طوبي لكاتب تجاوز الخمسين

حجم الخط
0

ناجي ظاهر

بإمكان الكاتب والمبدع عامة، في فترتنا الحالية خاصة، أن يفخر إذا ما حُبي بان يكون من أولئك الذين كتبت لهم الحياة مدة أطول في حياتنا فوصل عمره إلي الخمسين وربما تجاوزها، ويحق له أن يتباهي بما تراكم لديه من خبرات، آراء وحكم، ومن تجارب وأفكار حفلت بها الأيام والأحداث.

أقول هذا وأنا أفكر في ذلك الواقع الذي اخذ يطرق أبواب الحزن المغلقة في القلب، وهو انه لم يعد هناك مكان لمن هم اكبر سنا من المبدعين في عالمنا، وان الشباب هو زينة الحياة الدنيا، وصورته هي الأجدر بالبروز، وقدراته في التعامل مع اللغة الالكترونية ومستتبعاتها، إضافة إلي إتقان الشباب للغات أخري في العالم، هي السيدة في هذه الفترة وأكاد أقول العصر.

بغض الطرف عن أهمية ما يدور من حديث، اليوم، بصوت منخفض وغدا بصوت مرتفع، كما درجت العادة في فترات ماضية اتصفت بمثل ما اتصفت به فترتنا الراهنة من ملامح في التغير، فان ما اذهب إليه من أهمية التجربة عبر تراكماتها المتواصلة، يبقي كلاما قابلا للاستماع، وذا أهمية، خاصة إذا ما تمكن الكاتب من أبناء الجيل الماضي، من أن يتحاور مع معرفته الشخصية، محاورة المفكر الواعي المتمكن الراغب في المزيد من المعرفة.

الكاتب ممن وافاه الحظ وكتبت له الحياة، ولاسمه الكاتب المجرب، يمكنه أن يكون وان يواصل عطاءه، وان يضيء أيضا في عالمه، في العالم وفي عالم من ظهر بعده من كتاب، باتوا يتمردون عليه، ويرفضون أن يفرض عليهم أبوة لم يطلبوها أصلا، كما قال احد الكتاب الشباب بصلف منقطع النظير، كما يمكن لهذا الكاتب أن يكون نبراسا يستضاء بهديه ويسار علي طريقه، لا سيما إذا ما توفرت لديه صفات خاصة، تمكنه من تجاوز الزمن والتغلغل إلي أعماقه للتعامل مع جوهره.

ماذا يعني هذا؟ انه يعني الكثير، فالكاتب المجرب، كما يفترض هو إنسان لانت له قناة الكلمات والأفكار وبات بإمكانه أن يتعامل معها وان يطوعها وفق إرادته ومشيئته، وهو إنسان بات يعرف ماذا يريد أن يقول وكيف يمكنه أن يقوله، انه لا يتحزر وإنما يذهب إلي الأحاسيس، وهي الأهم في عالم الكتابة الإبداعية، كما يذهب إلي الأفكار فيلوي أعناقها، ويستحضر ما هو هام منها ليقدمه إلي إخوانه من أبناء المجتمع، ولإخوانه من بني البشر أيضا، وجبة لذيذة المذاق، لا تنسي نكهتها علي طرف الروح.

الكاتب المجرب، إضافة إلي هذا، يعرف كيف يقدم التجربة، فهو لا يجري وراء قشورها الخارجية، كما يفعل سُذّج الكتاب الشباب خاصة، وإنما يتوغل في مجاهلها المغرية، مهما ضاقت مساحتها، وهو يكتفي من هذه الناحية، بان يجلس في ظل وردة تفتحت للتو، ليستمتع بأريجها وليمتع سواه من الناس بما يكتبه عنها، ويفضله علي التحدث عن ورود أخري لا يعرفها وبإمكان من يجلسون في ظلها من أبناء وحفدة، أن يواصلوا جلوسهم، وان ينقلوا ما عبقت به أنوفهم من روائحها إلي أبناء جلدتهم.

هذا الكاتب لا يجري وراء القشور الخارجية للتجربة، فهو يعرف كيف يسافر في أعماق ذاته، مكانه وزمانه، متفاعلا معهما بكل دقة من دقات قلبه الحي، وهو لا يجري وراء التجربة كي يلقي القبض عليها، وإنما هي تأتي – التجربة- إليه، لتحيطه ببحر من الدفء والحنان. انه يميز بين التجربة والمشاهدة، فان تري شيئا لا يعني انك عشته، وان تعيش شيئا يعني انه عاش فيك واستوطن. الكاتب المجرب يعرف أن الكتابة، ليست موديلا، يتم استيراده من هذه البلاد أو تلك، كما تستورد البضائع في زمننا العربي التعيس من كل البلدان، إلا من البلاد العربية ذاتها، وإنما هو نبض روح وأمل حياة، انه لغة هنا توجه إلي هنا وليست لغة هناك توجه إلي هنا. المحلية هي عماد الإبداع لدي الكاتب المجرب، فهو يعرف أن كل طائر يعرف كيف يبدع في إطلاق صدحه علي شجرته فيشجي المحيطين، كما انه يعرف انه إذا ما أشجي ذاته إنما تمكن من إشجاء المحيطين أولا والعالم ثانيا، هذا الكاتب يعرف أيها السادة انه هو العالم وليس أي كائن آخر.

هذه هي حقيقة هذا الكاتب، هو معتز بذاته في غير غرور، معتز بمن حوله في غير مبالغة، انه يعرف الأشياء وأحجامها جيدا، ولا يبالغ في رؤيتها وإنما ينظر إليها كما هي، وكما يراها، للدقة.

وهو لا يميز بين إنسان وإنسان، بين شعب وشعب، بين لون ولون، بين طائفة وأخري وما إلي هذه، وإنما هو يتعامل مع العالم علي أساس انه عالمه، ومع الناس علي أنهم أهله، مكتفيا بزاوية خاصة به، يرسل نظرته عبر نافذتها فيري ما يراه، وهو بالتأكيد مختلف عن كل ما يراه الآخرون. يميز الكاتب المجرب، انه يمكنه أن يحافظ، علي طفولة لا تكبر وشباب لا يخضع للمتغيرات العمرية، صحيح انه يتغير شكلا، وصحيح انه قد يمر من جانب مرآة، فيري ظله فيها وقد شاخ، إلا انه يعرف أن الطفولة لا تذهب كما تذهب بقية الأشياء وإنما هي ترسخ في داخله يوما اثر يوم، أما الشباب فانه الفترة التي لا تنتهي في عمره، لأنها هي فترة تألقه الإنساني، هنا أري أن الكتابات التي خلدت وبقيت تفرض نفسها فترة بعد فترة وجيلا بعد جيل، إنما تميزت بصفة الشباب الدائم وحافظت علي صفتها هذه فكتب لها البقاء.

من هنا، وهذا بيت القصيد، يمكن للكاتب المجرب أن يفخر بأنه وصل إلي ما وصل إليه من عمر وتراكم في التجربة، فطوبي للكاتب المجرب، طوبي لكاتب تجاوز الخمسين.

كاتب من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية