‘شخابيط’ في وجه الشاشة الصغيرةالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي:
ارتبط شهر رمضان في السنوات الماضية بالفوازير وتسابق عدد من النجوم على تقديمها بوصفها عملا استعراضيا خفيفا يلفت النظر ويساهم في تثبيت شعبية النجمة أو النجم، وقد تناوبت على تقديم هذا اللون الاستعراضي مجموعة من الفنانين بدأت في مرحلة الستينيات بسمير غانم وجورج سيدهم والضيف أحمد، ثم دخل في المنافسة نيللي، التي تميزت كثيرا مع المخرج الراحل فهمي عبدالحميد ومصمم الرقصات والاستعراضات حسن عفيفي، وظلت نيللي فترة طويلة في هذا النشاط كواحدة من العلاقات الأساسية الداخلة على رمضان، وقد أسفر مشوارها عن أجمل التجارب التي جاءت بعناوين مختلفة، ربما كان آخرها فوازير ‘الخاطبة’ التي قُدمت في التلفزيون المصري في فترة الثمانينيات قبل أن تعطي نفسها إجازة للراحة، وتمنح شريهان فرصة ذهبية لمزيد من الشهرة واللمعان ويتأكد وجودها على الساحة الفنية بشكل جديد كفنانة استعراضية تجيد الغناء والرقص بجانب التمثيل، ومثلما نجحت نيللي نجحت ايضا شريهان وقضت وقتا طويلا تستمتع بحفاوة الجمهور وثناء النقاد، الى ان مرت ببعض الظروف الصحية وبات صعبا عليها الاستمرار بنفس الكفاءة، وفي تلك الأثناء ظهرت الفنانة الصاعدة شيرين رضا، ابنة الفنان الاستعراضي الكبير محمود رضا كوجه يمتلك من سمات القبول والجمال ما يؤهل صاحبته للتربع على عرش الاستعراض ويسد فراغ نيللي وشريهان في هذا المضمار، وبالفعل أقبلت شيرين على التجربة ولكن للأسف لم يحالفها النجاح فلم تكرر تجربتها وعادت الساحة خالية، خاصة أن سمير غانم كان قد امتنع ايضا عن تقديم شخصية ‘فطوطة’ مما دفع بعناصر أخرى شابة لتسلك هذا المسلك وحينئذ كانت الفرصة مواتية أمام الفنانة صابرين لتجرب حظها، لا سيما انها حصلت على قدر وفير من الشهرة والسمعة الفنية الجيدة، وبالفعل دخلت التراك ولم يكن أحد منافسا لها، وبقدر من الاجتهاد استطاعت ان تخلق لنفسها مساحة على المسطح الاستعراضي، وتستمر لفترة غير قصيرة بشكل ناجح، ومع مرور الوقت تشبعت صابرين بالنجاح وملت اللعبة وآثرت الاعتزال فتركت الحلبة فارغة ليدخلها عنصر ذكوري مجددا هو الفنان وائل نور، الذي بدأ وانتهى سريعا من تجربته من دون أن يترك الصدى المعهود، وعليها دخل السباق القاصي والداني وتزاحمت المواهب وضاع بريق الفوازير ولم يعد لها ذات الأهمية الأولى، حيث لاح في الأفق فن الست كوم، تلك الكوميديا المستوردة التي امتلأت بها القنوات الفضائية وأصبحت ‘سبوبة’ رزق مضمونة لكل من هب ودب ولقمة شهية سهلة الهضم والامتصاص، وقد صنع الست كوم نجوما بفضل الاستخفاف والاستظراف هم الطافون الآن على الساحة، وبفضلهم تولدت أشكال وأجناس أخرى هي خليط بين المواد الدرامية والبرامجية يربط بينها عامل مشترك واحد هو الضحك الضحك على اي شيء وكل شيء حتى وإن كان سمجا ثقيل الظل، المهم ان تتعالى القهقهات المسجلة في الباك غراوند ‘الخلفية’ لإقناع المشاهدين أن ما يرونه ويسمعونه من سخافات وابتذالات هو كوميديا صنع بره، الغريب انه أمام حالات البطالة المقنعة لبعض الفنانين الكبار اضطر عدد منهم للمشاركة كسنيدة في الحلقات الغثة لزوم أكل العيش مع ممثلين من عمر أحفادهم، متغاضين عن سنوات الخبرة والتاريخ الطويل الذي يفصل بينهم، وهذا ما يمثل مأساة حقيقية لهؤلاء الفنانين الكبار ممن جار عليهم الزمن وحطت بهم الأيام السوداء فأصبحوا كومبارس ناطقا في أعمال هزلية البطولة فيها للصبية الصغار، وأظن أن ألم التنازل بهذا الشكل المهين يفوق الألم الحقيقي لو طبق بالفعل قانون خيل الحكومة على من تقاعد من نجومنا الكبار فالأصعب من الإعدام هو التعذيب النفسي وتحكم المنتجين والمخرجين والشاردين والواردين من دخلاء المهنة وأصحاب رأس المال!
نعود إلى الموضوع الرئيسي، حيث الدراما والبرامج وما يمكن ان يستثنى منها، باعتباره الأفضل أو الأقل سوءا، وهي إشارة للأعمال ذات الجهد الواضح حتى لا يكون الحكم بالضعف والضحالة عاما، فهناك على سبيل المثال برنامج ساخر بعنوان ‘ربع مشكل’ يضع أمراض المجتمع المزمنة أمام المشاهد ويقرب الصورة الشاذة من بؤرة العدسة الزووم حتى يمكن رؤية التفاصيل بوضوح، البرنامج يعرض على قناة ميلودي للدراما ويقدمه مجموعة من الشباب يتمتعون بحس اجتماعي وسياسي مرهف، ولديهم القدرة على السخرية الهادفة والبناءة فهم يتعرضون للقضايا الحيوية مثل قضية الصحة والإهمال في المستشفيات العامة والاستغلال والسرقة والنهب في مؤسسات العلاج الفندقي بالقطاع الخاص ويبرزون التناقضات الحادة التي يعاني منها المواطن البسيط، كما يتطرقون لأول مرة وبمباشرة شديدة للمخططات الصهيونية وممارسات الشخصية اليهودية المفطورة على التحايل والتلون وسياسة النفس الطويل للحصول على أكبر قدر من المكاسب غير المشروعة، ويلمح البرنامج الى ارتباط التركيبة النفسية لدى الفرد اليهودي بحلم الدولة الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، ويوضح كيف أن ما يبدأ صغيرا عند الصهاينة ينتهي كبيرا، ويمتلك اصحاب البرنامج من الشجاعة ما يجعلهم قادرين على اختراق المحظور ولفت النظر الى المثالب والتحذير من خطورة المسكوت عنه في التعليم والصحة والاقتصاد وغيرها من نذر الخطر والكوارث التي يمكن ان تحل بالبلاد لو استمر الوضع على ما هو عليه وظلت أبواب الرشاوى والفساد والتواطؤ والتدليس مفتوحة على مصاريعها بغير محاسبة وعقاب رادع، اعتمدت السخرية في برنامج ‘ربع مشكل’ على المفارقات والمواقف والأداء التمثيلي للأبطال، فضلا عما يحمله العنوان نفسه من دلالة تشير إلى تنوع المشكلات واختلافاتها النوعية ومدى تأثيراتها السلبية الضارة والهدامة، إن أهم ما يميز البرنامج المذكور انه الوحيد والفريد بين البرامج الكوميدية المنتشرة بمحطات الضحك من غير سبب، اضافة الى اختيار القائمين على إعداده وإخراجه وتنفيذه لما يطرح من نوعيات درامية ـ تراجيدية بمذاق لاذع يناسب الموضوع ويقترب كثيرا من هموم المواطن وأوجاعه وهي خصوصية بالقطع تأتي في صالح الفكرة وتقترب بها من الواقع السوداوي العشوائي بغير مزايدة أو جنوح السينما التي حملوها مسؤولية تفشي الجريمة كأنها هي التي خلقتها وجعلوها شماعة يعلقون عليها كل كوارثهم، بينما المسؤولون الحقيقيون يغطسون في سبات عميق!