«طوفان الأقصى»… حرب «الإرادة» ضد «الأرمادا»

عندما يطلق الوعي المقاوم الفلسطيني اسما على عملية ما، يفعل ذلك من باب تسجيل اللحظة فقط، فطوفان الأقصى عملية تقع ضمن الخريطة الاستمرارية للغضب العارم، الذي شمل الذّات الفلسطينية منذ أن وطئت أقدام الاستعمار أرض فلسطين، وكل انتفاضة هي طوفانٌ تذكيريٌ بالإنسان المتجذّر في الأرض والوطن والقضية، بمعنى أنّ كل حركة مقاوماتية هي طوفانُ الطوفانِ المستمر، الذي سوف يجرف المحتل وينهيه ما دام الحق في الأرض من ثوابت الهوية الفلسطينية.
تحتل القضية الفلسطينية في قلوب ووجدان العرب والمسلمين مكانا ومكانة لا تضاهى، باعتبار عدالتها التي ما زالت تراوح مكانها في أقبية المنظمة الدّولية ومجلس الأمن وقراراتهما التي تمثل «الشرعية الدولية»، وعند هذا المفهوم تنحبس الأفهام، لأنّ الشرعية امتلاكٌ للحق، ولا شيء أوضح من أن يؤخذ من الإنسان حقه، وتخذله جميع القوى الدولية التي تصطف خلف الغاصب، ليس هذا وحسب، بل تسمي كيانه الظالم «دولة»، ولهذا يشعر كل مناصر للقضايا العادلة في العالم، وكل عربي ومسلم بأنّ القضية الفلسطينية تعاني من ازدواج المعايير، فمن جهة هي صاحبة حق، وفي الوقت ذاته يتغلب الهوى السياسي لدول الاستكبار العالمي على معايير الشّرعية الدولية، ومما يزيد الطين بلة هو محور التطبيع العربي، الذي راح «يهرول» نحو مد اليد للعدو على حساب مصلحة الأخ في العروبة والإسلام والتاريخ واللغة والمصير، ولكن هذا يزيد في الوقت ذاته من التشبث بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وسيادته على كامل أرضه، وسيكون لـ«طوفان الأقصى» ما بعده في ما يتعلق بالتطبيع، إذ اعتبر توماس فريدمان أنّ كل حرب مطولة بين إسرائيل وحماس ستجعل من مقترح اتفاق التطبيع بين السعودية وإسرائيل مستحيلا.
لست مع كل تحليل يدعو للعقلنة في مثل ظروف كهذه، هل الاستعمار واغتصاب الحق في الوجود وفي الحدود، حينما مورس على شعبٍ اعتُبِر في قرارات الصهاينة «بلا أرض»، عملا عقلانيا؟ إنّ الفطرة السّليمة لا يمكن أن تنكر على المستعمَر المقاومة بالطرق المتاحة لاسترجاع حقه المسلوب، فالمستعمَر غير معني بكل ما تتفضل به العقول والأهواء المدجّنة بالمكيفات الهوائية والمكاتب الفخمة، والفنادق البعيدة عن فوهات البنادق والقصف العشوائي، أن تكشف عن تحليلاتها «العقلانية» للتعامل مع المستعمِر الغاصب، الهمجي والمتوحش، الذي لا يرعى إلاًّ ولا ذمّة في إنسان لا يريد إلا أن يعيش بكرامة في ظل أرضه ووطنه، إذ لو أخذ الشباب مناضلو التّحرير في الجزائر بهذه العقلانية لما تحرّرت، لمّا وقفوا في حزب الشعب وكان يومذاك يمثل بيت الأمة السياسي بقيادة أب الوطنية الجزائرية مصالي الحاج، معلنين عن نيتهم في اتخاذ النهج الثوري سبيلا لاسترداد السيادة الوطنية، وصفهم مصالي آنذاك بـ»المغامرين»، لأنّه حسَب حسابات المواجهة بالقوة ونظروا إلى ذلك بالإيمان والإرادة.

لست مع كل تحليل يدعو للعقلنة في مثل ظروف كهذه، هل الاستعمار واغتصاب الحق في الوجود وفي الحدود، حينما مورس على شعبٍ اعتُبِر في قرارات الصهاينة عملا عقلانيا؟

وصف الإعلامي المصري محمد القدوسي إحدى أسيرات الصهاينة بأنّها لم تكن تمارس إرهابا في «غلاف غزة» فقط كانت تستمتع بجولة صيد لمخلوقات البليز نو please no، طبعا كان يتهكم على من يقولون بأنّ حماس أسرت مدنيين. إنّ من يتحدّث من خلال العقلنة الفارغة متجاهلا موازين القوى القائمة على القوة والبطش، المتجاهلة ذلك الكائن الـ please no الذي يرفع يديه أمام الجندي الصهيوني معلنا أنّه غير مسلّح، وهو مجرد إنسان يعتاش على شح الأيام ويعاني من القهر، في هذه اللحظة يضغط الجندي الغاصب على الزناد غير مُفرّق بين مدني وغيره ليحطم مرآة الفلسطيني، التي تعكس تاريخا عريقا منذ الكنعانيين الذين شيّد ملكهم صادق مدينة «يبوس» القدس وأسّسوا الكثير من المدن الفلسطينية التاريخية عسقلان ويافا وغزة وأريحا وغيرها، وتختزن ذاكرته قبائل «فلستة» الذين استوطنوا الساحل وأخذت فلسطين اسمها منهم.
تأتي العملية العسكرية «طوفان الأقصى» لتهزّ عرش الكيان الغاصب الذي تأسّس عصاباتيا على أنقاض الهاغانا وشتيرن وإرغون، والأحقاد الدّفينة في نفوس الأشرار الذين لفظهم العالم كبن غوريون وغولدا مائير وموشي دايان وغيرهم، هؤلاء الذي أسقطوا فظاعات عقدهم الهوياتية ليقتلعوا هويةً مؤسّسة، ويصبّوا جام غضبهم على رفض العالم لهم والغربي بالذات، الذي كان يعتبر اليهودي كينونة جشعة لا محل لها في مجال الوجودية الأوروبية، لأنّ اليهودي ذاته يعاني خللا في هويته، وهو ما يعكسه عنوان كتاب إسحاق دويتشر «اليهودي اللايهودي». انطلاقا من مؤتمر بازل وجهود هرتزل في بعث الفكرة الصهيونية والوطن القومي لليهود والتواطؤ بين الإنكليز والصهاينة، في ما عرف بوعد بلفور في رسالته الموجهة إلى روتشيلد، تسلح اليهودي الذي سيصير صهيونيا بالحق التاريخي، وراح يبحث عن أساس تاريخي يسند أطروحته منهمكا في ممارسة حفرياته الأركيولوجية، التي لم تسفر سوى عن دياسبورا وثائقية مادية ومعنوية للشخصية الصهيو ـ يهودية في التاريخ وفي الأرض. يعتبر «طوفان الأقصى» إعلانا بديلا وصادقا لدحض أكذوبة جيش الدفاع الصهيوني الذي لا يقهر، وتحرير للوعي اليهودي أيضا من هيمنة الدعاية الصهيونية التي تريد سجن اليهودي في تصورات زائفة مكّنت لها من خلال «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، ما جعل اليهودي يعيش داخل فقاعة تاريخية لا تستطيع تكريس رؤيتها في التاريخ، إنّ الوقائع تكذّب ما تدّعيه وأوّلها ما يطرحه اليهودي على نفسه منكرا له: إذا كانت فلسطين أرضا بلا شعب فمن أين انبثق الفلسطيني الذي نجرّده من أرضه وممتلكاته؟

إنّ المستوطن الذي يطرد الفلسطيني من بيته ليحتله، يحاول عبثا طرد التاريخ الفعلي ليؤثث وعيه الإحلالي برواية تكرّس تاريخا ظنّيا، ما انفك الغرب يدعّم أطروحته عن طريق المساندة والمساعدة للمشروع الصهيوني، وما الاصطفاف اللامشروط والفج مع العدو الصهيوني، إثر طوفان القدس سوى تعرية للوجه القبيح الذي شكلته الأزمنة الاستعمارية للغرب، وغير ممكن أن نطالب هذا الغرب العسكري والسياسي القبيح أن يكون في صفّنا، ولكن إن كان له ضمير فنحن نخاطب فيه ذلك ليكون مع الحق والشرعية الدولية والأعراف الإنسانية، ونهيب بالأنظمة المُطبِّعة أن لا تكون حجرة في مقلاع العدو والغرب لتضرب صمود الفلسطيني المقاوم.
تستمد القضية الفلسطينية قوّتها من شرعيتها وتاريخيتها والإيمان بها، وعندما نفتح عيوننا على عمليات مقاوماتية تعيد للانتفاضة الفلسطينية قوتها التاريخية وروحها الجهادية، ندرك جيّدا كما يدرك المقاوم في الداخل المحتل وحشية الرد الانتقامي، ولا شك في أنّ المحاصرين في غزّة يعانون الأمرّين، وقْعُ الحصار وشدّة الانتقام الصهيوني الأعمى الذي يستهدف أول ما يستهدف المدنيين والبنايات، في كل مرّة تكبّده المقاومة خسائر فادحة معنوية ومادية يشعر بجرح كبريائه العسكري، فيتحول مجنونا بَقَرِيا ينطح كل من يصادفه.
سوف تشهد الذاكرة الاستعمارية على المستعمِر، وسوف تؤرّق ما تبقى له من العمر على وجه هذه الأرض التي فيها «ما يستحق الحياة» برؤية درويش. إنّ الصهيونية ضد منطق الأشياء، لأنّها تحمل مشروعا للموت، فحين تنتهك حرمة الأرض التي ليست ملكا لها، فهي تخرق الميثاق الوجودي الذي تختزنه معجزة الخلق الإلهي للإنسان، الذي أوجده ليحيا على هذه الأرض التي تعكس الوجه المادي للحياة، ومنذ أن وُجد الصهيوني وُجد معه مشروع الموت، موت هوية الأرض الحقيقية ليُلبسها هوية مزيّفة، وموت الفلسطيني لتظهر الصورة المشوّهة للإنسان الذي تتعدد فيه الهويات: التائه وبلا أرض والمحتل والمستوطن ومرتكب المجازر والخائف.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية