طه عبدالرحمن… الممارسة الحوارية والرؤية الإستشرافية

كل فكر لا يستشرف صاحبه مآل الحاضر لا يعول عليه؛ فالرؤية الإستشرافية تقوم على قراءة واعية مدركة لما حدث، هذا الماضي الذي ما ينفك يشكل الحاضر، فالرؤية الإستباقية ليست ضرباً من التنجيم أو قراءة الطالع ولا ترفاً فكرياً، بل هي رؤية لا تنفصل عن منهج وموضوعية علمية. ومن هذا المنطلق نعرج إلى قراءة أحد مؤلفات طه عبد الرحمن المعنونة بـ «حوارات من أجل المستقبل». وهو كتيب عن الحوارات التي أجرتها معه مؤسسات إعلامية مغربية وعربية.

الحقيقة الحوارية

الحوار والحوار وحده، ولا شيء غير الحوار، هكذا جاء عنوان التقديم ونعرف أنه أحد أهم مؤلفات الرجل كانت وما تزال «في أصول الحوار وتجديد علم الكلام» ــ المركز الثقافي العربي 2000 ــ وبيّن أن الحقيقة الحوارية تقوم على:
طرق الحق متعددة فالحق متغير وأصله أن يتغير ويتجدد وما كان أصله متجدد فطرقه متعدّدة. وكل تعدد في الطرق يستدعي الحوار بين المتوسلين بها. وكأنه هنا يُحي الخلاف الفلسفي بين ابن رُشْد والغزالي والطرق الموصلة للحق. وكلٌ من الفيلسوف ابن رشد والمتصوف ابن عربي والفقيه الغزالي له مسلكه، وكَذٓلِك الفرق الكلامية؛ لكن محطاتهم الأخيرة واحدة؛ فالحق ذو الجوهر الثابت واحد لا يتغير، عكس ماجاء في الكتاب، فالحق»على خلاف الرأي السائد، ليس ثابتاً لا يتغير، بل أصله أن يتغير ويتجدد».
أن الحوار المتواصل يفضي إلى تقلص الخلاف بين المتحاورين إذ ينصرف ذو الحجة الواهية متى تبين له تهافت حججه إلى القول برأي من يخالفه فالحوار ينزل منزلة الدواء الذي يشفي الشقاق.
الحوار يعمق مدارك العقل؛ إذ هو بمنزلة نظر من جانبين. والعقل يتقلب بتقلب النظر في الأشياء وعلى قدر تقلبه، يكون توسعه وتعمقه.
كل رفض للحوار هو قتل لروح «العقلانية النافعة» هذه المعرفة الممتحنَة من تجابه الرؤى (جمع رؤية) وقتل لروح «الجماعة الصالحة»، هاتين الروحين التي تورِّثُهما الممارسة الحوارية.
ولكل هذه الإعتبارات اقتضت الممارسة الحوارية أن تكون حياة العقل وبه وجب القول، ولما لم يجب حديثه سامعاً أودعه للمستقبل عَلّ ساكنيه يلبوا النداء.

تراثيات

نحن في التراث كما نحن في العالم لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه:
الإنسان كائن له تراث والمهموم بسؤال الهوية وسؤال الذات لا جرم من رجوعه إلى تراثه متقصياً عمّا يقيم هذه الهوية، وكل قطيعة بإسم الحداثة لا تعدو أن تكون مجرد وهم، فهاته الحداثة سندها التراث الغربي الحاملة لسماته، كما يقول، فـ «الموضوعية» و«العملية» و«العقلانية» «معايير نفسها ليست إلا قيماً أنتجها هذا التراث الأجنبي، وليس من «الشمولية» أو «الكونية» إلا ما لهذا التراث نفسه». وبالتالي فإننا نستشف هنا أنها ليست هنالك إطلاقية في القطيعة مع التراث الأصلي، وكل وعد بالقطيعة لا ينتهي إلا بإخلافه. فأغلب المناهج النقدية للتراث يصعب التسليم بها وقبولها جدلاً فإنه يصعب قبول تطبيقاتها ونتائجها، وكما يأكد الجابري في «نحن والتراث» فكل منهج له رؤيته والتي لا تنفصم معه. ثم إن صعوبة تطبيق النتائج تأتي من ضعف قدرة أغلب المشتغلين بالتراث وعدم امتلاكهم ناصية الأدوات المنهجية العقلانية والفكرانية ــ يستعمل عبد الرحمن الفكرانية مقابل الأيديولوجية ــ والمنهجيات المختزلة والمبتسرة أحياناً للتراث والمستنقصة لرجاله. إن التراث واحد، والكثرة لا تكون إلا في «القراءة». وعلى سبيل التعريف بمفهوم «التراث» فقد قارنه بمفهومي الثقافة والحضارة اللذان لا يقلان عنه مسالمة. فالتراث «عبارة عن جملة المضامين والوسائل الخطابِية والسلوكية التي تحدد الوجود الإنتاجي للمسلم العربي في أخذه بمجموعة مخصوصة من القيم القومية والإنسانية، حية كانت أم ميتة» ــ راجع تجديد المنهج في تقويم التراث ــ ويستعمل المؤلف العديد من القواعد لقراءة التراث يجملها في: قراءة تعتني بآليات النص التراثي، الاعتماد على مستجدات علم المناهج. نقد وتمحيص كافٍ لكل آلية مقتبسة من تراث أجنبي قبل تطبيقها على التراث الإسلامي العربي. وتنقيح أو تلقيح الآليات التي ينبغي لها أن تكون من الجهتين.

أغلب المناهج النقدية للتراث يصعب التسليم بها وقبولها جدلاً فإنه يصعب قبول تطبيقاتها ونتائجها، وكما يأكد الجابري في «نحن والتراث» فكل منهج له رؤيته والتي لا تنفصم معه.

تقويم التراث

وتكمن جدّة كتابه «تجديد المنهج في تقويم التراث» في مساهمته في «معرفة التراث من حيث محدداته الموضوعية ومقوِّماته الذاتية على مقتضى موجبات النظر العلمي الخالص، بحيث لا يجوز الاشتغال بتلك الأهداف الأخرى مثل «التحديث» أو «العقلنة» أو «الاستصلاح» أو «التقنية» إلا بعد تمام المعرفة بهذه المحددات والمقومات التراثية.»
واهتمامه بالوسائل التي تم بها تقويم هذه المضامين ولم يكن غرضه تقسيم التراث إلى وحدات وتفضيل واحدة على أخرى، نظرة تجزيئية (الجابري)، كما قال المؤلف في نقده لقراءة الجابري، فالرجل نجح في زحزحت التراث بأدوات نقلها من تراثات أخرى مع الأخذ بالمقتضى المنطقي الذي يوجب على المنهج أن يستمد من الموضوع ذاته لا مسلطاً عليه من الخارج وقد أسماها بـ «الآليات المأصولة» في مقابل «الآليات المنقولة». وقد وقع افراط في معالجة التراث من أسبابه التاريخية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية من قبل المنهجيات المادية وكادت أن تكون «مقدسة»، وكأنه هنا يشير إلى حسين مروة و طيب تيزيني وغيرهم مِن أصحاب النظرة الماركسية.
وفي إطار تصحيح المعرفة وتنويع الإنتاج والإشتراك في طلب الحقيقة فقد انتقد طه القراءة الجابرية للتراث بعدما كشف ثغرات هذه القراءة «الإبستيمية» المزعومة، حسب قوله. ودعى إلى نظرة تكاملية تتجه إلى البحث من أجل معرفته من حيث هو كذلك.

تراث جديد

وخلاصةً نظرة طه عبد الرحمن للتراث تدعو إلى تشكيل تراث جديد بدل التراث القديم، والتي تقوم على محددات ثلاثة .. تداولي: كل مظهر من مظاهر الإنتاجية في التراث حاملة لخاصية العمل. تداخلي: المعارف التراثية تشترك اشتراكاً في وسائل إنشاء مضامينها ونقلها ونقدها. وتقريبي: المنقول عن الغير يخضع لتحويلات تصحيحية مختلفة ليصير ملائماً مع المقتضيات التداولية للتراث.

فلسفيات

يشكو الرجل تردي واقع الفلسفة في الوطن العربي، شأنه شأن الأوضاع الأخرى، ذلك أنه واقع تقليد وتبعية عمياء والتي ستسلمنا لآفتين: إحداهما تتعلق بسلوكه الفلسفي وهي الخلط بين الفلسفة والسياسة حيث يجري اعتقاد واهم بأن الفيلسوف يهتم بالظواهر السياسية كما يهتم بها عالم السياسة والصواب أن الأخير هذا يعنيه واقعها المادي ـ السياسة ـ بينما الفيلسوف بقيمتها المعنوية، وبه فإن واجب الفيلسوف ألا يتيامن ولا أن يتياسر كما يقول. وليس لأن الفلسفة تترفع عن اليومي والواقع فالمشاركة في الأحداث ليس لها وجه مقرر.
وبالنسبة للآفة الثانية فتتعلق بخطابه الفلسفي وهي آفة الفصل بين الفلسفة والمنطق ومردّها هذا سببان؛ فساد تصورهم عن النطق أنه أمر زائد عن الفلسفة والواقع أن لا تفلسف دون منطق. معنى هذا أن الأولى اتصال والثانية انفصال، وحيث «أدى هذا التهلهل المنطقي في كتابه المفكرين العرب إلى أن يوهموا قراءهم بأن التأليف الفلسفي لا يختلف في شيء عن الإنشاء الأدبي أو التحرير الإعلامي، حتى أصبح هؤلاء القراء يطمعون في أن يقرؤوا المقال الفلسفي كما يقرؤون صحيفة الصباح عند الاستيقاظ أو يقرؤون قصة المساء عند النوم … وفي هذا إيذاء كبير للقدرة الإجتهادية عند الإنسان العربي».

كيف يصبح المتفلسف العربي مبدعاً؟

بهذا السؤال ينقب باحثاً في دروب اللامفكر فيه، حيث رد وجه السؤال إلى المجال التداولي، أي اليومي، ورجع إلى النصوص في لغتها الأصلية لينظر كيف يضع ويبني مفاهيمه ونظرياته «أي أراقبه في مختبره في مختبره اليومي وهو يصنع فلسفته الخاصة به».
كانت الخطوة الأولى في هذا المشروع هي تقويم الترجمة الفلسفية، فكان جواب سؤال القدرة على تفلسفٍ مبدع، هو أن تقرب له الفلسفة إلى حياته. ولا يمكن الإكتفاء بطريق واحد في الترجمة للنص الفلسفي، الأولى تتولى تقريب المعاني الأساسية في النص الأصلي وأسمى هذه المرحلة الأولى بـ«الترجمة التأصيلية» تتم فيها الاستئناس بالمنقول والثانية بـ«الترجمة التوصيلية» وتتم فيها نقل المضامين من التي لا اتصال لها باليومي والثالثة بـ«الترجمة التحصيلية» وفيها تتم نقل ألفاظ النص الأصلي كلها. وخلاصة الأمر أن الترجمة لدى عبد الرحمن ينبغي لها «أن تكون مربية للعقل على التفلسف خطوة خطوة».

اللغة الفلسفية والمعرفة

وجـــد عبد الرحمن المؤلفات «الفلسفــية» الحديـــثة سجيـــنة ترجمـــات تعسُّفية، والحــال أن تكون جهودهـــــا تهدف إلى وضع المقابل العربي، بخلاف المنطق الداخلي للغة الفلسفية العربية وديناميتها. لهذا نرى في كل مؤلفاته الاصطلاحات المستخدمة يكون وراءها جهد، كما في مصطلح «فكرانية/الإديولوجيا».
واللغـــــة الفلسفية التي يكتب بهـــا طه عبـــد الرحمن هي كتابـــة استدلالية تنسيقية وهـــي ما نجد في النصـــوص الفلسقية الكلاســــيكية والتي تقـــوم على التلميحية أي تبتعد عن المباشرة وقد أشار إلى نقطة أساسية أراها رداً على من يقول إن تجمع الكتابة بين مخاطــبة الجمهور والمشــاركة في همومه حيث يقول: «فقد يشارك الكاتب في هموم الجمهور من غير أن يكون خطابه مفهوماً من لدن العموم، فقد يتناول هذه الهموم بطرق دقيقة لا يدركها إلا الخاصة، لأن معرفتها والتمكن من أسبابها لا يتأتّيان إلا بدقيق الطرُق … والشاهد على ذلك الكتابة العلمية في مختلف شعب المعرفة، فهي لا تخاطب الجمهور مع أنها تبلغ الغاية في المنفعة لهم».

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية