مطاع صفدي ترفض الفلسفة أن تُلحق بالفكر أية صفة تخصه بأمة معينة. فبدلاً من القول: الفكر الفرنسي أو العربي، ينبغي القول فلسفياً: الفكر عند الفرنسيين أو العرب هذا الاختلاف في الصياغة، ينقذ الفكر من أي تخصيص خارجي عن دلالته في ذاته. ومع ذلك تستخدم اللغةُ العامة هذه التوصيفات دون الاهتمام بتحديدات دقيقة. على كل حال يمكن لهذا التمييز أن يشكل مدخلاً إلى عقدة يعانيها المثقفون العرب، وهي عقدة التمسك بالخصوصية في كل شأن إشكالي يتعلق بالمفاهيم الشمولية والكونية.
الأنسب هو القول إذن، ما هو حال الفكر عند العرب المعاصرين، ذلك سؤال يتضمن ما يشبه النفي المسبق لموضوعه. كأنما، ليس هناك فكر عند العرب، لتكون له أحوال معينة يُعرف من خلالها. هذا النفي يطلق حكماً جازماً، قبلياً، قد يتأبّاه القطاعُ الأكبر من أجيال المتعلمين. فهؤلاء لم يكونوا غرباء عن سياق إنتاج الأفكار، وتبنيّها، والعيش على معانيها.. وحتى الانخراط في جبهات صراع سياسي، حاملة لشعارات الأفكار عينها كألفاظ غالياً، فاقدة لمعانيها الأصلية. فالسؤال عن حال الفكر العربي الراهن، هو سؤال عما تتصارع حوله جماعات الرأي والفعل؛ من الأهداف السياسية المعلنة. بمعنى أن الهم السياسي، بقدر ما كان مسوِّغاً لتبني أفكار ضدّ أخرى، فإنه كان معيقاً لولادة الفكر المستقل، القائم في ذاته.
تلك الولادة المستعصية من زمن نهضوي إلى آخر، جعلت النهضة المعاصرة نفسها مجرد تاريخ حدثي بدون رأس مفكر. فقد أبحرت النهضة أشبه بسفينة دون ربّان، تتقاذفها أمواج الأدلجات من كل حدب وصوب، وسط الخضم العالمي حولها. فلا تكاد ترفع لذاتها منارة تضيء لها طريقها في زحمة من منارات الآخرين.
في الواقع، كانت أكبر معاناة للنهضة العربية المغدورة، هو كونها متعايشة مع مجتمعات لا تفكر. ليست هذه ممنوعة من الفكر فحسب، لكنها لم تُتَحْ لها فرصةُ التعرّف إلى أنها لا تفكر. إذ أن اكتشاف حال اللافكر هو أهم مدخل للنهضة كيما نبحث عن عقلها. لكن الإشكالية الحقيقية هي في كون أن الموجات المتتابعة، من (الطلائع) الثورية، حتى الإسلاموية الجهادية، اختارت دائماً العيش على أقل زادٍ فكري، يحتاجه النضال من أجل القضايا الكبرى، حتى تلك (الطلائع) النادرة التي احترفت مهنة التفكير بالنيابة عن أمتها، بل قسراً عنها في أحيان كثيرة.
النهضة التي لا تفكر، أو الممنوعة والمعاقة عن إنتاج عقلها، لن تقاوم إعادة إنتاج عصر الانحطاط الذي يسبقها، مقنعاً بأسمائها وعناوينها، وتحت أجنحتها عينها. فمن أخطر أعراض هذه المعاناة الاستثنائية، بالنسبة لثقافة النهضات التاريخية، هو أن القافزين نحو أدوار المبادرين إلى اختراع مفاهيم التغيير وتسويقها الشعبوي المباشر، هم الطامحون إلى الزعامات والمناوئين غالباً لطائفة المبدعين الحقيقيين، المقذوف بهم إلى هوامش الصمت والعزلة. ههنا يتدخل نموذجان، للنهضة النخبوية، والنهضة الشعبوية. والمقارنة الفلسفية والعلمية بينهما تكشف عن بعض المعايير الأساسية، يمكن اختصارها سريعاً بإيراد مثالين عنهما بارزين في قيادة التغيير التاريخي الحديث والمعاصر، هما النهضة الأوروبية المنطلقة بثقافة نخبة من الفلاسفة والعلميين والمبدعين، والنهضة الإيديولوجية، وزعيمتها الأولى ثورة الاتحاد السوفييتي ذات الطابع الشعبوي الجذري والمتميز. فالأولى أدت إلى أعظم تغيير في تاريخ البشرية، مع الانقلاب الصناعي الذي أصبح معيار المدنية للبشرية جمعاء، أما المشروع النهضوي الآخر الذي حملته الثورة السوفييتية، فقد عصفت به الديكتاتورية المسيطرة على قاعدة شعبوية محرومة أيديولوجياً من ممارسة حرياتها، هذا بالرغم من إنجازات التنمية الشمولية الهائلة التي انخرطت فيها الملايين؛ كما سحقت ملايين آخرين. فكانت الحرية وتوأمها الفكر هما الطريدان الشريدان في مسيرة الثورة الاشتراكية، الأولى في التاريخ؛ وكانت الماركسية، هي الضحية الدائمة، التي كان يتكرر قتلها مع كل تنظير تسويغي تُضطر إليه سلطة البروليتاريا الحاكمة، تستعيره من مفردات المتن الماركسي الغائب في كليته.
