طه حسين وأحاديثه النقدية: هل كان يقرأ النصوص التي يكتب عنها؟

حجم الخط
2

ثمة حقيقة، لعلها خافية عن أذهان الكثيرين من القراء، لكنها معروفة لدى الباحثين المدققين، الذين يستقرئون النصوص ولا يقرأونها فقط. هذه الحقيقة تؤكد أن طه حسين (28 أكتوبر/تشرين الأول 1889 – 1973) غالبا، لا يقرأ الكتب التي يدير عنها حديثاً نقدياً، أو مراجعة نقدية، ولعل ذلك ناتج عن كثرة مشاغله، حتى أنه في كتابه «أديب» يُمنّي نفسه بإنجاز مشاريع ثقافية وبحثية، أثبتت الأيام أنه لم ينجزها، لانشغالاته – كما أسلفت- فضلاً عن حياته الأسرية، التي كانت تأخذ من وقته الكثير، فزوجته الفرنسية سوزان كانت تأتي على الكثير من وقته، بحياتها الاعتيادية التي تحفل بالحفلات والسفر، وقد لمست ذلك من خلال قراءة مذكراتها التي نشرتها في كتاب عنوانه «معك» ترجمها عن الفرنسية مباشرة، المترجم المتضلع بدر الدين عرودكي، وراجع الترجمة الأديب والباحث المصري محمود أمين العالم (توفي يوم الجمعة 9 يناير/كانون الثاني 2009) فهي امرأة اعتيادية ترغب في العيش بتلقائية والتذاذ، وطه راهب من رهبان الفكر المنقطعين في محرابه، لكنه كان يشاركها في هذه الحفلات والسياحة السنوية، التي تأخذ كل أشهر الصيف، إلى أصقاع الدنيا، لقد كانت تسهب في وصف الحفلات، حفلات الطعام وأصنافه، وظني بطه حسين أنه عزوف عن الأطعمة، عيوف عن الذي يتلهف عليه الناس من مأكول ومشروب، ونحافته تدل على ذلك، فما تورّم كشح أو اكتنزت عجيزة إلا بتضاؤل دماغ وتبلده، ولو تركته في محاريب البحث والقراءة لقدم لنا – زيادة على ما قدم- الأروع والأبهى، فضلا عن أنه كان مستطيعاً بغيره لمعاناته كف البصر، الذي عوضه الله تعالى عنه بتوهج البصيرة وتألقها.
هذا الأمر إدارة أحاديثه النقدية – غالباً- أقول غالباً وليس دائماً، تأتي كأنها بمثابة إسقاط فرض، وتأتي مجاملة ومحاباة وتطييب خواطر، وكنت أود لو جاءت كتاباته هذه متوائمة مع قول الفيلسوف عمانوئيل كانت: قد يتعذر عليّ قول أشياء أؤمن بصحتها، لكن يستحيل أن أكتب ما لا أعتقد بصدقه».
لقد تأكدت لي هذه الخوالج وأنا أقرأ الجزء الثاني من كتاب «وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره» للأديب المصري وديع فلسطين، الصادرة طبعته الأولى عام 1424هـ‍ الموافقة لسنة 2003 عن دار القلم في دمشق الشام؛ الفصل الذي تحدث فيه المؤلف عن الشاعر المصري قليل الحظ من الحياة والشهرة محمود أبو الوفا ( 27 يناير 1901 – 1979) الذي كان قد أصدر مجموعته الشعرية «أنفاس محترقة» فأدار طه حسين عن الشاعر وأشعاره هذه مراجعة نقدية، قسا فيها عليه وجرّده من الشاعرية، وعدّ شعره كله نظما، وظل طه حسين في كل ما كتب عن الشاعر محمود أبو الوفا يصفه بـ(الناظم)!
تقرأ الأديبة مي زيادة (توفيت في 19 أكتوبر 1941) المقالة فتهاتفه، أن لو يزرها في دارتها، كان طه يعاني وقتذاك أزمة إعفائه من عمادة كلية الآداب فتقرأ على مسامعه قول الشاعر:
أحب أضحك للدنيا فيمنعني
أن عاقبتني على بعض ابتساماتي
فوجم طه حسين، وسألها إعادة البيت سائلاً: لمن هذا البيت الجميل فلم يعرض لي من قبل؟ وإذ ألح عليها في معرفة قائل البيت، الذي راق له وطابت له نفسه، تجيبه: إنه لمحمود أبو الوفا من مجموعته الشعرية الجديدة «أنفاس محترقة»! فوجم طه حسين واربدّ وجهه قائلا: ماذا سيقول الناس عني لو سمعوا قولي هذا؟ سيكون رأيهم أني لم أقرأ الديوان، راجياً إياها أن لا تتحدث بهذه الواقعة ولاسيما أبو الوفا.
هذه الواقعة تؤكد ما ذهبت إليه استقراءً لأدب طه حسين من أنه – غالباً- لا يقرأ النصوص التي يكتب عنها، فضلا عن تجسيده مقولة: المعاصرة حجاب، إذ وردت في تاريخ أدبنا العربي، الكثير من هذه الوقائع التي تبخس الناس أشياءها، لدواعي الحسد والتنافس والغبط، وهذه الظاهرة التي في بعض صورها- كما قلت – بخس شأن المعاصرين، ما نقرأه في كتب اللغة والنقد القديمين، من ذلك ما يذكره الباحث المصري طه أحمد إبراهيم في كتابه المهم «تاريخ النقد الأدبي عند العرب منذ العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري» أو اللغوي العراقي نعمة رحيم كريم العزاوي (توفي يوم الأربعاء 21 سبتمبر/أيلول 2011) في كتابه المهم «النقد اللغوي عند العرب حتى نهاية القرن السابع الهجري» وهو في الأصل رسالته لنيل الماجستير، التي اقترح أستاذه وأستاذي علي جواد الطاهر للكتابة فيه، وأشرف عليها أستاذه وأستاذي جلال الخياط ( توفي 2004) إذ يذكر العزاوي نقلا عن كتاب «أخبار أبي تمام» لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي. بتحقيق خليل محمود عساكر، أن ابن الأعرابي اللغوي كان نظير الأصمعي في التعصب للقديم، فقد أسرف في الطعن على أبي تمام، حتى حكي عنه أنه أُنشِدَ شعرا لأبي تمام فقال: إن كان هذا شعرا فما قالته العرب باطل! ونظير هذه الواقعة، ما يذكره أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي في كتابه «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» أن اسحق بن إبراهيم الموصلي أنشد الأصمعيَ بيتين من الشعر هما:
هل إلى نظرة إليكِ سبيل
فيُروّى الصدى ويُشفى الغليلُ
إن ما قلّ منكِ يكثر عندي
وكثير ممن تحب القليل
فقال الأصمعي: لمن تنشدني؟ فقال: لبعض الأعراب، قال: والله هذا هو الديباج الخسرواني، قال إسحق: فإنهما لليلتهما (أي مضت عليهما ليلتان فقط) فقال: لا جَرَمَ والله إن أثر الصنعة والتكلف بيّن عليهما» ينظر الجزء الأول/ صفحة 23.
وكما دارى الأصمعي هفوته تلك، فقد دارى طه حسين هفوته تلك كذلك، بشأن شعر الشاعر المصري سيئ الحظ محمود أبو الوفا، الذي واجهته في حياته صعاب تنوء بها العصبة أولو الأيدي والقوة، وهو ما تأكد لي وأنا أقرأ شيئاً من سيرته الذاتية وحياته، ولقد توصلت إلى أن طه حسين- غالباً- لا يقرأ النصوص التي يدير عنها مراجعاته وأحاديثه النقدية، من خلال اضطراب بعض أفكاره وتناقضها في الموضوع ذاته.

٭ كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية