بلوم، مثلما يتناول الكاتب هنا الكتابات التي تطرقت، سواء في حياته أو بعد رحيله، إلى إنتاجه، والانتقادات التي تعرض لها، وفي سياق حديثه عما قوبل به طه حسين من انتقاد وتشويه، يقول العبيدي، إن شأن الناس أن يدرجوا على كراهية المتميزين بما حباهم الله من مواهب، وأتاهم من المهابة وعلو الهمة والاستطاعة على أن يعملوا شيئًا ما لصالح الناس، يغير من واقعهم ويمحو ما يكتنفه من السوءات والكدر، وذلك كلفا بالمساواة وألا يكون هناك فاضل ومفضول، على فرط إعجابهم وإكبارهم لشخوصهم، لكنها عوامل الغيرة والحسد المستمكنة من الجبلات والأطباع، لا تقوى على مغالبة ما في طيات نفوسهم من نية الهدم والانتقاص. هنا يكتب مهدي شاكر العبيدي عن محمد مندور وتنظير النقد العربي، عن لويس عوض في الثقافة العربية، عن عبد العزيز البشري واصفا إياه بالأديب الذي لن يتكرر، عن حكاية منصور فهمي، عن مصطفى عبد الرازق رائدا أدبيّا وفلسفيّا، عن رسائل طه حسين، عن أبي العلاء المعري بين الرصافي وطه حسين، عن طه حسين رائد الحرية العقلية والاستنارة، وعما كتبه أنور الجندي عن طه حسين.
بقي أن أشير هنا إلى أن الكاتب استخدم، أحيانا، مفردات قد يصعب على القارئ العادي أن يفهم معناها ومدلولها، دون الرجوع إلى المعجم، فهل يرى أن هذه المفرادت وهذه الصياغة تناسب موضوع كتابه، خاصة أنه يكتب عن طه حسين عميد الأدب العربي؟ لكن طه حسين لن يقرأ هذا الكتاب، بل سيقرأه عدد من القراء، من الوارد أن يكون من بينهم من لا يقوى على مجاراة هذه اللغة، لذا كان عليه أن يخفف من صعوبة هذه المفردات ليسهّل على القراء فهْمَ ما يريد. ولكيلا تثير ملاحظتي هذه حفيظة الكاتب أو غضبه، أقول ربما أحتاج أنا، ومن هم في مثل مستواي من القراء، إلى تقوية مستوانا في اللغة، لنتمكن من التواصل مع كل ما نقرأه مهما كانت صعوبته.
كاتب مصري