أما النهضة الأوروبية فقد انطلقت بدئياً من عصر التنوير الذي أرسى القاعدة المركزية لمختلف التطورات الحضارية الآتية بعده؛ بحيث لم يغب الفكر التنويري حتى في أحلك سقطات الحداثة، وعبر منعطفاتها الهائلة، بما أنتجته من معايير التقدم ونكساته معاً. كانت هناك النخبة القائدة، ليس بمعناها التراتبي الاجتماعي أو السلطوي، ولكن بدلالة الريادة الاستراتجية لكلية التجربة الإنسانية المميزة لتلك الحضارة عن سواها. فلقد صاحب الفكرُ تحولاتِ هذه الاستراتجية. وكانت له أخطاؤه وضلالاته الكبرى مع انحرافات التجربة، أو ارتكاباتها القصدية المدمرة. لكن كانت له كذلك صحواته في اللحظات الحاسمة قبل كل تهديدٍ بالسقوط العبثي المطلق. كان واعياً لأفخاخ التسويغ، دون أن يكون في منأى دائماً عن الانخراط في شباك بعضها.
ضلالات الفكر هي الأخطر في مسيرة كل تاريخ إنساني، لكن ما يميز مشروعاً نهضوياً عن غيره هو في قدرة فكره عينه أن يكون سباقاً إلى الكشف عن تضليله أولاً لذاته، قبل فوات الأوان، قبل أن تختطف عبثياتُ الأقدار كليةُ المشروع النهضوي من أيدي رواده. فالمسيرة الغربية حفلت بثقافة القطيعات المعرفية التي كانت تمنح عقلَها أدوارَه الريادية المتعارضة نسبياً فيما بينها، لكنها المتكاملة في نتائجها والكاشفة عما يشبه إيقاع منطقٍ نظامي مميز لتقدمها الخاص.
هذه المسيرة الغربية تواجه اليوم ربما ما يتخطى أزمتها الاقتصادية العالمية، نحو تحدي المأزق الشمولي الذي تحدده النخبة الفلسفية بالمأزق الأنطولوجي. ذلك أن خيار الحلّ لم يعد من طبيعة المشكلة، أو الأزمة المالية نفسها. وبالتالي أصبحت الحالة تتطلب مراجعة الأسس الميتافيزيقية لانقيام المشروع الثقافي الغربي عينه. هذه المراجعة لها عنوان واحد، وهو استعادة عصر تنوير جديد يمنح حق الأولوية في الفهم والتقرير لسلطة الفكر مع توأمه الحرية. كأنما الغرب ما زال محتاجاً إلى مزيد من هذين التوأمين، إلى فكر أقرب إلى الحقيقة، وإلى حرية أعظم وأجدى من حرياته المكتسبة التي يفاخر بها العالم أجمع. ومع ذلك فالاختلاف بين مثقفي الغرب في اللحظة الراهنة، ليس حول هذه الأقانيم العالية، بأسمائها المجردة، لكنه هو الشعور الدرامي باستنفاد الوسائل المجربة؛ وما يُصطلح عليه بالأنظمة الاجتماعية والاقتصادية الموصلة إلى المثاليات الممكنة، أو الحافظة على الأقل لجوائز الحقوق المتقدمة نسبياً، التي تنعم بها غالبيات واضحة من شعوب أوروبا الغربية خاصة. فاليأس، مثلاً، من الرأسمالية لا يعادله إلا الخوف مما يأتي بعدها، أو بديلاً عنها. قد يشعر بعض أهل الثقافة أن التهديد الأعظم الذي يواجه حضارتهم الغربية، ليس هو خارجياً، إسلاموياً أو مشرقياً مثلاً، بقدر ما هو تهديد ذاتي ناجم عن اختلال متماد بين قطبيّ الصيغة النخبوية الموجِّهة لخصوصية هذه الحضارة، إنه اختلالُ التوازن بين النخبوية المفكرة والنخبوية الاقتصادوية. وتعاظم نفوذ الرأسمال المادي على حساب الرأسمال الرمزي، ونفوذه الإنساني بذخيرة المفاهيم والقيم والإبداع التي يغذيها جيل بعد آخر من الرواد الخلاقين في شتى حقول المعرفة والسلوك المتكاملة. فالمأزق الغربي بنيوي أنطولوجي وأعلى ما يحتاجه راهناً تحت وطأة التحدي ليس في الفرار إلى اصطناع المعارك مع المهاجرين أو المنافسين الدوليين الجدد، بل هي الحاجة إلى استرداد تقاليد عصر التنوير الذي حرر عقل الغرب ووجدانه من التبعية المزدوجة للاستبداديين، الكنسي السماوي، والأرضي، الإقطاعي الملكي المطلق.
عصر التنوير الغربي القديم، ما قبل ثلاثة أو أربعة قرون، لم يأت بشمسه لتسطع على جغرافية دون أخرى كان دعوةً حقيقية لصعود نخبوية الإنسان ما فوق حيوانية التسلط والعبودية. كان تبشيراً مبكراً أو متأخراً، موجهاً إلى المعمورة البشرية دون تمييز بين عروق أو ألوان وطبقات وأجناس الخ.. حقاً أن شعلة التنوير لم يتح لها أن تضيء أرجاء الغرب كلها، ولا أرجاء المعمورة دفعة واحدة، لكنها أرست مرجعية الإنسان لمستقبل التاريخ الكوني الآتي بعدها. فكان على المشروع الغربي أن يُصَحّح ذاته نهضوياً عالمياً يوماً ما، بالرغم من آمرية خصوصيته المفروضة على حريات الآخرين، من ضعفائه داخلياً، وأنداده خارجياً.
سرّ الغرب هو الفكر. فقد انتزع الغرب شعلة الفكر من منارة الإسلام المنهارة، بعد سقوط حضارته العربية الكونية. ثم عاش الغرب مستقبل حضارته على إبداعات الفكر في خيرها وشرها. مصمماً دائماً على احتكار شعلته لذاته، دون أن يسمح لانطلاق شرارة واحدة منه خارج إرادته ومساحته الإنسانية. أدرك الغرب أن القوة المركزية في هذا العالم هي للفكر لأنها هي الكاشفة والمعجزة لبقية القوى كلها. وبالتالي كان ينبغي على النهضة الغربية ألا تنسى أبداً أنها مدينة لعصر تنويرها الذي أطلق الحداثة في مختلف ميادينها. وإذا كانت هذه النهضة مستدامة بإمكانياتها الهائلة. فذلك لأن التنوير مخالط لأزمنتها، متملك من القدرة على قشع ظلماتها كلما أطبقت عليها، بعد كل سقطة اختطاف للفكر واستثمار له في غير معارجه وضداً على طبيعته.. يحدث هذا عندما يتم تفكيكها عن توأمه الحرية، فيغدو حينئذ آلة رهيبة لتدمير الجنس البشري.
قد يشعر البعض من (أهل) الفكر هنا، أن فرصة الغرب المتبقية لتجاوز الأزمة، هو الإقرار أولاً أن الأزمة هذه هي إشارة المأزق الأنطولوجي الأكبر القابض على صيرورة المشروع الثقافي الغربي. لن تتم مواجهته إلا بانبعاث عصر تنوير حقيقي في جوهره الإنساني الكلي. لن يكون تنويراً لأحد خاصٍ ضداً على الكلّ؛ فليس الخيار اليوم هو بين الرأسمالية والاشتراكية، ولكنه لبقاء الإنسان وكوكبه المتهالك. فالتنوير العالمي قد يكون هو الطوباوية الجديدة، لكنها هي المستحيل الممكن الوحيد، ضد كل المستحيلات الأخرى غير الممكنة أبداً..’ مفكر عربي مقيم في باريس